تصفح برقم المجلد > الجامع لخطب عرفة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ > خطبة عام 1410 الهجري

( الصفحة رقم: 184 )

خطبة عام 1410 الهجري

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إن الحمد لله ، نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، فمن يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أما بعد:
“ الوصية بتقوى الله -عز وجل- ، وبيان الحكمة من إرسال الرسل ، وذكر أولي العزم منهم
أيها الناس ، اتقوا الله تعالى حق التقوى ، اتقوه تعالى بامتثال أمره واجتناب نهيه ، لتكونوا من السعداء في الدنيا والآخرة .
أمة الإسلام ، إن من كمال حكمة الرب وكمال عدله أن بعث رسله مبشرين ومنذرين ، ليقيم بهم حجته على العباد رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ، جعل الله الرسل متفاوتين في الفضل تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ .
فضل الرسول -صلى الله عليه وسلم- على سائر الأنبياء
اختار أولي العزم الخمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، وسيد ولد آدم محمد -صلى الله عليه وسلم- ، واختار الخليلين: إبراهيم ، ومحمد ، ثم اصطفى محمدا -صلى الله عليه وسلم- على سائر الأنبياء والمرسلين ، وجعله سيدهم ، بل وأفضل الخلق ، فهو أفضل خلق الله على الإطلاق .
( الصفحة رقم: 185)
بعثه -صلى الله عليه وسلم- برسالة عامة إلى جميع الثقلين وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، بعثه على حين فترة من الرسل واندراس من العلم والهدى.
وقد طبق الأرض جهل عظيم وضلال مبين ، واندرست الملة الحنيفية ، فلم يبق عليها إلا نذر من الناس ، ( وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ، عربهم وعجمهم ، إلا بقية من أهل الكتاب ) افترض الله على الجميع طاعته ومحبته والانضواء تحت لوائه كما قال -جل وعلا- : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا
حقوق الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أمته ، ومنها : الإيمان به وتصديق رسالته “
أمة الإسلام ، إن لهذا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- حقوقا يجب علينا رعايتها والقيام بها :
فأعظم حق له -صلى الله عليه وسلم- علينا أن نؤمن به ونصدق برسالته ، ونعتقد أنه عبد الله ورسوله ، الواسطة بيننا وبين الله في تبليغ شرعه ودينه ، فإن الإيمان به إحدى ركني التوحيد ، إذ التوحيد قائم على ركنين : تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وإن اسم الإسلام بعد مبعثه -صلى الله عليه وسلم- خاص بما جاء به ، وكان اسم الإسلام عاما لجميع ديانات الرسل ، وبعد مبعث محمد -صلى الله عليه وسلم- صار مسمى الإسلام خاصا بشريعته التي بعث بها -صلى الله عليه وسلم- : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : والذي نفس محمد بيده ، لا
( الصفحة رقم: 186)
يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به ، إلا كان من أصحاب النار
“ ومن حقه -صلى الله عليه وسلم- علينا : طاعته فيما أمر ونهى “
ومن حقه -صلى الله عليه وسلم- علينا : طاعته فيما أمرنا به ، فإن طاعته طاعة لله ، وإن معصيته معصية لله ، مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ، ويقول -صلى الله عليه وسلم- : كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى " قالوا: يا رسول الله ومن يأبى ؟ قال : " من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى
“ ومن حقه -صلى الله عليه وسلم- علينا : تحكيم سنته والتحاكم إليها “
ومن حقه -صلى الله عليه وسلم- علينا : أن نحكم سنته ، وأن نتحاكم إليها ، وأن نستجيب لمن دعانا إلى التحاكم إليها ، وأن نرضى بحكمه ونسلم ، وأن لا يكون في صدورنا حرج من أي حكم حكم به -صلى الله عليه وسلم- ، يقول الله -عز وجل- : فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ، وقال –سبحانه-: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، والذين لا يرضون بحكمه في قلوبهم مرض النفاق ، وارتياب من رسالته -صلى الله عليه وسلم- قال تعالى : أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .
( الصفحة رقم: 187)
[ومن حقه –صلى الله عليه وسلم- علينا: ألا تكون لنا خيرة من أمرنا إذا قضى أمرا ، وأن يكون هوانا تبعا لما جاء به ]
ومن حقه -صلى الله عليه وسلم- علينا : أن لا تكون لنا خيرة في أي أمر أمرنا به أو نهي نهانا عنه ، أو حكم حكم به ، لأننا نعتقد اعتقادا جازما أنه أولى بنا من أنفسنا النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ .
