تصفح برقم المجلد > الجامع لخطب عرفة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ > خطبة عام 1411 الهجري

( الصفحة رقم: 211 )

خطبة عام 1411 الهجري

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إن الحمد لله ، نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، فمن يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أما بعد:
“ الوصية بتقوى الله عز وجل “
أيها المسلمون ، اتقوا الله تعالى حق التقوى اتقوا ربكم فإن تقوى الله خير وصية أوصى الله بها الأولين والآخرين وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ، فاتقوا الله عباد الله فبتقوى الله تنالون السعادة في الدنيا والآخرة.
“ ذكر صفات أهل الإيمان ونقيضها من صفات أهل الكفر والنفاق “
أمة الإسلام ، أمة القرآن ، إن الله -جل جلاله- ضمن كتابه العزيز صفات أهل الإيمان وأخلاقهم وصفات غيرهم من الكفار والمنافقين .
ذكر صفات أهل الإيمان في المدح لهم والمدح لأعمالهم ، والحث عليه وبيان مآلهم ، وذكر صفات غيرهم في معرض الذم لها والذم لمن تخلق به ، وبيان ما ينتهي إليه حالهم كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ،
( الصفحة رقم: 212)
فمن تدبر كتاب الله رأى فيه الهدى والنور ، وقاده إلى كل خير وسعادة ، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى .
أمة الإسلام ، يقول الله -جل جلاله- وهو أصدق القائلين: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .
“ ذكر قاعدة أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض وآثار هذه الولاية بينهم
أمة الإسلام ، هذه أوصاف المؤمنين حقا ، فالمؤمنون هم أولئك الذين آمنوا بقلوبهم ونطقوا بألسنتهم ، وعملوا بجوارحهم بمقتضى هذا الإيمان الصادق الذي استقر في القلب ، فظهر أثره على الجوارح ، فاستقام العبد في أقواله وسلوكه وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ . هذا الإيمان ليس إيمان دعوى ، ولكنه الإيمان الصادق ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني ، إنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل المؤمنون والمؤمنات أولياء بعض ، هذه الولاية بين المؤمنين هي التي حققها الإيمان الذي وحد القلوب وجمع الشمل إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ، لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .
“ من آثار ولاية المؤمنين بعضهم لبعض المحبة فيما بينهم في ذات الله “
إن لهذه الولاية آثارها العظيمة ، فمن آثار تلكم الولاية ما بين المؤمنين من محبة في ذات الله ، فالمؤمن يحب أخاه المؤمن في ذات الله ، يحبه لكونه مطيعا لله ،
( الصفحة رقم: 213)
لكونه قائما بشرع الله ، لكونه مستجيبا لله ولرسوله ، يحبه محبة عميقة في قلبه ، وهذه المحبة أثر من آثار الإيمان ، يقول -صلى الله عليه وسلم- في ذكر السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: ورجلان تحابا في الله ، اجتمعا عليه وتفرقا عليه ويقول -صلى الله عليه وسلم- : وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله
فهذه المحبة الصادقة التي دعا إليها الإيمان ، محبة المؤمن لأخيه – وإن نأت الديار واختلفت اللغات والألوان لكن جمعتهم أخوة الإيمان ووحدة الإسلام – هذه محبة لم تقم على أهداف مادية ، ولكنها قامت على أساس العقيدة ، فهي محبة باقية لا تصدع لبناها ولا انفصام لعراها ، بل محبة باقية إلى أن يلتقوا في دار كرامة الله الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ .
“ ومن آثارها المناصرة بين المؤمنين “
ومن آثار تلكم الولاية نصر المؤمن لأخيه المؤمن ، فالمؤمن ينصر أخاه ويدفع عنه ظلم الظالمين ، وعدوان المعتدين ، وبغي الباغين ، فلا يسمح لأخيه أن تناله مظلمة من أي إنسان يقف معه حتى يدفع الظلم عنه ، ويحول بين الظالم وبين أن يعتدي عليه ؛ لأنه وإياه كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر وهو مع هذا كله ينصره إذا حصل منه ظلم على أحد ، فلا يرضى أن يَظلم ، ولا أن يُظلم ، يحجزه عن الظلم ويمنعه عن الإجرام ، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : انصر أخاك ظالما أو مظلوما " ، فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما ، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟! قال : " تحجزه أو تمنعه من الظلم ، فإن ذلك نصره
( الصفحة رقم: 214)
“ ومن آثارها حب المؤمن الخير لأخيه المؤمن
ومن آثار ولاية المؤمنين بعضهم لبعض أن المؤمن يفرح بكل خير ناله أخوه المسلم ، وبكل خير حصل عليه أخوه المسلم ، ويغتم بكل سوء مس أخاه المسلم ، فهو يفرح لفرحه ويحزن لحزنه ؛ لأنه كالجزء منه ، فيرى كل خير ناله أخوه المسلم كأنه واصل إليه ، وكل أذى أو بلاء ناله أخوه المسلم كأنما ناله ذلك البلاء.
