تصفح برقم المجلد > الجامع لخطب عرفة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ > خطبة عام 1409 الهجري

( الصفحة رقم: 161 )

خطبة عام 1409 الهجري

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إن الحمد لله ، نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، فمن يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أما بعد:
“ الوصية بتقوى الله ، وبيان الحكمة من إرسال الرسل إلى العباد
أيها الناس ، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله ، إن الله بعث أنبياءه ورسله دعاة إليه ، دعاة إلى دينه ، ليقيم بهم الحجة على العباد ، رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ .
أيدهم الله بمعجزات تدل على صدقهم ، وصدق ما جاءوا به ، وأنهم رسل الله حقا ، يقول -صلى الله عليه وسلم- : ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة
“ ذكر معجزة النبي الخالدة القرآن الكريم وبيان فضلها
أمة الإسلام ، إن معجزة محمد -صلى الله عليه وسلم- هي القرآن العظيم والذكر الحكيم ، الذي جعله الله معجزة باقية ما بقيت الدنيا ، فالقرآن الحكيم معجزة محمد -صلى الله عليه وسلم- ، إن معجزات الأنبياء انقضت بانقضائهم ، ولما
( الصفحة رقم: 162)
كان محمد -صلى الله عليه وسلم- خاتم أنبياء الله وخاتم رسله ، كانت معجزته باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
للقرآن خصائص عظيمة منها : حفظ الله له من الزيادة والنقصان “
أمة الإسلام ، لقد خص الله هذا القرآن العظيم بخصائص عظيمة لم تكن لكتاب من كتب الله السابقة .
فمن خصائصه: أن الله حفظه فلا تتطرق إليه أيدي العابثين زيادة فيه أو نقصانا منه ، يقول الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ، فهذا القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله ، لا يستطيع أحد أن يزيد فيه أو ينقص منه مهما بذل جهده ، وكم نسب إلى الله في الكتب السابقة ما لم يقله الله ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ، أما القرآن الكريم فمحفوظ بحفظ الله ، تحدى الله العرب أن يأتوا بعشر سور منه ، أو بسورة ، بل بآية ، إلى أن قال الله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا .
“ ومن خصائصه : أن الله جعله مهيمنا على ما سواه من الكتب “
ومن خصائص القرآن الكريم أن الله جعله مهيمنا على ما سواه من الكتب ، جامعا لمعاني ما سلفه من الكتب ، يحق الحق ويبطل الباطل ، يقول الله -عز وجل- : وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ .
( الصفحة رقم: 163)
“ ومن خصائصه : أنه مصدر سعادة الدنيا والآخرة “
ومن خصائص هذا القرآن أن الله ضمنه سعادة الدنيا والآخرة ، فكل سعادة في الدنيا والآخرة فقد انتظمها القرآن واشتملها ، فلا خير إلا دعا إليه ، ولا شر إلا حذر منه ، يقول الله تعالى : وَنَـزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ، فما من مشكلة حاضرة أو مستقبلة إلا وقد تكفل القرآن بحلها ، يقول الله -عز وجل- : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ، لا تناقض في أحكامه ولا اضطراب في أخباره ، بل أحكامه العادلة وأخباره الصادقة ، قال تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
أمة الإسلام ، إن هذا القرآن الكريم شرف لنبينا -صلى الله عليه وسلم- ، وهو شرف لنا ، شرف لأمته -صلى الله عليه وسلم- ، قال تعالى : فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ، شرف لك وشرف لأمتك ، وسوف تسأل هذه الأمة عن هذا القرآن الكريم هل قاموا بحقه ، هل حكموه وعملوا به ، هل أدوا حقه الواجب عليهم ؟
“ شرف هذه الأمة وفخرها في تحكيم كتاب الله والتحاكم إليه “
أمة الإسلام أمة القرآن ، إن شرف الأمة وعزها وفخرها هو في تحكيم كتاب الله ، والتحاكم إليه هو أن نحل حلاله ونحرم حرامه ، ونعمل بمحكمه ونقف عند حدوده ، وننفذ أوامره ، ونتأدب بآدابه ، إنه يهدينا لكل خير ، ويسوقنا إلى كل هدى ، يقول الله –سبحانه-: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .
( الصفحة رقم: 164)
“ عزة المسلمين وتمكينهم من تحكيم لكتاب الله “
أمة الإسلام ، إن السعادة كل السعادة في العمل بهذا القرآن ، وفي التمسك بهذا القرآن ، وفي تحكيمه والتحاكم إليه ، قال تعالى : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى .
فمن اتبع القرآن وحكم القرآن وجعل القرآن نظامه ودستور حياته ، فإنه لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ، فهو على هدى وبصيرة ، سعيد في دنياه وسعيد في آخرته ، ومن أعرض عن القرآن فإن حياته حياة شقاء وبلاء ، كيف لا يكون كذلك وقد نبذ كتاب الله وأعرض عن كتاب الله ، فنتائج الإعراض عن الكتاب حصول الفوضى والبلبلة والاضطراب ، والتمسك بهذا القرآن سبب للأمن والاستقرار والقوة والعزة والتمكين.
فيا أمة الإسلام ، تأدبوا بكتاب الله وحكموا كتاب الله ، واعملوا بكتاب الله ، فهو نور يهديكم سبل السلام ، يقول الله -عز وجل- : قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .
( الصفحة رقم: 165)
أمة الإسلام ، إن هذا القرآن الحكيم عملت به أمة الإسلام قرونا عديدة ، راضية به محكمة له ، فنالت العزة والتمكين ، وكانت مهيبة الجناب ، محوطة بحفظ الله ورعايته وحمايته.
وفي هذه الأزمان -للأسف الشديد- هناك فئة من الناس تدعو إلى محاربة القرآن ، إلى معاداة القرآن ، إلى فصل القرآن عن نظم الحياة ، إلى الاعتياض عن هذا القرآن بنظم وقوانين ضالة مضلة جائرة لا خير فيها ، إن كل حكم سوى حكم القرآن والسنة ، فهو الحكم الجاهلي الباطل ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ .
[ الرد على أعداء الإسلام الذين يتنقصون من شأن القرآن الكريم ]
إن الله أمرنا أن نتدبر القرآن ونعمل بمقتضاه : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ، إن المنادين بعزل القرآن عن نظم الحياة ونبذ أحكامه والإعراض عن تنفيذها ، إنما هم قوم أصيبوا بمرض في قلوبهم ، وتلك وراثة ورثوها من إخوانهم أهل الكفر والضلال والنفاق ، فلقد ذكر الله عن الكفار أنهم إذا سمعوا القرآن استهزءوا به وسخروا بآياته ، وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ، وهكذا أعداء الإسلام إذا دعوتهم إلى القرآن وإلى تحكيمه وإلى العمل بمقتضاه قالوا: تلك أمور انتهت ، وقرون مضت ، وأجيال سلفت ، وإن العالم بحاجة إلى نظم عصرية وقوانين حديثة تنظم شئون حياتهم ، لعمر الله إنه الكذب والافتراء ، وإنها مقالة الكفر ، تشابهت في الكفر مقالتهم ، فاعملوا بكتاب الله وحكموه وتحاكموا إليه ، واعملوا به واجعلوه نظام حياتكم ، لتعيشوا سعداء أمناء ، إن القرآن الكريم يدعو
( الصفحة رقم: 166)
أتباعه إلى كل خير ، ويهديهم إلى السعادة ، ويدلهم على أسباب القوة والعزة والتمكين.
