تصفح برقم المجلد > الجامع لخطب عرفة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ > كلمة سماحة المفتي

( الصفحة رقم: 5 )

كلمة سماحة المفتي

الحمد لله رب العالمين ، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين ، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد :
فإن ليوم عرفة شرفا عظيما وفضلا كبيرا ، ذلكم اليوم العظيم الذي نالت فيه الأمة المحمدية وسام الرفعة والشرف على سائر الأمم؛ إذ في ذلك اليوم أنزل على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ، أنزلها على نبيه وهو واقف يوم عرفة في يوم الجمعة .
ولقد انتبه لهذا الفضل العظيم بعض أتباع الملل الأخرى كاليهود ، قال يهودي لعمر -رضي الله عنه-: آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت ، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأي آية ؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . قال عمر : إني أعلم اليوم الذي نزلت فيه ، والمكان الذي نزلت فيه: نزلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو واقف بعرفة يوم الجمعة ،
( الصفحة رقم: 6)
وكلاهما لنا عيد.
أخي المسلم ، خطبة يوم عرفة خطبة تميزت بأنها خطبة تلقى على مسامع الحجيج على اختلاف بلادهم ولغاتهم ، وزادت أهمية في هذا العصر الذي أصبحت تبث فيه بواسطة الأقمار الصناعية إلى أرجاء المعمورة ، يسمعها العالم كله في آن واحد . إذًا فلهذه الخطبة شانها وفضلها ، وينبغي العناية بها قدر الإمكان .
ومن منة الله علينا وتوفيقه لنا أن هيأ لنا إلقاء الخطبة بمسجد نمرة يوم عرفة منذ عام ( 1402 هـ ) ، فلقد تلقيت في خامس ذي القعدة عام ( 1402 هـ ) خطابا موجها لي من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته- تضمن هذا الكتاب العهد إلي بإلقاء خطبة يوم عرفة بنمرة ، نيابة عن فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ -الذي طالما صعد هذا المنبر لعقود عديدة- ، وباشرت الخطبة في ذلك العام ، وفي العام التالي كذلك ، ثم جاء التوجيه من خادم الحرمين الشريفين -رحمه الله- في عام ( 1404 هـ ) بالخطابة في هذا المكان بصفة مستمرة ، أرجو من الله أن نوفق فيها لكل خير.
أخي المسلم، إن هذه الخطبة بحق تهم من يلقيها ويتحدث
( الصفحة رقم: 7)
فيها ، حيث إن الواقع يقتضي ذلك ، فأنت تخاطب العالم لتوضح فيها شريعة الإسلام: محاسن هذه الشريعة ، ومزاياها ، وخصائصها ، لتدعو العالم إلى التدبر والتعقل والتأمل ، لتقول لهم: هذه شريعة الله ، هذا دين الله ، هذه أخلاق الإسلام ، هذه مبادئ الإسلام تمسكوا بها أيها المسلمون ، واقبلوا الإسلام يا من لم يعتنقه؛ فهو الدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه.
إن محمدا -صلى الله عليه وسلم- سيد خطباء يوم عرفة على الإطلاق ، إنه خطب الناس في ذلك المجمع الكريم خطبة كانت وجيزة في لفظها ، كثيرة في معانيها ، ولا غرو فهو سيد أهل البيان -صلى الله عليه وسلم- ، وهو أفصح الخلق بيانا ، وأحسنهم أداء ، وأقدرهم على جمع المعاني في الكلمة الواحدة؛ حيث أعطاه الله جوامع الكلم ، واختصر له اختصارا ، ألقى تلك الخطبة العظيمة التي بين فيها حرمة أموالهم ، وأن تحريم الدماء والأموال حرام كتحريم هذا اليوم العظيم في بيت الله الحرام ، وفي الشهر الحرام ، بين فيها ما للمرأة من حقوق وما عليها من واجبات ، بين للأمة أن الله ألغى به مآثر الجاهلية التي قبل الإسلام ، سواء في الأموال أو الدماء أو الأعراض . قال لهم : إن كل أمر من أمور الجاهلية تحت قدمي موضوع . وحقا إنه قضى على ظلم الجاهلية