ومن حقه -صلى الله عليه وسلم- علينا : أن يكون هوانا ومرادنا تبعا لما جاء به -صلى الله عليه وسلم- ، فإذا تعارض في نظر العبد أمران : أمر هوى النفس ، وأمر جاء به المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ، فلنقدم ما جاء به المصطفى -صلى الله عليه وسلم- على هوى النفوس ومشتهياتها ، فهو -صلى الله عليه وسلم- يقول : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به
[ومن حقه -صلى الله عليه وسلم- علينا : أن نحبه محبة صادقة ]
ومن حقه -صلى الله عليه وسلم- علينا : أن نحبه المحبة الصادقة ، فأصل محبته من أصول الإيمان ، وكمالها من كمال الإيمان ، وهي أن نحبه محبة فوق محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين وكلما قويت محبة العبد لمحمد -صلى الله عليه وسلم- قوي الاتباع والاقتداء.
[ومن حقه -صلى الله عليه وسلم- علينا : اتباع منهجه ]
ومن حقه -صلى الله عليه وسلم- علينا : أن نتبع منهجه ونقتفي أثره ، ونسير على ما سار عليه قدر الاستطاعة والإمكان ، قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ،
( الصفحة رقم: 188)
وقال -عز وجل-: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ، وقال -عز وجل- : وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ، وإن المؤمن ليجد نفسه منشرحا بالاقتداء بالمصطفى -صلى الله عليه وسلم- ، فهو على يقين جازم أن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق أخلاقا وأحسنهم سيرة ، وأعلاهم فضيلة ، قال الله تعالى في حقه : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، وقال تعالى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا .
“ حرص الصحابة -رضي الله عنهم- على نقل كل شأن من شئون حياته صلى الله عليه وسلم “
أمة الإسلام ، إن أصحابه الكرام نقلوا لنا حياته -صلى الله عليه وسلم- ، كأن المسلم يشاهد ذلك عيانا ، نقلوا ذلك لنا كله لنقتفي أثره ونسير على نهجه ، فهاهم -رضي الله عنهم وأرضاهم- ينقلون لنا حياته -صلى الله عليه وسلم- ، هذا يصف لنا وضوءه ، وهذا يصف صلاته ، وهذا يصف حجه ، وهذا يصف كل أحواله العبادات والعادات ، ما افترض علينا العمل به ، وما استحب لنا ذلك ، فنقلوا لنا كيف كان يأكل ، وكيف كان يشرب ، وكيف كان ينام ، وأحواله في سفره وإقامته ، وأحواله في جميع تعامله ، حتى سيرته مع أهله ، كل ذلك سجلوه ليحثوا الأمة على اقتفاء أثره والسير على نهجه؛ لأن ذلك عنوان الإيمان الصادق.
“ ومن حقه -صلى الله عليه وسلم- علينا : أن ننصر سنته وندافع عنها “
ومن حقه -صلى الله عليه وسلم- علينا : أن ننصر سنته ، وأن ندافع عنها ، وأن نزيل كل شبهة لفقت بسنته -صلى الله عليه وسلم- ، فإن الواجب على المؤمن أن
( الصفحة رقم: 189)
ينصر هذا النبي الكريم بقلبه ولسانه وجوارحه ، وإن نصرته من واجبات الإيمان ، يقول الله -عز وجل-: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْـزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .
فلقد نصره أصحابه الكرام ، ودافعوا عنه -صلى الله عليه وسلم- ، بكل غال ونفيس ، وإن المسلم في كل زمان ينصر هذا النبي الكريم بنصرة سنته ، بدعوة الخلق إلى العمل بها ، بالدفاع عنها ، بإزالة كل شبهة لفقها المضلون والجاهلون.
أمة الإسلام ، أمة القرآن ، إن سنة محمد -صلى الله عليه وسلم- هي الوحي الثاني ، قال -صلى الله عليه وسلم- : ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه وهو معصوم فيما يبلغ عن الله ، يقول -عز وجل- : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى .
“ كشف خطر من يحاول زعزعة ثقة المسلم بسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتحذير المسلمين منه “
أمة الإسلام ، إن هناك فئة من الناس تحاول زعزعة ثقة الأمة بسنة نبيها -صلى الله عليه وسلم- ، وإن هم إلا أعوان الشياطين ، تصديقا لقوله –سبحانه- : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ، وقوله -عز وجل- : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ .
فتراهم يرون العقل مقدما عليه ، وأنه يجب أن يحكم العقل على ما قاله المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ، فما وافق عقولهم وأهواءهم قبلوه ، وما لم تقبله
( الصفحة رقم: 190)
عقولهم رفضوه ، وهذا عين الجهل والضلال ، فأي عقل من عقول البشر يكون حكمه على سنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ليقبل بعضه ويرد بعضه؟! وتارة يطعنون في حملتها من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان .
“ قد تكفل الله بحفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم “
والله -جل وعلا- قد تكفل بحفظ سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ، يقول -عز وجل- : إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ، هيأ الله له رجالا حملوها ومحصوها وصانوها عن كل ما لفق بها ، يقول -صلى الله عليه وسلم- : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين " حفظوها ودونوها في دواوين لا تزال خالدة باقية بين المسلمين ، يتلونها ويعملون بها ويدعون لحملتها بالرحمة والرضوان.
أمة الإسلام ، انصروا سنة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- ودافعوا عنها ولا تصغوا إلى شبه المشبهين وضلالة المضلين.
يا علماء الإسلام ، إن الواجب علينا أن نقبل سنة المصطفى وأن نرضى بها وأن نعمل بها وأن ننقاد إليها وألا نحكم عقولنا فيها فعقولنا قاصرة من أن تكون حكما على ما قاله المصطفى -صلى الله عليه وسلم- .
أمة الإسلام ، إن الله تعالى بعث محمدا -صلى الله عليه وسلم- برسالة شاملة عامة إلى جميع الثقلين إنسهم وجنهم واختار لمبعثه أم القرى مكة – شرفها الله وزادها تعظيما وتشريفا – استجابة لدعوة الخليل -عليه السلام- حيث قال: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ .
( الصفحة رقم: 191)
فبعث الله محمدا -صلى الله عليه وسلم- في الأميين من العرب ، وانطلقت دعوته من مكة المكرمة شرفها الله حتى عمت جميع الجزيرة ، فلما انقادت الجزيرة لها ودخلوا في دين الله -عز وجل- وقبضها الله إليه ، قام أصحابه بهذا الدين ، ففتحوا البلاد وأناروا قلوب العباد ، حتى أعلى الله دينه تصديقا لقوله : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ .
“ بيان حال العرب قبل الإسلام وبعده
إن المتدبر لحال العرب قبل الإسلام يعلم أنهم في غاية من الضلال ، في غاية من الجهل والإعراض ، في جهالة جهلاء وضلالة عمياء ، لا يعرفون منكرا من معروف ، ولا حقا من باطل ، متفرقين تسودهم الحروب الطاحنة ، يقضي القوي على الضعيف ، فهم في غاية من الجهل والضلال كما قال الله لهم: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ .
“ عزة المسلم في التمسك بإسلامه ولا عزة له بسواه “
فلما انقادوا للإسلام واستجابوا لله ورسوله ، جمع الله بالإسلام شتاتهم ووحد بهم صفوفهم ، وأعزهم به بعد الذلة ، وأغناهم بها بعد العيلة ، وجعلهم بالإسلام ملوكا على رقاب العباد.
قال قتادة -رحمه الله- في قوله تعالى : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ، قال : كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا ، وأجوعه بطونا ، وأعراه جلودا ، وأبينه جهلا ، قوم يؤكلون ولا
( الصفحة رقم: 192)
يأكلون ، من عاش منهم عاش شقيا ، ومن مات تردى إلى النار ، حتى جاء الله بالإسلام فأعز به من الذلة ، وأغنى به من العيلة ، ووسع به في البلاد ، وجعلكم حكاما على رقاب العباد ، فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم ، فاشكروا الله فإن الله شكور ، وأهل الشكر منه في مزيد
فيا معشر العرب ، اتقوا الله في إسلامكم ، اتقوا الله في دينكم ، اعلموا أنه لا عز لكم ولا قدر لكم إلا إذا تمسكتم بهذا الدين وطبقتموه قولا وعملا ، فهو الذي سيجمع قلوبكم ، وهو الذي سيخلصكم من الكوارث ، وهو الذي سيعزكم من الذل ، ولا قدر لكم إلا بالإسلام ، وأي ميثاق غير الإسلام فلن يحقق لكم ما تريدونه ، تمسكوا بهذا الدين واجتمعوا عليه ، وكونوا يدا واحدة على من ناوأكم فأي خلاف بينكم مهما كان نوعه فهو باب يلج عليكم من خلاله أعداؤكم ، فاجتمعوا على دين الله وتمسكوا بهذا الدين واعملوا به لعلكم تفلحون.