“ قصة نزول آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ في يوم عرفة ، وبيان عظمتها “
أمة الإسلام ، أمة القرآن ، في هذا اليوم المبارك وأمة الإسلام يتذكرون عظيم نعم الله عليهم ، وعظيم فضل الله عليهم ، وعظيم كرم الله عليهم ، حيث أنزل على نبينا -صلى الله عليه وسلم- آية في كتاب الله ازداد بها المؤمنون عزا وفخرا ، وازداد بها الحاقدون على الإسلام غيظا وحنقا؛ أنزل الله في هذا اليوم المبارك قوله -عز وجل-: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ، هذه الآية نالت بها الأمة المحمدية المجد والسؤدد والفخر ، نالت بها العزة والظهور على العالمين ، إنها آية عظيمة لم يستطع أعداء الإسلام أن يخفوا حقدهم وغيظهم على المسلمين بإنزالها؛ عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رجلا من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ، آية في كتابكم تقرؤونها ، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال : أي آية؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ، قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم ، والمكان الذي نزلت فيه على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو قائم بعرفة يوم جمعة
أجل إنها نعمة لم تنلها أمة قبلكم ، ولن يحوزها أحد غيركم من الأمم ، كل شريعة لنبي من أنبياء الله خاصة ببيئته وخاصة بقومه ، أما شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- فإلى الثقلين الإنس والجن إلى قيام الساعة ، فقد أكمل الله الدين ، وأتم
( الصفحة رقم: 167)
النعمة ، ورضي الإسلام دينا ، فلنرض بما رضي الله لنا ، ولنحمد الله على هذه النعمة والفضل ، ونسأله الثبات على الإسلام إلى أن نلقاه غير مبدلين ولا مغيرين.
أمة الإسلام ، يا أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ، يا خير الأمم وأكرمها وأفضلها على الله ، يا من فضلكم الله بأفضل نبي ، وأكرم كتاب ، وأكمل شريعة ، اعلموا أن هذا الفضل العظيم لن تنالوه إلا إذا حكمتم شرع الله ، وعملتم بهذا الدين ، وتآلفت عليه قلوبكم واجتمعت عليه كلمتكم.
سعي أعداء الأمة لتشتيت شملها وتفريق صفوفها ، وحقدهم على الإسلام وأهله
إن أعداءكم يا أمة الإسلام يحاولون تفريق شملكم وتشتيت صفوفكم ، وإيقاع العداوة والبغضاء بينكم ، يحاولون أن يضربوا بعضكم ببعض ، يحاولون أن يسلطوا بعضكم على بعض ، فاحذروا مكايدهم ، واحذروا ضلالاتهم ، إنهم يعلمون أن اجتماعكم واعتصامكم بدين الله وتآلف قلوبكم قوة لا تغلبها قوة ، لا يستطيع أي عدو أن يحطمها ، فتمسكوا بهذا الدين واعملوا به واجتمعوا عليه لعلكم تفلحون.
أمة الإسلام ، إن أعداءكم يتمنون من قلوبهم أن تتركوا دينكم ، أن تفارقوا إسلامكم ، يقول الله تعالى : وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ، لأن تمسككم بإسلامكم حصن حصين يقيكم مكايد الأعداء وشرورهم ، وإن كل فرقة واختلاف فإنما ذلك قوة لعدوكم عليكم ، أنتم خير الأمم وأكرمها على الله ، أنتم مؤهلون لقيادة البشرية كما قال الله -جل وعلا- : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، وقال -سبحانه-: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ .
فحذارِ حذارِ أمة الإسلام من مكايد أعداء الإسلام ، إنهم ينسبون كل
( الصفحة رقم: 168)
ضعف وتخلف للأمة ، ينسبونه إلى تمسكنا بديننا واعتصامنا به ، وهذا من الكذب والافتراء ، فالدين يدعونا للقوة والعزة والعمل بالأسباب النافعة ، والأخذ بكل نافع مفيد في مصالح دنيانا مما لا يتنافى مع ديننا ، قال تعالى : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ، وقال –سبحانه-: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ .
أمة الإسلام ، إن أعداءكم يحاولون أن يوجدوا بينكم البغضاء والعداوة ، ويشتتوا شملكم ويحدثوا بينكم فرقة واختلافا ، فحذار من مكايد أعدائكم ، حذار من ضلالاتهم ، حذار من إيحاءاتهم الباطلة ، إنهم ينسبون الأمة الإسلامية إلى التخلف والرجعية ، ليفتوا من عضدها ، ويقللوا من شأنها ، والأمة متى عادت إلى رشدها وتمسكت بدينها واعتصمت بوحي الله ، فإنها بتوفيق الله ستقف أمام مكائد الأعداء ولا يضرها شيء بتوفيق الله وعزته وقوته.
النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة ، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ، وإن ربي قال: يا محمد ، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة ، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال: من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ، ويسبي بعضهم بعضا فإذا فعلوا ذلك فإن العدو سيسلط عليهم ويفكك شملهم ، ويجعلهم أمة تابعة له ، فاحذروا يا عباد الله ذلك ، وتمسكوا بدين الله واجتمعوا عليه لعلكم تفلحون.
( الصفحة رقم: 169)
فضل البلد الحرام وذكر بعض مما خصه الله تعالى به “
أمة الإسلام ، أمة القرآن ، إن الله -جل جلاله- لما خلق الأرض اختار منها البلد الحرام ، فجعله خير بقاع الأرض وأشرفها وأفضلها ، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ، اختار البلد الأمين فخصه بخصائص لم تكن لغيره من بقاع الأرض.
ومن ذلك أن الله -جل جلاله- جعله مثابة للناس ، أودع في قلوب المؤمنين حب بيت الله الحرام والشوق إلى بيت الله الحرام ، فما زاره مسلم إلا وفي قلبه حب وتطلع بأن يعود إلى البيت الحرام ثانية.
جعله الله حرما آمنا لا يسفك فيه دم ، ولا ينفر فيه صيد ، ولا يختلى خلاه ، ولا تلتقط لقطته إلا لمن كان معرفا لها .
أوجب الله على المسلمين استقباله في مشارق الأرض ومغاربها ، يقول الله -عز وجل- : وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
وألزم المسلم أن يزوره في عمره مرة ، ليطوف به لله ويصلي إليه لله ، عهد الله ببناء هذا البيت إلى نبيين من أنبيائه: إبراهيم ، وإسماعيل -عليهما السلام- ، قام على إخلاص الدين لله ، وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ، فليس في الدنيا بيت يشرع الطواف به إلا بيت الله الحرام ، ليس في الدنيا موضع يشرع تقبيله واستلامه إلا الحجر الأسود أو استلام الركن اليماني.
“ لا يشرع للمسلم الطواف بقبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد نهى -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك أشد النهي “
أمة الإسلام ، هذا شيء من فضل الله وما خص به هذا البيت العتيق ، إن كل مسلم يعلم أن أشرف قبر يحوي أشرف جسد هو قبر محمد -صلى الله عليه وسلم- ، ويا ترى هل شرع للمسلمين أن يطوفوا بقبره ويتخذوه كالبلد الأمين
( الصفحة رقم: 170)
يطوفون بقبره ؟ لا والله لم يشرع ذلك ، لا انتقاصا من حق المصطفى ، فإن محبته في قلب المؤمنين فوق محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين ، لكنه نهانا فانتهينا وقال لنا : لا تتخذوا قبري عيدا ، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا ، وحيثما كنتم فصلوا علي ، فإن صلاتكم تبلغني وقال: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وقال وهو في كرب السياق : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، إني أنهاكم عن ذلك فسمع المسلمون وأطاعوه وزاروا مسجده ، ولم يتخذوا قبره مزارا ولا مطافا؛ لعلمهم بكراهيته لذلك ، فإن الله بعثه ليدعو العباد إلى عبادة الله ، مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، فطوافنا بالبيت عبادة لله فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ .
“ من دعا إلى عبادة القبور والتوجه لها فقد بدل دين الله تعالى “
أما من أراد أن يحول وجوه الناس ويجعل لهم عوضا فيما يزعم عن هذا البيت الحرام ، ويصرف حجهم كما يظن إلى أي بقعة من الأرض كائنة من كانت ، فقد ضل وأضل ، وضل عن سواء السبيل ، وبدل دين الله ، فإن الله أوجب الحج إلى بيته الحرام ، وأوجب الطواف ببيته الحرام ، فليس في الدنيا مكان شبيه لهذا البلد الأمين ولا مماثلا له ، ومن ادعى غير ذلك فقد ضل سواء السبيل ، وأتى بزور من القول وبهتان.
