الفهارس > أحاديث > من تعلق تميمة فقد أشرك >  إجابة عن أسئلة متفرقة حول كتابة التعاويز بالآيات وأمور أخرى تتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم

إجابة عن أسئلة متفرقة حول كتابة التعاويز بالآيات وأمور أخرى تتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم

السؤال الأول: هل كتابة التعاويذ من الآيات القرآنية وغيرها وتعليقها في الرقبة شرك أم لا؟
والجواب: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الرقى والتمائم والتولة شرك أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه وأخرج أحمد أيضًا وأبو يعلى والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له وأخرجه أحمد من وجه آخر عن عقبة بن عامر بلفظ: من تعلق تميمة فقد أشرك والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والتميمة هي ما يعلق على الأولاد أو غيرهم من الناس لدفع العين أو الجن أو المرض ونحو ذلك، ويسميها بعض الناس حرزًا ويسميها بعضهم الجامعة، وهي نوعان:
أحدهما : ما
( الجزء رقم : 2، الصفحة رقم: 384)
يكون من أسماء الشياطين أو العظام أو الخرز أو المسامير أو الطلاسم وهي الحروف المقطعة أو أشباه ذلك، وهذا النوع محرم بلا شك لكثرة الأدلة الدالة على تحريمه وهو من أنواع الشرك الأصغر لهذه الأحاديث وما جاء في معناها، وقد يكون شركًا أكبر إذا اعتقد معلق التميمة أنها تحفطه أو تكشف عنه المرض أو تدفع عنه الضر من دون إذن الله ومشيئته.
والنوع الثاني : ما يعلق من الآيات القرآنية والأدعية النبوية أو أشباه ذلك من الدعوات الطيبة، فهذا النوع اختلف فيه العلماء فبعضهم أجازه وقال: إنه من جنس الرقية الجائزة، وبعض أهل العلم منع ذلك وقال: إنه محرم واحتج على ذلك بحجتين:
إحداهما : عموم الأحاديث في النهي عن التمائم والزجر عنها والحكم عليها بأنها شرك، فلا يجوز أن يخص شيء من التمائم بالجواز إلا بدليل شرعي يدل على ذلك وليس هناك ما يدل على التخصيص، أما الرقى فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن ما كان منها بالآيات القرآنية والأدعية الجائزة فإنه لا بأس به إذا كان ذلك بلسان معروف المعنى ولم يعتمد المرقى عليها، بل اعتقد أنها سبب من الأسباب لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا ، وقد رقى النبي صلى الله عليه وسلم ورقى بعض أصحابه، وقال: لا رقية إلا من عين أو حمة ، والأحاديث في ذلك كثيرة، أما التمائم فلم يرد في شيء من الأحاديث استثناء شيء منها فوجب تحريم الجميع عملاً بالأدلة العامة، الحجة الثانية : سد ذرائع الشرك وهذا أمر عظيم في الشريعة، ومعلوم أنا إذا جوزنا التمائم من الآيات القرآنية والدعوات المباحة انفتح باب الشرك واشتبهت التميمة الجائزة بالممنوعة، وتعذر
( الجزء رقم : 2، الصفحة رقم: 385)
التمييز بينهما إلا بمشقة عظيمة فوجب سد الباب وقفل هذا الطريق المفضي إلى الشرك، وهذا القول هو الصواب لظهور دليله والله الموفق.