[ خيرية أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- على سائر الأمم ، وأنها بفضل تمسكهم بإسلامهم ]
يا أمة الإسلام ، يا خير أمة أخرجت للناس ، أنتم أفضل الأمم وخير الأمم وأكرمها على الله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، هذه الخيرية لن تنالونها إلا إذا عملتم بمقتضاها ، فاستمسكتم بدين الله ، وأمرتم بالمعروف ، ونهيتم عن المنكر ، وحكمتم دين الله في كل قليل وكثير.
إن أعداءكم يا معشر المسلمين علموا فضلكم وعرفوا مكانتكم ، ودرسوا تاريخكم الماضي الحافل بالأمجاد والمكارم ، وعلموا أن تلك القوة إنما نلتموها بالإسلام ، فسعوا جهدهم في القضاء على دينكم ، جردوا لكم الحملات العسكرية ليقضوا عليكم فعجزوا وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا .
( الصفحة رقم: 193)
وبعد ذلك سعوا في إضلالكم عن دينكم ، نشروا عقائد الإلحاد والضلال ، حاربوكم بما يسمى بالحرب الفكرية ، حتى إن أعداء الإسلام لما استعمروا ديار الإسلام غيروا مناهج تعليمها ، وجعلوها مناهج تخدم مبادئ أعداء الإسلام ، ليتربى الأجيال على غير الإسلام ، وتنقطع صلاتهم بدينهم وتاريخهم المجيد ، فهل وعى المسلمون ذلك ؟ وهل أحسوا بهذا الخطر ؟ وهل فكروا أن يعيدوا مناهج تعليم أبنائهم على ضوء الإسلام ، لكي يرتبط الحاضر بالماضي ، ويكون بين هذه الأجيال الحاضرة وبين أسلافهم الأخيار صلة قوية بهذا الدين وآدابه وفضائله.
“ تنوع أساليب أعداء الله في محاربتهم لدين الإسلام “
حاربوا الأمة اقتصاديا ، فضيقوا الخناق عليها ، وتدخلوا في شئونها الداخلية ، حتى أضروا بها وأوحوا إليها أنه لا استطاعة لها أن تقف بنفسها ، بل لا بد من عون أعدائها لها ، وهم بذلك مخطئون ضالون ، فهل فكر المسلمون في تحرير اقتصادهم من مبادئ أعدائهم؛ ليكون اقتصادا متفقا مع دينهم ، ألم يأن للمسلمين أن يعلموا أن هذا يكفل لهم العيش في رخاء ورغد.
أمة الإسلام ، حاربنا أعداؤنا داخلا وخارجا ، أحدثوا في الأمة الإسلامية أحزابا وطوائف وشيعا ، سلطوا بعضها على بعض ، دعموها بأسلحة الدمار والخراب ، ليقضي المسلمون بعضهم على بعض ، وليقتل بعضهم بعضا ، وليهلك بعضهم بعضا ، حتى يكون الميدان فسيحا لهم ، خاليا من مقاومة المسلمين ، فهل وعى المسلمون وعرفوا أن أعداءهم لا يريدون لهم نصحا ، وإنما هم الأعداء الألداء.
أمة الإسلام ، إن إعلام الأمة الإسلامية واجبه في هذا العصر عظيم ،
( الصفحة رقم: 194)
فعليه أن ينهض بمسئوليته ويقوم بواجبه ، فالإعلام اليوم أصبح وسيلة بث ودعاية لكل ما يراد منه ، فإن وجه التوجيه الطيب ، أصلح بإذن الله ، وإن وجه غير ذلك ، صار وسيلة هدم وتخريب.
“ دور الإعلام في نصرة الإسلام “
إعلامنا الإسلامي يجب عليه أن يقوم بمسئوليته ، ويعلم أن أعداءنا عن قريب سوف يبثون البث المباشر إلى سائر بلاد الإسلام ، ليصل هذا البث إلى منازل المسلمين ويخاطب أفرادهم على تنوع طبقاتهم ومعلوماتهم وتدينهم.
الأعداء سوف ينشرون من البرامج ما هو سيئ وخبيث ، فواجب إعلام الأمة أن يهتم بهذا ، وأن يجند وسائله ليكون إعلاما صالحا يقاوم الشر بالخير ، ويحصن الأمة عقيدة وديانة ، ويزيدها وعيا وتفكيرا سليما ، ويحذرها من الأضرار والأخطار ، وهذا واجب جميع وسائل الإعلام أولا ، ثم رجال التربية والتعليم ، ثم المسئولين عن رعاية شباب الأمة الإسلامية ليحصنوها عقديا وفكريا وأخلاقيا ضد هذا الداء الخطير ، حتى يكون إعلامنا إعلاما صالحا يخدم الخير ويدعو إليه ، ويحذر من الشر ووسائله ، وإن لنا بتوفيق الله لأمل كبير في إعلام بلادنا أن يخطوا الخطوة الأولى نحو الخير والصلاح ، لتتبعه بقية وسائل إعلام الأمة الإسلامية ، فتتضافر الجهود في سبيل تحصين العقيدة والأخلاق من أن يطرأ عليها ما يؤثر عليها، لا سمح الله .