( الصفحة رقم: 8)
وضلالتها ، وأقام المجتمع المسلم الوسطي القائم على العدل والخير والهدى ، ألغى فيها ما كان بينهم من معاملات ربوية ، وخص عمه العباس لأنه كان ممن يتعامل بالربا ، وليكون أمر العباس أمرا شاملا للجميع .
ألغى فيها دعوات الجاهلية وآثارها السيئة في الدماء .
كل ذلك يبين أن الإسلام جاء لينقل العالم من حياة إلى حياة ، من صورة قاتمة مظلمة إلى صورة مشرقة ، ليستقبلوا عملا جديدا ، ولينسوا الماضي اللئيم ، وليستقبلوا عمرا جديدا وأياما سعيدة ، حقا إنها أيام الخير والبركة ، لقد ذكر الله الأمة بهذه النعمة فقال: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ
إن الرعيل الأول من هذه الأمة يتذكرون تلك الضلالات التي كانوا يعيشونها ، وتلك المصائب التي مرت بهم ، ويتذكرون نعمة الله عليهم بهذا الدين الذي جمع بين قلوبهم ، ووحد به صفوفهم ، وأخرجهم به من ظلمات الجهل إلى نور العلم والهدى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ .
( الصفحة رقم: 9)
موقف يوم عرفة موقف إسلامي غيرته الجاهلية وحرفته عن سبيله ، فكان سكان الحرم لا يقفون بعرفة ويقولون: نحن أهل الحرم نقف بالحرم . ويجعلون موقف عرفة للآفاقيين ، فجاء محمد -صلى الله عليه وسلم- وأعاد الحج على قواعد إبراهيم ، فوقف بعرفة وقال: الحج عرفة . وقال: وقفت هاهنا ، وعرفة كلها موقف .
أخي المسلم ، دونك خطبا جمعتها لمدة عشر سنوات ، وهي من عام ( 1402 هـ ) إلى عام ( 1411 هـ ) ألقيتها بمسجد نمرة .
هذه الخطب المتواضعة التي حرصت فيها بتوفيق من الله أن تكون خطبا شاملة جامعة لأصول الدين ، فتحدثت عن العبادة ، وعن الأخلاق ، وعن مناسك الحج ، وماذا يجب على المسلمين نحو دينهم ونحو أنفسهم ، هي خطب تعالج تلك القضايا ، أسال الله أن أكون موفقا فيها للصواب.
وما وجدته يا أخي فيها من أسلوب قد لا يعجبك أحيانا ، أو بعض الأخطاء التي ليست مقصودة ، فإني أرجو أن تصحح هذا الخطأ ، وأن تدعو لمن ألقاها بالمغفرة والرضوان ، وأرجو من الله أن يعم نفعها وأن يكون في إخراجها خير للإسلام والمسلمين.
( الصفحة رقم: 10)
وفي ختام كلمتي هذه أحب أن أنوه بأمر عظيم مهم ، ألا وهو ما من الله به على العالم الإسلامي في هذه المائة عام المتأخرة ، حيث هيأ الله لهم زيارة البيت الحرام لأداء العمرة والحج للوقوف بتلك المشاعر العظيمة ، وزيارة مسجد محمد -صلى الله عليه وسلم- ، لقد كان الحج لبيت الله الحرام أمنية تختلج في نفس كل مؤمن يتمنى أن يزور البيت الحرام ، ولو في عمره مرة ، ولقد مضى على العالم الإسلامي بعد القرون الثلاثة المفضلة سنون عديدة تمر بهم، ما يأتي البيت الحرام من أرجاء العالم الإسلامي أحد إلا النزر من الناس ، فيتعذر من المشرق الإسلامي أو من مغربها الوصول إلى الحج ، لماذا ؟
يتعذر أولا لصعوبة الوصول إلى البيت الحرام ، ولاختلال الأمن في العالم الإسلامي ، بعد ضعف الدولة الإسلامية ضعف الأمن وكثر الخوف وقطاع الطرق الذين ينهبون الناس ويسلبون أموالهم ، وربما قتلوهم ، وربما استرقوهم .