من آثار تلكم الولاية محبة المؤمن الخير لأخيه وكراهة الشر لأخيه فهو يحب له ما يحب لنفسه ويكره له ما يكرهه لنفسه يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه
“ ومن آثارها التواصي بينهم بالحق والتعاون على البر والتقوى ومحبة الخير لأخيه المؤمن “
ومن آثار ولاية المؤمنين بعضهم لبعض أن أهل الإيمان أهل تواص بالحق ، وتواص بالخير ، وتعاون على البر والتقوى ، وبعد عن التعاون على الإثم والعدوان ، فالمؤمن مرآة أخيه المؤمن ، ينصحه ويوجهه ويهديه الطريق المستقيم ، كلما رأى من أخيه خلالا أصلح ذلك الخطأ ، وأقام ما اعوج ، وستر كل عيب ، وأمد أخاه بالنصيحة الصادقة والعاطفة والتوجيه السليم ، نصيحة انطلقت من قلب يحب الخير لأخيه ، ويكره الشر لأخيه ، ينصحه نصيحة المحب المشفق عليه ، الذي يتمنى له كل خير وسعادة ، ويكره له كل شر وبلاء ، إن أهل الإيمان كملوا أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح ، ثم سعوا في تكميل إخوانهم بذلك إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ .
“ ومن آثارها التراحم فيما بينهم “
ومن آثار تلكم الولاية تراحم المؤمنين فيما بينهم ، فالمؤمن يرحم أخاه ويشفق عليه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ .
( الصفحة رقم: 215)
“ ومن آثارها : بعد المؤمن عن إيذاء أخيه “
أيها المؤمنون ، ومن آثار تلكم الولاية أن المؤمن بعيد أن يصيب أخاه بأذى ، فالمؤمنون يأمنون أخاهم على دمائهم وأموالهم ، لا يخشون غدره ، ولا يخشون خيانته ، ولا يخشون ضرره ولا شره ، بل هم في أمن على دمائهم وأموالهم ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم فلا ترى المؤمن حقا خائنا لأمانته ، ولا مخلفا لوعده ، ولا تراه يكيد المكائد لإخوانه المؤمنين ، ولا يسعى في إلحاق الضرر والأذى بهم ، بل هو يتجنب ذلك ويبتعد عنه ، ليس عونا على إخوانه ، ولكنه عونا لهم ومساعدا لهم على الخير ، فلا يعين غيرهم عليهم ، ولا يسعى بإلحاق الضرر بهم ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده
إن المؤمن يرى أن كل ضرر وأذى لحق بأي فرد أو بأي مجتمع مسلم ، فإنما ذلك الأذى حاصل عليه ولاحق به ، فهو يبتعد عن الأذى والضرر ويتجنب ذلك كله.
“ ومن آثارها : السعي في إصلاح ذات بينهم “
ومن آثار تلكم الولاية أن المؤمنين يسعون في إصلاح ما بينهم ، وحل مشاكلهم في إطار دينهم وإسلامهم؛ امتثالا لقول الله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ، فأهل الإيمان يصلحون بين الناس ويقربون بينهم إذا تباعدوا ، ويبتغون بذلك وجه الله ، فهم يسعون في الإصلاح وتأليف القلوب ، وجمع الكلمة ولم الشعث ؛ لأن ذلك من مقتضى إيمانهم ، فإيمانهم يدعوهم إلى أن يكونوا جسدا واحدا ، وأن يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ويقوي
( الصفحة رقم: 216)
بعضه بعضا
هذه بعض آثار الإيمان الصحيح ، فلنكن كما أراد الله لنا وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .
الدعوة إلى الله خلق الأنبياء والرسل والتابعين لهم بإحسان
أمة الإسلام ، إن الدعوة إلى الله خلق أنبيائه ورسله والتابعين لهم بإحسان قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، إن الدعوة إلى الله أمانة في أعناق الأمة الإسلامية التي فضلها الله وشرفها وجعلها خير أمة أخرجت للناس كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فالله الذي شرف هذه الأمة وفضلها على الأمم وجعلها خير أمة أخرجت للناس ، وأوجبها أن تكون قائمة بالدعوة إلى الله ، وأن تدعو العباد إلى الله وتهديهم منهج الله وصراطه المستقيم .
أمة الإسلام ، إن كثيرا من العالم ليتخبط في جهله وضلاله حائرا في أمره ، يلتمس داعيا يدعو إلى الهدى ، مرشدا يرشده ، قائدا يقوده إلى الخير.
“ حاجة الناس إلى الدعاة المخلصين “
لقد جرب العالم شعارات ، وجربوا أفكارا ومبادئ ، ولكنها انحسرت وزالت ، فالعالم متطلع إلى دين قويم ، ودعاة مخلصين ، يصلحون القلوب والأعمال ، ويعرضون هذا الدين كما جاء عن الله ، وكما جاء به المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم .
( الصفحة رقم: 217)
فإن هذا الدين إذا عرض على القلوب السليمة كما جاء عن الله وكما دعا إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبلته فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ .
“ وصايا للدعاة “
دعاة الإسلام ، إن الدعوة إلى الله سبيل الأنبياء والمرسلين ، فلتكن دعوتكم خالصة لله ، تبتغون بها وجه الله والدار الآخرة ، وتريدون إنقاذ البشرية من حيرتها ، تريدون هدايتها إلى منهج الله ، تريدون أن تستضيء بوحي الله ونوره كما استضأتم ، فادعوا إلى الله على علم وبصيرة ، أخلصوا لله دعوتكم وابتغوا بها وجه الله والدار الآخرة ، واسلكوا بدعوتكم منهج نبينا محمد بن عبد الله ، صلوات الله وسلامه عليه ، فهو أكمل الخلق دعوة وأحسنهم توجيها وإرشادا.
“ التدريج في الدعوة من أهم أسس الدعوة الناجحة “
فمن أراد لدعوته القبول فلينهج منهج النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في وضوح دعوته ووضوح مبادئه ، وفي سلامتها ، في منهجها ومبدئها ، فإن محمدا -صلى الله عليه وسلم- بدأ بعقيدة التوحيد قبل كل شيء ، فأرسى عقيدة التوحيد في النفوس ، مكث بمكة بضعة عشر سنة يدعو الخلق إلى تحقيق لا إله إلا الله ، إلى العلم بها والعمل بمقتضاها ، ويزيل كل مظاهر الشرك ، حتى إذا ثبتت العقيدة في النفوس جاءت الأوامر والنواهي ، فقبلت النفوس أوامر الله وابتعدت عن مناهي الله ، فتربى الرعيل الأول هذه التربية الصادقة ، على هذا المنهج العظيم ، فانطلقوا بعد ذلك دعاة إلى الله ، فأصلح الله بهم البلاد والعباد ، وأقاموا شرع الله
( الصفحة رقم: 218)
على معظم أرجاء المعمورة ، وذاك لصدقهم مع الله ، وإخلاصهم ، وحسن دعوتهم ، وسلوكهم منهج محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يدعون إليه وفيما ينهون عنه.
“ على الدعاة أن يحذروا عن أن تكون دعوتهم وسيلة لأغراض مشبوهة وليسلكوا في دعوتهم مسلك النبي صلى الله عليه وسلم “
إذن فالدعاة إلى الإسلام لا بد أن يسيروا على هذا المنهج القويم ، وليحذروا أن تكون دعوتهم مشبوهة أو مغرضة ، أو تخدم أهدافا وأفكارا وأمورا بعيدة عن حقيقة الدعوة إلى الإسلام ، إن كثيرا من العالم أحيانا قد يتصور أن الإسلام مصدر قلق للشعوب ، ومصدر فتنة وبلاء ، وما ذاك من الإسلام ، ولكنه من سوء تصرف بعض الدعاة إليه ، الذين أخرجوا الدعوة إلى الإسلام عن منهجها ، وصاروا بها على غير طريقها.