حقيقة الإسلام
أمة الإسلام ، إن هذا الدين الإسلامي قول وعمل واعتقاد ، فلا بد من اعتقاد القلب ، ولا بد من نطق اللسان وعمل الجوارح ، هذا هو الإسلام النافع ، هذا هو الإسلام المؤثر ، وكما نسمع من منتسبين إلى الإسلام وهم بعيدون عن
( الصفحة رقم: 195)
تعاليمه وعن قيمه وأخلاقه ، يدعون الإسلام وليس لهم بالإسلام صلة ، فاحذروا ذلك يا عباد الله ، وليكن إسلامكم إسلاما صحيحا قولا وعملا ، واعتقادا وتمسكا بهذا الدين وتحكيما له .
“ نداء إلى حكام المسلمين وقادتهم للعودة إلى الإسلام والتمسك به “
يا قادة الإسلام ، يا حكام المسلمين ، اتقوا الله في أنفسكم واتقوا الله في شعوبكم ، أصلحوا أوضاعهما ، عودوا إلى الإسلام عودة صحيحة ، تمسكوا بهذا الدين ، حولوا النظم والقوانين إلى نظم الإسلام وتعاليمه؛ لتعيشوا أنتم وشعوبكم في رغد وأمان واستقرار وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ، فلا عز لنا ولا استقرار لنا ولا أمان لنا إلا إذا كان هذا الدين دستور حياتنا ونظام حياتنا في كل قليل وكثير ، وفق الله قادة المسلمين جميعا للتمسك بهذا الدين والعمل به وتحكيمه والدعوة إليه .
“ نصيحة لدعاة الإسلام والمصلحين “
يا دعاة الإسلام ، اتقوا الله في أنفسكم ، تمسكوا بهذا الدين واعملوا به واحذروا مكائد أعدائكم ، فإن لأعدائكم مكائد عظيمة ، احذروا مكائدهم ، تمسكوا بهذا الدين علما وعملا ، واعرضوه كما جاء عرضا صافيا خاليا من الأغراض والأهواء ، خاليا من البدع والشبهات ، إن هذا الدين إذا عرض على الملأ بصورته الصادقة ، فالنفوس تقبله وتطمئن إليه ، فاحذروا مكائد أعدائكم الذين ربما صوروا الإسلام أنه المخرب والمدمر والمفرق بين الشعوب ، والمحدث البلبلة والاضطراب ، احذروا مكائد أعدائكم فلا تصغوا إليهم ، وتمسكوا بدينكم كما جاء عن ربكم ونبيكم صلى الله عليه وسلم .
( الصفحة رقم: 196)
“ نداء إلى حجاج بيت الله الحرام ونصيحة لهم “
حجاج بيت الله الحرام ، اليوم وقد انتظم عقدكم بهذا المكان المبارك ، وحللتم تلك الديار المباركة ، فاشكروا الله أولا وقبل كل شيء على نعمته عليكم بالإسلام ، ثم على نعمته بتبليغكم الوصول إلى هذه الديار المقدسة ، فتلك نعمة عظيمة من الله ، حللتم بهذه الديار فوجدتموها – ولله الحمد – آمنة مطمئنة موفر فيها كل خير ، فالحمد لله على فضله وكرمه ، وهذا بتوفيق الله ثم بتحكيم شرع الله وإقامة حدود الله وردع كل من تسول له نفسه الإجرام والفساد ، فهذه البلاد – ولله الحمد – تحكم شرع الله ، وتقيم حدود الله ، فمحاكم الشرع واضحة ، والأحكام كلها خاضعة لشرع الله ، مطبقة لأحكام الله على وفق كتاب ربنا وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-؛ ولهذا عاشت هذه البلاد – ولله الحمد – في أمان واستقرار وتعاون بين الأفراد والقادة ، وارتباط وثيق قائم على مبدأ الإسلام ، فالحمد لله على فضله وكرمه .
حجاج بيت الله الحرام ، إن الله افترض الحج على المسلمين ، على كل مسلم في عمره مرة ، فجعله فريضة العمر من أداه مرة فقد أدى الواجب ، وما زاد فهو تطوع إن تيسر ، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أيها الناس ، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا". فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ ، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو قلت: نعم ، لوجبت ، ولما استطعتم" ، ثم قال: " ذروني ما تركتكم وهذا من فضل الله ، فمن أدى الحج في عمره ، فقد أدى الواجب وبرئت ذمته .