( الصفحة رقم: 171)
“ كل ما تقوم به الجهات المختصة من جهود عظيمة إنما هي لتيسير مناسك الحج “
حجاج بيت الله الحرام ، وطأت أقدامكم بلد الله الأمين فوجدتموه -ولله الفضل- حرما آمنا مطمئنا ، رخاء سخاء آمنا من كل بلاء ، موسعا رزقه دائما خيره ، فاحمدوا الله على هذه النعمة أن بلغكم الوصول إليه فوجدتموه في غاية مما يسر كل مسلم ، حرما آمنا رخاء قد وفر الله فيه رغد العيش ، وهيأ له قيادة حكيمة ، نذروا أنفسهم لله ثم لمصالح إخوانهم المسلمين ، ضحوا بكل غال ونفيس في سبيل المحافظة على أمن هذا البلد الأمين ، وفي سبيل راحة الحجيج حتى يخرجوا منه وهم في نعمة وسرور ، وهذا – ولله الفضل والمنة – يحس به كل زائر لهذا البلد الأمين ، ويرى من التيسيرات والتسهيلات ما لا يخفى وما لا يجحده إلا حاقد.
“ التحذير من تهديد أمن البلد الأمين وتخويف الحجيج فيه “
أمة الإسلام ، إن كل من يريد تهديد أمن هذا البلد الأمين وتخويف الحجيج فيها ، فشره ليس موجها لفئة من الناس ، ولكن هذا الشر موجه ضد الإسلام ، وهو محاربة لله ولرسوله ولعباده المؤمنين ، وهو النفاق المستكن في قلوبهم ، غاظهم ما رأوا من نعم الله على هذا البلد الأمين وما يتمتع به من استقرار ورغد ، فأرادوا به كيدا فرد الله كيدهم في نحورهم ، وجعل الله تدبيرهم تدميرا عليهم ، وله الفضل والمنة ، وهذه سنته -سبحانه وتعالى- في كل من أراد هذا البلد الأمين بسوء ، يقول الله -عز وجل- : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ، ولكل مريد سوءا بهذا البلد الأمين نصيب من الشر والبلاء بتوفيق الله ورحمته ، فإن الله جعلها حرما آمنا ، وواجب على كل مسلم أن يعظم هذا البيت ويحفظ له حرمته
( الصفحة رقم: 172)
وكرامته ، فله الفضل والمنة ، والبلد الأمين يعيش أمنا واستقرارا ومواصلة للجهود ومضاعفة لكل جهد في سبيل راحة الحجيج ، فاشكروا الله على هذه النعمة ، واسألوا الله لولاة المسلمين التوفيق والسداد والهداية .
وجوب الحج مرة في العمر وذكر منافعه
حجاج بيت الله الحرام ، إن الله افترض الحج على أمة الإسلام وجعلها خامس أركان الإسلام ، أوجبها على المسلم القادر ببدنه وماله في عمره مرة ، متى أداه فقد برئت ذمته .
خطب نبيكم -صلى الله عليه وسلم- فقال : أيها الناس ، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " لو قلت نعم لوجبت ، ولما استطعتم " ، ثم قال : " ذروني ما تركتكم فصلوات الله وسلامه عليه أبدا دائما إلى يوم الدين.
بين الله الحكمة من الحج فقال : لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ، إن هذه المنافع عظيمة ، فمن أجل وأعظم تلك المنافع ما حدا بالمؤمن إلى أن يفارق أهله وبلده وماله استجابة لله وتلبية لنداء الخليل -عليه السلام- ، إنه الإيمان الراسخ في القلب.
ومن تلكم المنافع ما يراه المسلم من التحام صفوف المسلمين في هذه المشاعر المقدسة رغم اختلاف اللون واللغة والجنس ، ولكن وحدتهم رابطة الإيمان وجمعتهم أخوة الإسلام ، إن المسلم يرى هذا الدين قويا عزيزا ، ولا يزال ولله الحمد قويا عزيزا – رغم ما بذل الأعداء من محاربة لهذا الدين – فلا يزال ولله
( الصفحة رقم: 173)
الحمد قويا عزيزا ، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم ، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك وما دام هذا البيت يطاف به ، فإن العالم في أمان من الكوارث جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ .
“ ذكر صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم
أمة الإسلام ، حج نبيكم -صلى الله عليه وسلم- حجة واحدة بعد الهجرة ، سماها "حجة الوداع" ، ودع فيها الناس ، وأخبرهم أنه لا يلقاهم بعد عامه هذا ، وقال لهم: خذوا عني مناسككم قالها بعد كل قول قاله أو عمل عمله ، خرج -صلى الله عليه وسلم- حتى أتى بطن هذا الوادي ، فخطب فيه خطبة قليلة الألفاظ كبيرة المعاني ؛ لأن الله أعطاه جوامع الكلم ، جاء فيها : إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل ، وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله ، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله ، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟" قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت ، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى
( الصفحة رقم: 174)
الناس: "اللهم اشهد ، اللهم اشهد" ثلاث مرات
“ ذكر أوامر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونواهيه في خطبة حجة الوداع “
ففي هذه الخطبة العظيمة بين -صلى الله عليه وسلم- حرمة دماء المسلمين وأموالهم ، وأن الأصل في دمائهم الحرمة إلا بسبب شرعي ، كذلك أموالهم ، وبين أن مآثر الجاهلية وفخرها وعصبيتها قد ألغاها بالإسلام ، والإسلام جب ما كان قبله وهدم ما كان قبله ، وألغى الربا وبين أنه موضوع ، فإن الربا محاربة لله ولرسوله ، وهو من أعظم الظلم ، فإن الربا ظلم للعباد وأكل للمال بغير الحق ، وكانت الجاهلية يتعاملون بالربا ، ويعدونه وسيلة لثروتهم ونمو أموالهم ، فجاء الله بالإسلام وحرم الربا ؛ لما يشتمل عليه من المفاسد والأضرار ، فمن لم يعتقد تحريمه بعدما بلغه نصوص القرآن ، فإنه ضال مضل والعياذ بالله ، وأخبرهم أن للنساء حقوقا وعليهن واجبات ، ليبين أن الإسلام راعى المرأة وأنزلها المنزلة اللائقة بها ، وذلك ضد ما يتصوره أعداء الإسلام الزاعمين أن الإسلام أهدر حقوق المرأة وأهانها ، ولعمر الله إن الإسلام أنزلها المنزلة اللائقة بها ، ثم أخبرهم ، أنه ترك فيهم كتاب الله ، فما داموا معتصمون به فلن يضلوا ، بل سيكونون سعداء ما داموا متمسكين بكتاب الله وعاملين به ، واستشهدهم على أنه بلغهم رسالة الله ، فقالوا بأجمعهم : نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت ، وكل مسلم يشهد لك بذلك ، نشهد له بالله أنه بلغ وأدى ونصح وتركنا على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها لا يضل عنها بعده إلا هالك .
وبعد هذه الخطبة أمر المؤذن فأذن فصلى الظهر والعصر ركعتين ركعتين جمعا وقصرا جمع تقديم – وهذا ما سنفعله إن شاء الله بعد قليل - ، فإنَّ جَمْعَ
( الصفحة رقم: 175)
الحجاج هاتين الصلاتين بعرفة سنة محمد صلى الله عليه وسلم .
وبعد ذلك وقف بعرفة وقال لهم : " وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف وقال : وارفعوا عن بطن عرنة عليك أيها الحاج أن تبحث عن حدود عرفة ، وقد وضعت ولله الحمد أعلاما تدل على عرفة وتميزها عما سواها ، وأخبرهم أن الحج عرفة وأن وقت الوقوف ينتهي بطلوع الفجر ليلة النحر.