أما الدعاة الصادقون المخلصون ، الذين سلكوا مسلك النبي -صلى الله عليه وسلم- ، صاروا على كتاب الله وعلى منهج النبي محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- ، فإن دعوتهم بتوفيق الله تكون لها الآثار الحميدة ؛ لأنها دعوة صادقة صالحة ، ليس لها غاية ولا هدف سوى إصلاح الخلق وهدايتهم والأخذ بأيديهم إلى ما يحب الله ويرضاه.
أمة الإسلام ، إن العالم الإسلامي في أواخر القرن الثالث الهجري دبت إليه أفكار وآراء بعيدة ودخيلة على هذا الدين ، حتى عم كثيرا من دول الإسلام جهل وبعد عن هذا الدين ، ولكن الله من فضله وكرمه أقام علماء هذه الأمة مقام
( الصفحة رقم: 219)
الأنبياء فيمن مضى ، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، وإنما ورثوا العلم ، والعلماء ورثوا الأنبياء
“ قيام العلماء والدعاة بدورهم يعيد للمسلمين عزتهم ومكانتهم “
فقام دعاة إلى الله من هذه الأمة بواجبهم العظيم ، وسجل لهم التاريخ كل خير وعمل صالح ، فما قامت بدعة ولا ضلالة بأي قطر من أقطار الإسلام إلا هيأ الله لها من علماء الأمة من بينوا الحق من الباطل ، فدحضوا الباطل وأقاموا حجة الله على العباد ، فما خلا قطر ولا قرن من الزمن من داع يدعو إلى الله ، ويبصر عباد الله ويهديهم منهج الله ، ويعيدهم إلى المنهج الصحيح السليم.
“ قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة إلى الدين الخالص ، وأيدها الإمام محمد بن سعود حتى مكن الله له في الأرض “
ولكن هؤلاء الدعاة منهم من قيد له من يحمي دعوته ويشد أزره ويدفع عنه ، ومنهم من لم يتهيأ له ذلك ، وربك حكيم عليم ، فلقد جرى على هذه الجزيرة ما جرى على غيرها من جهل وبعد عن منهج الله ، وتنكب للطريق المستقيم ، حتى هدى الله رجلا من أبنائها فبصره الله في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، ورأى ما بين واقع مجتمعه وما دل عليه الكتاب والسنة بعدا عظيما ، فقام داعيا إلى الله ، إلى كتاب الله ، وإلى سنة محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وإلى ما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى عبادة الله والتزام هذه الشريعة ، والعمل بمقتضاها ، عرض دعوته على كثير من قومه وأهل زمانه ، إلى أن هيأ الله له الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- ، فقام الإمامان العظيمان: محمد بن عبد الوهاب ، ومحمد بن سعود ، قيام صدق وإخلاص لله ، وتواكب العلم
( الصفحة رقم: 220)
والقوة ، حتى مكن الله لهذه الدعوة ، فنمت والتحمت الجزيرة العربية وتوحدت بعد فرقتها ، وعادت إلى الحق والهدى ، واستضاءت بدين الله ، وهذه الدعوة الصالحة – ولله الفضل والمنة – لم تقم لتخدم أهدافا معينة ، ولا لأغراض سياسية ، ولكنها دعوة صالحة على أساس من كتاب الله وسنة محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وانتفع بها الفئام الكثيرة من الناس ، فالحمد لله رب العالمين.
فإن هذه الدولة السعودية -ولله الفضل والمنة- انطلقت من هذا المنطلق ، دعوة إلى الله ، وقيام دولة على أساس من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، وتحكيم شرع الله والعمل بذلك ، نرجو الله للجميع التوفيق والسداد ، وأن يوفق الله قادة الأمة الإسلامية للعمل بشرع الله وتحكيم دينه.