وجوب الحج والحكمة من مشروعيته وتحقيق مبدأ المساواة فيه “
هذا المؤتمر العظيم الذي تلتقي فيه الأمة الإسلامية رغم اختلاف اللون واللغة والبلاد على هدف واحد: أخوة الإسلام ، ووحدة الإيمان إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ .
( الصفحة رقم: 197)
هذا المؤتمر العظيم الذي دعا إليه رب العالمين لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ، هذه المنافع العظيمة أصلها وأساسها انطلاق القلب إلى الله ، وانجذابه إلى طاعته ، حيث يفارق المسلم وطنه وأهله وبلده استجابة لنداء الله الذي فرض عليه ذلك ، والتقاء المسلمين بعضهم ببعض ، وتعارفهم وتآلفهم وسيلة قوية إلى قوتهم واستقامة حالهم ، وفق الله المسلمين لما يحبه ويرضاه.
حجاج بيت الله الحرام ، إن الله من فضله وكرمه جعل هذا البلد الأمين تحت قيادة أمينة ، بذلت كل غال ونفيس في سبيل توفير الراحة لحجاج بيت الله الحرام ، وجهودها لا تزال متواصلة ، فكل عام أفضل من ماضيه ، وعلى مدار العام والخدمات متواصلة ، والجهود والأفكار تتابع في سبيل إيجاد ما فيه راحة لحجاج بيت الله الحرام ؛ ليؤدوا نسكهم في يسر وسهولة ، وعلى رأس الجميع خادم الحرمين وإمام المسلمين – وفقه الله وولي عهده لما يحبه ويرضاه ووفقهم لكل خير وجزاهم عما فعلوا خيرا – كل هذه الجهود المتواصلة ، إنما يبعث عليها طاعة الله والحرص على منفعة المسلمين ؛ ليؤدوا نسكهم على الوجه المطلوب ، فالحمد لله رب العالمين.
“ ذكر لمحات من حجة الوداع “
حجاج بيت الله الحرام ، حج نبيكم -صلى الله عليه وسلم- حجة واحدة ، تعرف عند المسلمين بأنها "حجة الوداع" ، هذه الحجة العظيمة أعلمهم فيها مناسك حجهم ، فما عمل عملا إلا قال : خذوا عني مناسككم وقال: لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا
( الصفحة رقم: 198)
جاء لموقف عرفة ، فخطب الناس بوادي عرنة ، خطبهم خطبة هدم فيها قواعد الشرك ، وأعلن فيها قواعد الإسلام ، وبين حرمة الدماء والأموال ، وألغى مآثر الجاهلية وأعمالها السيئة ، وبين ما للمرأة من حقوق وما عليها من واجبات ، وأوصى الناس بالتمسك بكتاب الله وأخبرهم أنهم لن يضلوا إن تمسكوا به واعتصموا به ، ثم استشهدهم على أنه بلغهم ، فأقروا جميعا بأنه بلغهم ، وأنه أدى الأمانة وبلغ الرسالة ، فاستشهد الله عليهم بذلك
ثم صلى الظهر والعصر جمعا وقصرا بأذان وإقامتين ، أذن ثم أقام فصلى الظهر ركعتين ، ثم أقام فصلى العصر ركعتين ، وما صلى قبلهما ولا بعدهما شيئا.
ثم وقف بعرفة وقال لهم : " وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ليبين أن ليس للوقوف في عرفة مكان معين ، بل جميع حدود عرفة أي موضع وقف فيه المسلم أدى الواجب ، وفي هذا الموقف العظيم وقف يدعو راكبا على راحلته مفطرا ، شك الصحابة هل كان مفطرا ، فبعثوا إليه بقدح لبن فشربه والناس ينظرون إليه لأن المستحب للحاج بعرفة أن يكون مفطرا؛ ليتفرغ للدعاء والذكر.
وهذا اليوم العظيم – أعني: يوم عرفة – يقول فيه -صلى الله عليه وسلم- : الحج عرفة فهو ركن أساسي من أركان الحج ، يبدأ هذا الوقوف من يوم عرفة ، وينتهي بطلوع فجر يوم النحر ، فإنه -صلى الله عليه وسلم- قال: من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج فمن لم يقف بعرفة إلا ساعة من نهار ، ووقف بها إلى الغروب ، أو أتاها بعد المغرب ووقف بها ولو قليلا ، فإنه قد أدى الركن العظيم من أركان الحج.