فضل يوم عرفة
وفي هذا الموقف العظيم وقف المصطفى راكبا على راحلته متضرعا بين يدي ربه ، راجيا راغبا ، مستقبل القبلة حتى غربت الشمس ، وبين فضل ذلك اليوم وأنه ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ وإنه يباهي بهم عشية هذا اليوم ، يباهي بهم ملائكته ، يقول: انظروا إلى عبادي ، أتوني شعثا غبرا ضاحين ، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي ، أشهدكم أني قد غفرت لهم فتعرضوا لنفحات ربكم وارجوه من فضله ، وتوبوا إليه مما سلف وكان من الإساءة والتقصير ، فإن الله لا يتعاظمه ذنب أن يغفره ، قال تعالى : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
وقف مستقبلا القبلة يدعو الله حتى غربت الشمس وتأكد من غروبها ، وقال : هدينا مخالف لهديهم فإن المشركين يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس ، أما المسلمون فيبقون فيها إلى أن تغرب الشمس ، فمن دفع من عرفة قبل غروب الشمس فقد أخطأ وعليه دم ، فعلى المسلم أن يبقى بها إلى أن تغرب
( الصفحة رقم: 176)
الشمس ويتأكد من غروبها.
ثم انصرف إلى مزدلفة ، وكانت عليه السكينة في سيره ، ويدعو أمته لذلك إن رأى فرجة أسرع ، وإن رأى ضيقا تمهل ، ليعلم أمته أن لا يضر بعضهم بعضا ، ولا يحطم بعضهم بعضا.
أتى مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا ، المغرب ثلاثة ، والعشاء ركعتان عند وصوله إلى مزدلفة ، والمبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج بنص القرآن والسنة ، قال تعالى : فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ، وقال -صلى الله عليه وسلم- : من شهد صلاتنا هذه ، ووقف معنا حتى ندفع ، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد أتم حجه وقضى تفثه ويجوز الانصراف منها بعد غيبوبة القمر ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخص للنساء والضعفاء أن يدفعوا من مزدلفة بعد مضي نصف الليل بعد غيوب القمر ، والمستحب أن يصلي بها الفجر اقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ، فاحذروا أيها الحجاج أن تخلوا بالمبيت بمزدلفة ، فإن من أخل بها فقد ترك واجبا من واجبات الحج.
“ التحذير من الغلو في دين الله والزيادة فيما لم يشرع
ثم إنه -صلى الله عليه وسلم- صلى الفجر بمزدلفة وذكر الله عند المشعر الحرام ، ثم انصرف إلى منى قبل أن تطلع الشمس ، والتقط حصى الجمار سبعا في طريقه من مزدلفة إلى منى ، وهن مثل حصى الخذف، وقال : أمثال هؤلاء ترمون " ، ثم قال : " يا أيها الناس ، إياكم والغلو في الدين يحذر أمته من
( الصفحة رقم: 177)
الغلو في دين الله والزيادة فيما لم يشرعه الله ، فإن الغالي في دين الله على خطر عظيم ؛ لأن الغالي يرى نفسه على حق وهو على غير هدى ، فليس بواجب أن تلتقط الجمار كلها من مزدلفة ، بل تلتقطها من مزدلفة أو منى .
أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- منى فبدأ بجمرة العقبة فرماها بسبع حصيات ، ثم نحر هديه ، ثم حلق رأسه ، وهذه سنن يوم النحر : الرمي ، ثم النحر ، ثم الحلق أو التقصير ، ثم طواف الإفاضة ، فالسنة ترتيبها هكذا : رمي جمرة العقبة ، ثم نحر الهدي ، ثم الحلق أو التقصير ، والحلق أفضل ؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة، ثم الطواف بالبيت ، ومن قدم شيئا على شيء فلا حرج عليه ، فقد سئل -صلى الله عليه وسلم- فقال له رجل : لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي ، قال : " ارم ولا حرج ". فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال : " افعل ولا حرج
وبعد أن طاف بالبيت طواف الإفاضة -صلوات الله وسلامه عليه- رجع إلى منى فبات بها ليالي التشريق ، والمبيت بمنى من واجبات الحج ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخص للعباس لأجل سقايته ، فدل على أن الرخصة مستثناة من أمر واجب .