السؤال الثاني: يقول كثير من علمائنا أنه من الممكن أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأن رؤيته في المنام حقيقة؛ لأن الشياطين لا يستطيعون أن يتمثلوا بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وهل مثل هذه العقيدة شرك أم لا؟
الجواب : هذا القول حق وهو من عقيدة المسلمين وليس فيه شرك لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي متفق على صحته. فهذا الحديث الصحيح، يدل على أنه صلى الله عليه وسلم قد يُرى في النوم، وأن من رآه في النوم على صورته المعروفة فقد رآه، فإن الشيطان لا يتمثل في صورته، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون الرائي من الصالحين، ولا يجوز أن يعتمد عليها في شيء يخالف ما علم من الشرع، بل يجب عرض ما سمعه الرائي من النبي صلى الله عليه وسلم من أوامر أو نواهي أو خبر أو غير ذلك من الأمور التي يسمعها أو يراها الرائي للرسول صلى الله عليه وسلم على الكتاب والسنة الصحيحة، فما وافقهما أو أحدهما قبل، وما خالفهما أو أحدهما ترك؛ لأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها وأتم عليها النعمة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن يقبل من أحد من الناس ما يخالف ما علم من شرع الله ودينه سواء كان ذلك من طريق الرؤيا أو غيرها وهذا محل إجماع بين أهل العلم المعتد بهم، أما من رآه - عليه الصلاة والسلام - على غير صورته فإن رؤياه تكون
( الجزء رقم : 2، الصفحة رقم: 386)
كاذبة كأن يراه أمرد لا لحية له، أو يراه أسود اللون أو ما أشبه ذلك من الصفات المخالفة لصفته - عليه الصلاة والسلام -، لأنه قال عليه الصلاة والسلام: فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي فدل ذلك على أن الشيطان قد يتمثل في غير صورته - عليه الصلاة والسلام - ويدعي أنه الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل إضلال الناس والتلبيس عليهم.
ثم ليس كل من ادعى رؤيته صلى الله عليه وسلم يكون صادقًا وإنما تقبل دعوى ذلك من الثقات المعروفين بالصدق والاستقامة على شريعة الله سبحانه، وقد رآه في حياته صلى الله عليه وسلم أقوام كثيرون فلم يسلموا ولم ينتفعوا برؤيته كأبي جهل وأبي لهب وعبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وغيرهم، فرؤيته في النوم - عليه الصلاة والسلام - من باب أولى
.
السؤال الثالث: هل الرسول صلى الله عليه وسلم حي في قبره أم لا، وهل يعلم في قبره بأمور الدنيا ، وهل هذه العقيدة شرك أم لا؟
الجواب : قد صرح الكثيرون من أهل السنة بأن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة برزخية لا يعلم كنهها وكيفيتها إلا الله سبحانه، وليست من جنس حياة أهل الدنيا بل هي نوع آخر يحصل بها له صلى الله عليه وسلم الإِِحساس بالنعيم ويسمع بها سلام المسلم عليه عندما يرد الله عليه روحه ذلك الوقت، كما في الحديث الذي رواه أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام وخرج البزار بإسناد حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام وأخرج أبو داود بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تجعلوا
( الجزء رقم : 2، الصفحة رقم: 387)
قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهذه الحياة البرزخية أكمل من حياة الشهداء التي أخبر الله عنها سبحانه بقوله: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وفي قوله عز وجل: وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ وروحه - عليه الصلاة والسلام - في أعلى عليين عند ربه عز وجل وهو أفضل من الشهداء فيكون له من الحياة البرزخية أكمل من الذي لهم، ولكن لا يلزم من هذه الحياة أنه يعلم الغيب أو يعلم أمور أهل الدنيا بل ذلك قد انقطع بالموت لقوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له أخرجه مسلم في صحيحه، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: يذاد رجال يوم القيامة عن حوضي فأقول: يا رب أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ متفق على صحته، والأحاديث في هذا الباب كثيرة وهو صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب في حياته، فكيف يعلمه بعد مماته، وقد قال الله سبحانه: قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ وقال عز وجل آمرًا نبيه أن يبلغ الناس: قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ
( الجزء رقم : 2، الصفحة رقم: 388)
وقال تعالى: قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
والآيات الدالة على أنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب كثيرة وهكذا غيره من الناس من باب أولى، ومن ادعى أنه يعلم الغيب فقد أعظم على الله الفرية، كما قالت ذلك عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -، ولما قذف بعض الناس زوجته عائشة رضي الله عنها في بعض غزواته وأشاع ذلك بعض المنافقين ومن قلدهم لم يعلم النبي براءتها حتى نزل القرآن بذلك، ولو كان يعلم الغيب لقال لها وللناس أنها بريئة ولم ينتظر نزول الوحي في ذلك، وهكذا لما ضاع عقدها في بعض أسفاره بعث أصحابه يلتمسونه فلم يجدوه ولم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم مكانه حتى أقاموا البعير الذي كانت تحمل عليه فلما أقاموه وجدوه تحته، والأحاديث في ذلك كثيرة وفيما ذكرت إن شاء الله كفاية
.