( الصفحة رقم: 199)
مشروعية الدعاء والإلحاح في يوم عرفة
أيها المسلمون ، وهذا اليوم العظيم كان نبيكم -صلى الله عليه وسلم- مشغولا فيه بدعاء الله والتضرع بين يديه ، وكان يقول : خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي يوم عرفة : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير وأخبرهم أن خير الدعاء دعاء يوم عرفة فأكثروا فيه من الدعاء ، وتضرعوا بين يدي ربكم ، وتوبوا إلى الله مما سلف من سيئات أقوالكم وأعمالكم ، فإن الله تعالى يقبل التوبة ويعفوا عن السيئات ويغفر لمن استغفره : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
وجاء في الحديث يقول الله تعالى : يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي فتضرعوا بين يدي ربكم فهذا يوم عظيم ، يوم يعتق الله فيه عبيده من النار ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء ؟ وقال -صلى الله عليه وسلم- : ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وأنه ينزل -جل جلاله- إلى سمائه الدنيا عشية عرفة نزولا يليق بجلاله ، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ويقول: " انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين يرجون رحمتي ولم يروا عذابي ، أشهدكم أني قد غفرت لهم
قفوا بهذا الموقف إلى أن تغرب الشمس اقتداء بنبيكم صلى الله عليه وسلم ،
( الصفحة رقم: 200)
فإنه وقف حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة وغاب القرص ، ثم انصرف بعد ذلك ، وقال : هدينا مخالف لهديهم
وبعد غروب الشمس انصرفوا إلى مزدلفة اقتداء بنبيكم -صلى الله عليه وسلم- ، فإنه -صلى الله عليه وسلم- انصرف لما غربت الشمس من عرفة إلى مزدلفة وصلى بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا ، أذن للأولى وأقام للأولى والثانية ، فصلى المغرب ثلاثا ، والعشاء ركعتين بأذان وإقامتين ، ولم يصل قبلها ولا بعدها.
“ التعريج على صفة الحج وذكر سننها ومستحباتها
وبعد مضي معظم الليل لا بأس بالانصراف من مزدلفة للضعفة والنساء ، ومن سواهم عليه البقاء فيها إلى أن يصلي بها الصبح ، ثم يدفع الحاج بعد ذلك إلى منى ، ويبدأ أعمال يوم النحر برمي جمرة العقبة اقتداء بنبيكم -صلى الله عليه وسلم- ، فإنه صلى الفجر بمزدلفة في أول وقت الفجر ، ثم التقط حصى الجمار في طريقه من مزدلفة إلى منى سبع حصيات ، فلما وضعهن في يده قال: أمثال هؤلاء فارموا" ، ثم قال : " يا أيها الناس ، إياكم والغلو في الدين فرمى جمرة العقبة بسبع حصيات ، ثم نحر هديه ، ثم حلق رأسه.
وهذه أفعال يوم النحر : الرمي ، ثم النحر ، ثم الحلق ، ثم الطواف والسعي ، فمن استطاع ترتيبها كذلك ، فذلك خير ، ومن قدم بعضها على بعض ، فلا حرج عليه ، فنبيكم -صلى الله عليه وسلم- سئل يوم النحر قال له قائل: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي ، قال : " ارم ولا حرج " ، وقيل له : حلقت قبل أن أنحر ، قال : " لا حرج " ، فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا
( الصفحة رقم: 201)
أخر من هذه الأنساك الأربعة إلا قال : افعل ولا حرج
.
فإذا رمى المسلم جمرة العقبة ، وقصر أو حلق رأسه – والحلق أفضل – حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء ، فحل له الطيب ولبس المخيط ؛ لأن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- تطيب لإحرامه قبل أن يحرم ، ولحله قبل أن يطوف بالبيت.
ورمي الجمار واجب يفعله المسلم بنفسه ، فإن عجز لمرض أو كبر أو زحم دونها ونحو ذلك من الأعذار ، أناب عنه غيره ، ولا بأس بذلك ، قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- : حججنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعنا النساء والصبيان ، فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم وهذا أصل في جواز النيابة في رمي الجمار لمن لم يكن مستطيعا.
ثم طف بالبيت طواف الحج ، فإن كنت أخي الحاج قارنا أو مفردا وسعيت مع طواف القدوم فلا تسع مع طواف الحج ، وإن كنت متمتعا فاسع مع طواف الحج ، فإن سعيك الأول إنما هو سعي العمرة .