وكان يرمي الجمار في أيام التشريق بعد الزوال ، يبدأ بالأولى ، ثم الوسطى ، ثم العقبة ، فرماها أيام التشريق الثلاث ، والمبيت بمنى واجب ليلتين لمن أراد التعجل ، وثلاثا لمن أراد التأخر ، ثم ينفر النفر الأول ، ومن أراد التأخير فلْيَرْمِ يوم
( الصفحة رقم: 178)
العاشر ويوم الحادي عشر ويوم الثاني عشر ، فقال الله تعالى : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ .
أيها المسلم ، إن كنت قادرا بنفسك على رمي الجمار فذاك أفضل مع احترام إخوانك وعدم إلحاق الضرر والأذى بهم ، وإن كنت عاجزا عن الرمي لمرض أو كبر ، أو كانت امرأة ربما يشق الرمي عليها ، فجائز أن توكل غيرها ليرمي عنها ، والنائب في الرمي يرمي الأولى عن نفسه ثم عن موكله ، ثم يرمي الوسطى عن نفسه ثم عن موكله ، ثم يرمي العقبة عن نفسه ثم عن موكله ، ومن شق عليه الرمي في اليوم الحادي عشر وأخره إلى الثاني عشر أو الثالث عشر فالكل جائز؛ لأن الله يقول: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ، وقبل انصرافك من مكة أخي الحاج طف طواف الوداع مودعا بيت الله ، سائلا الله القبول والتوفيق والهداية .
“ أداء فريضة الحج لا يسقط بقية واجبات الإسلام “
حجاج بيت الله الحرام ، إن حج بيت الله الحرام ركن من أركان الإسلام ، قد يتصور البعض من الناس أن حج بيت الله يسقط عنه واجبات الإسلام وتكاليف الشريعة ، فيظن أنه إذا حج وترك فرائض الإسلام فلا شيء عليه ، وذاك من وساوس الشيطان .
“ ينبغي للحاج أن يجعل حجه نقلة من الشر إلى الخير ومن الفساد إلى الصلاح “
فيا أيها الحاج المسلم ، اتق الله في حجك ، واجعل حجك نقلة لك من شر إلى خير ، ومن فساد إلى صلاح ، ومن انحراف إلى استقامة ، واسأل الله المزيد من فضله ، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : من حج لله فلم يرفث ولم يفسق ، رجع كيوم ولدته أمه وقال : والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة
( الصفحة رقم: 179)
تضرعوا بين يدي ربكم واسألوه من فضله وكرمه ، اسألوه الثبات على دينه والاستقامة على الهدى ، اسألوه الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ، يقول الله -عز وجل- في حق العباد : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ، فأتبعوا العمل الصالح بأعمال صالحة ؛ ليبقى الثواب والأجر إن شاء الله .
اللهم وفق المسلمين ، اللهم اغفر للمسلمين ، اللهم اجمع كلمتهم ووحد صفوفهم ، اللهم اغفر لجميع أموات المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ، ولنبيك بالرسالة ، وماتوا على ذلك ، اللهم اغفر لهم وارحمهم ، وعافهم واعف عنهم ، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم ، واغسلهم بالماء والثلج والبرد ، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم من أرادنا وسائر المسلمين بشر فاجعل شره في نحره ، اللهم تقبل منا حجنا ، اللهم اجعل حجنا مبرورا ، وسعينا مشكورا ، وذنبنا مغفورا ، اللهم انصر دينك وكتابك ونبيك وعبادك الصالحين ، اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، اللهم وفق إمام المسلمين وولي عهده وحكومته لما تحبه وترضاه ، اللهم أيده بنصرك وكن له عونا ونصيرا ، اللهم وفقه لكل عمل صالح ، وجازه عن الإسلام والمسلمين خيرا ، إنك على كل شيء قدير ، ربنا اغفر لنا وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تعجل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ، ربنا إنك رؤوف رحيم ، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا
( الصفحة رقم: 180)
وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين ، أعاده الله على عموم المسلمين وعلينا جميعا باليمن والبركة والخير ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين.



  سابق     تالي