“ نصيحة لقادة المسلمين والحكام في الدول الإسلامية “
قادة المسلمين ، اتقوا الله في أنفسكم ، واتقوا الله في شعوبكم ، واتقوا الله فيمن ولاكم الله عليهم ، واعلموا أن الله سائل كل راع عما استرعاه يوم القيامة ، فاحذروا أن تلقوا الله وقد خنتم شعوبكم وأمتكم ، وغششتم وكذبتم عليهم ، اتقوا الله في أنفسكم ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ويقول : فما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته ، إلا حرم الله عليه الجنة
فاتقوا الله في شعوبكم ، وحكموا فيهم شرع الله ، وأقيموا فيهم دين الله ، وطبقوا
( الصفحة رقم: 221)
عليهم شريعة الإسلام؛ لتعيشوا أنتم وإياهم في سعادة وفي أمن واستقرار ، يقول الله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ، فما أصاب الأمة الإسلامية من ضعف وتفرق وتشتت ، فإنما ذاك بسبب البعد عن الإسلام ، فلنعد إلى الإسلام عودا صحيحا ، ولنحكم شرع الله ، ولنقم دين الله ، ولنحول جميع أنظمتنا لتوافق شرع الله ؛ لنعيش الحياة السعيدة الطيبة ، يقول -عز وجل- : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .
“ التعريج على أركان الإسلام الخمسة وتوضيحها “
أمة الإسلام ، إن الله تعالى بنى هذا الدين على أركان خمسة ، أساسها تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، أن نعبد الله وحده مخلصين له الدين ، وأن نصرف كل عبادتنا لربنا ، نصرف دعاءنا وذبحنا ونذرنا ورجاءنا وخوفنا واستغاثتنا واستعاذتنا واستعانتنا لله وحده ، فلا نعبد غيره ، ولا نرجو سواه ، ولا نستغيث إلا به ، ولا نؤمل في تفريج الكربات إلا هو سبحانه وتعالى وتقدس ، ونؤمن بمحمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- خاتم أنبياء الله ورسله -عليهم السلام- ، وأن الله ختم بشريعته جميع الشرائع ، وبرسالته جميع الرسالات ، نؤدي الصلوات في أوقاتها ، نحافظ عليها ، ونؤدي زكاة أموالنا ، ونصوم رمضان ، ونحج بيت الله الحرام ، فهذه أركان الإسلام ، من حفظها وحافظ عليها سهل عليه المحافظة على ما سواها.
( الصفحة رقم: 222)
التذكير بالحج وفضله
حجاج بيت الله الحرام ، إن الله افترض الحج على أمة الإسلام ، وجعله فريضة العمر ، من أداه في عمره مرة فقد أدى الواجب وبرئت الذمة وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ، هذه الفريضة العظيمة التي افترضها على أمة الإسلام وجعلها ركنا من أركان هذا الدين ، هذا الحج إلى بيت الله الذي عظمه الله واختاره من بين بقاع الأرض حرما آمنا ، وجعله أفضل البقاع وخيرها ، زاده الله تشريفا وتعظيما .
فضل يوم عرفة وأنه من أعظم الأيام “
حجاج بيت الله الحرام ، أنتم اليوم تقفون على صعيد عرفات ، اجتمع عقدكم في هذا المكان المبارك ، فاشكروا الله على نعمته أن هيأ لكم الوصول إلى هذه البلاد العظيمة ، وأثنوا عليه بما هو أهله ، اشكروا ربكم ، ثم تأملوا نعمة الله عليكم بهذا الدين الذي جمع به بين قلوبكم ، ووحد به بين صفوفكم ، وجئتم من أقطار الدنيا تؤمون بيت الله ، استجابة لأمر الله ، وتلبية لنداء الخليل ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ .
أجل أنها منافع نشهدها ، اجتماع الأمة الإسلامية من أقطار الدنيا ، من شرقها وغربها ، من أقاصي الدنيا ، جاءوا لغاية واحدة ، جاءوا لطاعة الله ، جاءوا ابتغاء مرضات الله ، جاءوا استجابة لأمر الله ، جاءوا ليتقربوا إلى الله ، هذه القلوب ما الذي جمعها وما الذي وحدها؟ إنها تلتقي على هدف واحد أخوة الإسلام
( الصفحة رقم: 223)
ووحدة الإيمان .
فاشكروا الله الذي جمعكم في هذا المكان ، وليكن هذا الاجتماع سببا لتآلف القلوب وتحسس المشاكل وتعاون المسلمين بعضهم مع بعض فيما يحل مشاكلهم ، ويساعد في جمع كلمتهم وتوحيد شملهم ، فإنكم في يوم عظيم وفي مكان مبارك ، فاحمدوا الله على هذه النعمة ، واستغلوا هذا الموقف العظيم وهذا المجتمع الكبير في التفاهم والتعاون فيما يعود عليكم وعلى مجتمعكم بالخير والسعادة والفلاح.