ثم بت بمنى ليالي التشريق اقتداء بنبيك -صلى الله عليه وسلم- ، فارم الجمار يوم الحادي عشر : الصغرى بسبع حصيات ، ثم الوسطى بسبع حصيات ، ثم جمرة العقبة بسبع حصيات ، ثم اليوم الثاني عشر كذلك الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة ، ثم إن أحببت أن تتعجل فاخرج من منى قبل غروب الشمس يوم الثاني عشر ، وإن أحببت أن تتأخر فتبيت في منى ، وترمي الجمار الثلاث بعد الزوال يوم
( الصفحة رقم: 202)
الثالث عشر ، فذلك خير ، قال الله تعالى : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، وقبل مغادرة هذا البلد الطاهر - مكة شرفها الله – طف بالبيت طواف الوداع ، واسأل الله القبول والسداد.
“ ذكر الموت وما بعده من النعيم والجحيم “
إخوة الإسلام ، إن هناك حقيقة لا بد أن نتذكرها دائما ، إنها حقيقة الموت كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ، فتذكر أخي المسلم ، حالتك عند الاحتضار ، وكيف تعاني في تلك الساعة ، وتذكر أن الناس على قسمين : فمنهم من تزف له البشارة أَلا تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ، وهؤلاء أهل الإيمان ، وغيرهم قال الله فيهم: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
تذكر أخي دخولك القبر وحلولك أول لحظة في أول منازل الآخرة ، فإما روضة من رياض الجنة ، وإما حفرة من حفر النار ، تذكر ذلك القبر الذي تودع فيه وحيدا فريدا خاليا بعملك ، فإما عمل صالح تزداد به أنسا وسرورا ، وإما عمل سيئ تزداد به وحشة إلى وحشتك ، تذكر حال من يوسع له في قبره مد بصره ، ويفتح له باب من الجنة فيأتيه من نعيمها ومن روحها ما يتمنى أن تقام الساعة لينتقل إلى ما هو خير من ذلك ، وتذكر حال من يضيق عليه في قبره ويتحسر بسوء عمله ، فيقول: رب لا تقم الساعة
تذكر حالنا يوم وقوفنا بين يدي الله حفاة عراة في يوم كان مقداره
( الصفحة رقم: 203)
خمسين ألف سنة
“ ذكر بعض أهوال يوم القيامة
تذكر دنو الشمس من الخلائق وتفاوتهم في العرق ، فمنهم من يبلغ به العرق إلى عقبيه ، ومنهم من يبلغ به إلى حقويه ، ومنهم من يبلغ به إلى ثدييه ، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما
تذكر وقوفنا بين يدي الله يوم عرضنا على الله ، يوم يكلم الله كلا منا ، فما منا من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان
تذكر يوم تعطى صحائف الأعمال ، فآخذ كتابه بيمينه فيزداد فرحا وسرورا ، وآخذ كتابه بيساره فيزداد حزنا وكآبة.
تذكر أخي يوم مرورنا على الصراط ، فناج مسلم ، ومخدوش ناج ، ومكدوس في النار
تذكر إذا دخل أهل الجنة الجنة ، ونادى مناد : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ودخل أهل النار النار ، ونادى مناد : يا أهل النار خلود فلا موت
تذكروا تلك الأهوال والمواقف العظيمة عسى أن تكون هادية لنا إلى التمسك بديننا والقيام بحق الله علينا ، نسأل الله لنا ولكم الثبات على الحق ، والاستقامة على الهدى ، إنه على كل شيء قدير.
وجوب التحلي بأخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- ، والتزام تقوى الله في الحج
أيها الحجاج ، اتقوا الله في حجكم ، والزموا الأدب الإسلامي ، تخلقوا بالحلم والأناة والصفح والإعراض ، ولتكن المحبة والتواصي بالحق سائدة بينكم ، اتقوا الله في حجكم ، فهذه مشاعر الحج لا رفث ولا فسوق ولا جدال فيها ، فالمشاعر يذكر الله فيها ، ويتقرب إليه بما يحب من الأعمال الصالحة ، فاحذروا كل ما يفسد
( الصفحة رقم: 204)
الأعمال ويضعفها ، زادكم الله توفيقا وسدادا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين ، وانصر عبادك الموحدين ، اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين ، اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح ولاة أمرنا ، وولاة أمور المسلمين جميعا ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ، ويذل فيه أهل معصيتك ، ويؤمر فيه بالمعروف ، وينهى فيه عن المنكر ، فأنت على كل شيء قدير رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين.
أعاده الله علي وعليكم وعلى إمام المسلمين وسائر المسلمين باليمن والبركة والخير ، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.



  سابق     تالي