إن الحج أصبح مشكلة من أكبر المشاكل ، ولقد مضى على بعض علماء الأمة ذوي المكانة والفضل عمرهم ، ما تمكن واحد منهم من زيارة البيت الحرام ، فسبحان الحكيم العليم!
ولكن في هذه العصور المتأخرة منذ أيام الملك عبد العزيز –غفر الله له– فإن الله جعل على يديه تسهيل أمر الحجيج ، فأمن الوصول إلى البيت
( الصفحة رقم: 11)
الحرام
.
ثم البيت الحرام – ولله الحمد – آمن في هذه الأزمنة شرعا وقدرا ، آمن شرعا بما ألزم الله المسلم من احترام أمنه والتأدب فيه ، وآمن قدرا بما هيأ الله له من أولئك القيادة الذين بذلوا كل غال ونفيس في سبيل تأمين راحة الحجيج.
إن تأمين راحة الحجيج أمر مهم ، اعتنت به هذه الحكومة – وفقها الله - ، اعتنت بالطرق الموصلة إلى البيت الحرام ، ثم اعتنت بأمنه ، واعتنت بعمارته ، واعتنت برخائه ، فأصبح البلد الأمين رخاء سخاء ، يأتي الحاج من أقصى الدنيا لا سلاح يحمله ، لا زاد يصحبه ، ولهذا ترى العدد الكثير يأتون البيت الحرام من طريق الجو ، وهؤلاء الذين يأتون من طريق الجو لا يحملون زادا ولا سلاحا ؛ لأنهم يجدون أمنا ورخاء واستقرارا وطمأنينة.
إن من يشاهد الحرمين الشريفين ، وهذه التوسعة العظيمة والمتوالية والخدمات المستمرة ، ليسأل الله لأولئك القادة أن يوفقهم ويسدد خطاهم ، ويجزيهم عما فعلوا خيرا.
لقد بذل الملك عبد العزيز – رحمه الله – جهده العظيم في تأمين الحجيج ، فيسر الله عليه هذه النعمة ، ثم تعاقب أبناؤه الكرام: سعود ،
( الصفحة رقم: 12)
وفيصل ، والملك فهد بن عبد العزيز – رحم الله الجميع - ، ثم دور خادم الحرمين الملك عبد الله – وفقه الله وأيده ونصره – ، وما من أولئك إلا وله لمسات في تيسير أمر الحجيج وتذليل الصعاب: كالتوسعة في بيت الله الحرام ، وفي مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وما حصل أيضا في المشاعر من تسهيل وتيسير: أنفاق أقيمت ، طرق هيئت ، مياه كثيرة يسر الوصول إليها ، وهذه الخيام المتعددة ، كل ذلك من توفيق الله ، فوفق الله خادم الحرمين ، وشد أزره بصاحب السمو ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز ولي عهده الأمين ، الذي ساعد وساهم في هذا الأمر العظيم ، فجزى الله الجميع خيرا ، ووفقهم لما يحبه ويرضاه.
وإنما قلت ذلك حقيقة ، يشهدها كل من أتى إلى هذه البلاد المقدسة فرأى الأمن والاستقرار والطمأنينة والخدمة والرعاية ، وبذل كل الوسائل في سبيل راحة الحجيج.
فالدولة تستنفر كل قواها وتبذل كل جهودها ، وما من إدارة حكومية إلا ولها تعلق في هذا المسجد الحرام ، تؤدي الواجب الذي عليها ، وذلك بتوفيق الله ، ثم بتوجيه قادة هذا البلد ، وفقهم الله وسدد خطاهم ، ورزقهم الاستقامة والسير على الخير والهدى ، ووفق المسلمين جميعا لشكر نعمة الله وحسن عبادته.
( الصفحة رقم: 13)
وإني أشكر الله قبل كل شيء ، ثم أشكر أخانا الشيخ بدر بن محمد الوهيبي، الذي انبرى لجمع هذه الخطب والإشراف عليها ، فجزاه الله خيرا ، ووفقنا وإياه لما يحب ويرضى.
وصلى الله وسلم وبارك عبده ورسوله محمد .

المفتي العام للمملكة العربية السعودية

ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء

عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ



  تالي