أمة الإسلام ، إن هذا اليوم يوم عظيم من أيام الله ، ألا وهو يوم عرفة ، الذي يقول -صلى الله عليه وسلم- عنه : "الحج عرفة
“ اجتمع عيدان في يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة “
هذا اليوم العظيم اجتمع فيه يومان فضيلان : يوم الجمعة ، ويوم عرفة ، عيد الأسبوع يوم الجمعة ، وعيد أهل الموقف يوم عرفة ، فاجتمع فيه يومان عظيمان من أفضل أيام الله ، وفيه الساعة المحققة للإجابة – أعني في يوم الجمعة – وكذلك في يوم عرفة ، يقول -صلى الله عليه وسلم- في يوم الجمعة : فيه ساعة لا يوفقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه
وإن هذا اليوم ليوافق يوم وقف النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فنبيكم -صلى الله عليه وسلم- وقف بهذا المكان منذ ألف وأربعمائة سنة ، وقف في هذا المكان ، وقف الناس وصلى بهم صلوات الله وسلامه عليه ، وهذا اليوم يوافق يوم إكمال الدين وإتمام الله النعمة على هذه الأمة الإسلامية ، فإن نبيكم -صلى الله عليه وسلم-
( الصفحة رقم: 224)
بعدما صلى الظهر والعصر ووقف بعرفة أنزل عليه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا .
“ كمال هذا الدين في نظمه ومبادئه وتشريعاته “
أكمل الله هذا الدين ، فليس فيه نقص يحتاج إلى إكمال ، ولا قصور يحتاج إلى زيادة ، دين كامل في نظمه ومبادئه ، أخلاقا وعقيدة ومنهجا ، أكمل الله الدين فنالت هذه الأمة شرفا وفضلا عظيما .
إن هذا اليوم يا عباد الله يوم يفرح به أهل الجنة ، وهو يدعى في الجنة يوم المزيد ، يجمع أهل الجنة في واد أفيح ينصب لهم منابر من لؤلؤ ، ومنابر من ذهب ، ومنابر من زبرجد ، ومنابر من ياقوت ، على كثبان من مسك ، فيطلع الله عليهم ، فينظرون إلى وجه ربهم عيانا ، فما أعطي أهل الجنة نعيما أفضل من ذلك النعيم
إن هذا اليوم في عشيته ينزل ربكم إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ، يقول : انظروا إلى عبادي ، أتوني شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق ، أشهدكم أني قد غفرت لهم وقال : ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟
“ نصيحة بالدعاء والإلحاح في هذا اليوم العظيم “
فيا أمة الإسلام ، ويا حجاج بيت الله الحرام ، الجئوا إلى الله في يومكم هذا ، ومدوا أكف الضراعة إلى ذي الجلال والإكرام ، وتوبوا إليه مما سلف من أقوالكم وأعمالكم ، فإن ربكم يفتح باب التوبة للتائبين قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
( الصفحة رقم: 225)
“ ذكر صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم
أمة الإسلام ، إن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- أتى إلى هذا الوادي فخطب الناس خطبة عظيمة هدم فيها قواعد الشرك ، وأقام فيها قواعد الإسلام ، وألغى مسائل الجاهلية ومعاملاتها الربوية ، وبين ما للمرأة من حقوق وما عليها من واجبات ، وأوصى الناس بكتاب الله ، وأخبرهم أنهم إن تمسكوا به لن يضلوا بعده أبدا ، واستشهدهم على أنه بلغهم رسالات ربهم ، فصدقوا قوله وأقروا له ، فاستشهد الله عليهم -صلوات الله وسلامه عليه- ، ثم نزل فأمر المؤذن فأذن فصلى الظهر ركعتين ، ثم أقام فصلى العصر ركعتين جمعا وقصرا ، جمع تقديم ، فالسنة في هذا اليوم أن يصلي الحجاج الظهر والعصر جمعا وقصرا ، الظهر ركعتين والعصر ركعتين.