السؤال الرابع: هل يكون من الشرك إذا قال أحد في أي بقاع الأرض: يا محمد يا رسول الله، يناديه؟
الجواب : قد بين الله سبحانه في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم أن العبادة حق الله ليس فيها حق لغيره، وأن الدعاء من العبادة فمن قال من الناس في أي بقعة من بقاع الأرض: يا رسول الله أو يا نبي الله أو يا محمد أغثني أو أدركني أو انصرني أو اشفني أو انصر أُمتك أو اشف مرضى
( الجزء رقم : 2، الصفحة رقم: 389)
المسلمين أو اهد ضالهم أو ما أشبه ذلك فقد جعله شريكًا لله في العبادة، وهكذا من صنع مثل ذلك مع غيره من الأنبباء أو الملائكة أو الأولياء أو الجن أو الأصنام أو غيرهم من المخلوقات، لقول الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ . وقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .
ولقوله تعالى في سورة الفاتحة : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وقوله سبحانه: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ وقوله عز وجل: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ فسمَّى الدعاء عبادة وأخبر أن من استكبر عنها سيدخل جهنم داخرًا أي: صاغرًا، وقال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ وقال سبحانه: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ وقال عز وجل:
( الجزء رقم : 2، الصفحة رقم: 390)
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ وقال سبحانه: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ وقال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا
وهذه الآيات وما جاء في معناها من الآيات والأحاديث كلها تدل على أن العبادة حق الله وحده، وأن الواجب تخصيصه بها لكونه خلق العباد لذلك وأمرهم به، كما تدل على أن جميع المعبودين من دون الله لا يسمعون دعاء من يدعوهم ولو فرض سماعهم لم يستجيبوا له، كما دلت أيضًا على أن المعبودين من دون الله يتبرأون من عابديهم يوم القيامة وينكرون عليهم ذلك ويخبرونهم أنهم كانوا غافلين عن عبادتهم إياهم، وبين أنهم يكونون يوم القيامة أعداء لعابديهم من دون الله، وقد بعث الله الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وعلى رأسهم خاتمهم وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يدعون الناس إلى عبادة الله وحده ويحذرونهم من عبادة ما سواه، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وقال عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ ، وقال عز وجل في سورة الرعد آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغهم ما أمره به:
( الجزء رقم : 2، الصفحة رقم: 391)
قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ وقال - عليه الصلاة والسلام - في الحديث الصحيح: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا متفق عليه من حديث معاذ رضي الله عنه، وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مات وهو يدعو لله ندًّا دخل النار ، وقال - عليه الصلاة والسلام -: الدعاء هو العبادة ، وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار وفي صحيح مسلم أيضًا عن طارق الأشجعي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل .
وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك الحديث، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ولا شك أن المستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بغيره من الأولياء والأنبياء والملائكة أو الجن، إنما فعلوا ذلك معتقدين أنهم يسمعون دعاءهم ويقضون حاجاتهم وأنهم يعلمون أحوالهم وهذه أنواع من الشرك الأكبر؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل، ولأن الأموات قد انقطعت أعمالهم وتصرفاتهم في عالم الدنيا، سواء كانوا أنبياء أو غيرهم؛ ولأن الملائكة والجن غائبون عنا مشغولون بشئونهم.
وليس لنا أن نصرف لهم شيئًا من حق الله أو ندعوهم مع الله عز وجل؛ لأن الله سبحانه أمرنا أن نعبده وحده دون ما سواه، وأخبر أنه خلق الثقلين لذلك، كما تقدم ذكر الآيات في هذا
( الجزء رقم : 2، الصفحة رقم: 392)
المعنى؛ ولأن جميع المعبودين من دون الله لا يستطيعون قضاء حاجات عابديهم ولا شفاء مرضاهم، ولا يعلمون ما في نفوسهم، وإنما الذي يقدر على ذلك ويعلم ما في الصدور هو الله وحده، ومن الآيات الدالة على ذلك، قوله سبحانه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ وسمَّى سبحانه في هذه الآية دعاء غيره شركًا، وفي آية أخرى سماه كفرًا، كما في قوله: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ .
وبين عز وجل في آية أخرى أن المعبودين دون الله من الأنبياء وغيرهم لا يملكون كشف الضر عن داعيهم ولا تحويله من حال إلى حال ولا من مكان إلى مكان أو من شخص إلى شخص آخر، كما قال عز وجل في سورة الإِِسراء : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا والآيات في هذا المعنى كثيرة.
تنبيه هام:
ليس من عبادة غير الله التعاون بين العباد الأحياء القادرين بمقتضى الأسباب الحسية، كطلب الإِِنسان من الإِِنسان الحي
( الجزء رقم : 2، الصفحة رقم: 393)
القادر الحاضر أو الغائب بالمكاتبة ونحوها أن يعينه على تعمير بيته أو إصلاح سيارته أو أن يقرضه شيئًا من المال أو يساعده في الجهاد أو على التحرز من اللصوص أو قطاع الطرق أو نحو ذلك، وهكذا خوف الإِِنسان من عدوه الحي أو من اللصوص أو من المؤذين طبعًا كالسباع والحيات والعقارب فيعمل بما يحرزه من ذلك، ومن الأدلة على ذلك قوله سبحانه في سورة القصص في قصة موسى: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ وقوله عز وجل: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ الآية، وقوله سبحانه: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وقول النبي صلى الله عليه وسلم: والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فينبغي التنبه لهذا الأمر والعناية به؛ لأن كثيرًا من الجهال والمشركين يلبسون على بعض دعاة التوحيد بمثل هذه الأمور، والله المستعان
.
السؤال الخامس: إذا جاء أحد عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي ويسلم عليه هل يسمعه ويراه وهل هذه العقيدة شرك أم لا؟
الجواب : المشروع للمسلم إذا زار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبدأ بالصلاة في مسجده - عليه الصلاة والسلام -، وإذا أمكن أن يكون ذلك في الروضة الشريفة فهو أفضل، ثم يتوجه إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويقف أمامه بأدب وخفض صوت، ثم يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه رضي الله عنهما.
( الجزء رقم : 2، الصفحة رقم: 394)
وقد أخرج أبو داود بسند جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام وقد احتج جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على أنه صلى الله عليه وسلم يسمع سلام المسلمين عليه إذا ردت عليه روحه، وقال آخرون من أهل العلم ليس هذا الحديث صريحًا في ذلك وليس فيه دلالة على أن ذلك خاص بمن سلم عليه عند قبره، بل ظاهر الحديث يعم جميع المسلمين عامة، وقد ثبت عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء خرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد حسن .
وسبق قوله صلى الله عليه وسلم: إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم يبلَّغ صلاة المصلين عليه وسلامهم، وليس فيها أنه يسمع ذلك فلا يجوز أن يقال أنه يسمع ذلك إلا بدليل صحيح صريح يعتمد عليه، فإن هذه الأمور وأشباهها توقيفية ليس للرأي فيها مجال، وقد قال الله سبحانه: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا وقد رددنا هذه المسألة إلى القرآن العظيم وإلى السنة الصحيحة فلم نجد ما يدل على سماعه صلى الله عليه وسلم صلاة المصلين وسلامهم، وإنما في السنة الدلالة على أنه يبلَّغ ذلك، وفي بعضها التصريح بأن الملائكة هي التي تبلغه ذلك والله
( الجزء رقم : 2، الصفحة رقم: 395)
سبحانه أعلم، أما كونه صلى الله عليه وسلم يرى المُسلِّم عليه فهذا لا أصل له وليس في الآيات والأحاديث ما يدل عليه، كما أنه - عليه الصلاة والسلام - لا يعلم أحوال أهل الدنيا ولا ما يحدث منهم؛ لأن الميت قد انقطعت صلته بأهل الدنيا وعلمه بأحوالهم كما تقدمت الأدلة على ذلك، وما يروى في هذا الباب من الحكايات والمرائي المنامية وما يذكره بعض أهل التصوف من حضوره صلى الله عليه وسلم بينهم واطلاعه على أحوالهم، وهكذا ما يذكر بعض المحتفلين بمولده - عليه الصلاة والسلام - من حضوره بينهم، فكل ذلك لا صحة له ولا يجوز الاعتماد عليه؛ لأن الأدلة الشرعية محصورة في كلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع أهل العلم المحقق. أما الآراء والمنامات والحكايات والأقيسة فليس لها مجال في هذا الباب ولا يعتمد على شيء منها في إثبات شيء مما ذكرنا. والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين
.



  سابق     تالي