ثم أنه -صلى الله عليه وسلم- انتقل إلى عرفة فوقف بعرفة وقال للصحابة : وقفت هاهنا ، وعرفة كلها موقف وقال وارفعوا عن بطن عرنة يعني أن الواقف في أي جزء من أجزاء عرفة فإنه يكون مؤديا للواجب إذا كان وقوفه داخل حدود عرفة ، وفي وقوفه هذا جاءه ناس من أهل نجد يسألونه عن الحج ، قال : الحج عرفة وقال : من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد أتم حجه وقضى تفثه وفي هذا المقام شك الصحابة هل كان صائما أو مفطرا ؟ فبعثت أم الفضل بقدح من لبن فشربه والناس ينظرون إليه مما يدل على أن الحج يستحب له الفطر ، أما غير الحاج فالصيام في حقهم هو الأفضل.
( الصفحة رقم: 226)
ثم أن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- استمر واقفا يدعو الله ويتضرع بين يديه حتى غربت الشمس واستحكم غروبها ، وبعد ذلك انصرف إلى مزدلفة وقال : هدينا مخالف لهديهم فلم ينصرف من عرفة إلا بعد غروب الشمس ، فالواجب على الحجاج أن يبقوا في عرفة إلى أن يتأكدوا من غروب الشمس ، ولا يحل لمسلم أن ينصرف منها قبل غروب الشمس .
ثم إن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- انصرف من عرفة إلى مزدلفة وهو يحث الصحابة على السكينة والوقار في مشيهم وفي سيرهم فإن رأى فرجة أسرع ، وإن رأى زحاما تلبث قليلا وهكذا السنة للمسلمين: ألا يضايق بعضهم بعضا ، ولا يؤذي بعضهم بعضا في السير .
وصل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مزدلفة ، وصلى بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا ، المغرب ثلاثة ، والعشاء ركعتان بآذان وإقامتين ، فهذه السنة للحاج أن يصلي المغرب والعشاء جمعا وقصرا متى وصل إلى مزدلفة ، وسواء وصل إليها في وقت المغرب أو وقت العشاء جمع تقديم أو جمع تأخير .
بات بها -صلى الله عليه وسلم- ورخص للضعفاء من النساء في الانصراف منها بعد غياب القمر ، أما هو -صلى الله عليه وسلم- فبات بها حتى صلى بها الفجر في أول الوقت ، وذكر الله عند المشعر الحرام ثم انصرف إلى منى ، وهذه هي السنة ، والتقط حصى الجمار ما بين طريقه من مزدلفة إلى منى .
وصل -صلى الله عليه وسلم- إلى منى ، فابتدأ جمرة العقبة ، فرماها بسبع حصيات ، ثم نحر هديه ، ثم حلق رأسه ، ثم طاف طواف الإفاضة بالبيت .
( الصفحة رقم: 227)
وهذه الأعمال يرتبها الحاج يوم النحر إن قدر على ذلك : رمي جمرة العقبة ، ثم نحر الهدي ، ثم الحلق أو التقصير ، والحلق أفضل ، ثم الطواف بالبيت والسعي بعدها إن لم يكن سعى مع طواف القدوم ، أو كان متمتعا فعليه سعي الحج غير سعي عمرته ، وإن قدم بعضها على بعض فنبينا -صلى الله عليه وسلم- يقول لمن سأله أنه قدم الحلق على الرمي أو النحر على الرمي ، يقول : " افعل ولا حرج " ، فما سئل عن شيء يوم النحر قدم ولا أخر من أفعال يوم النحر إلا قال : " افعل ولا حرج
ثم إنه -صلى الله عليه وسلم- رجع بعدما طاف طواف الإفاضة ، وبات بمنى ليلة الحادي عشر ، ثم رمى الجمار يوم الحادي عشر بعد الزوال: الأولى ، ثم الوسطى ، ثم العقبة ، وكذلك في اليوم الثاني عشر ، ومكث بمنى ثلاثة أيام ، فلم ينصرف إلا في اليوم الثالث عشر بعدما أكمل رمي الجمار.
فمن تعجل في يومين فانصرف من منى يوم الاثنين بعدما يرمي الأولى والوسطى والعقبة ، أو تأخر إلى اليوم الثلاثاء الثالث عشر ، فإن الكل جائز ، قال الله تعالى : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، أي: من تعجل في الدفع من منى في اليوم الثاني عشر فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلم يدفع إلا في اليوم الثالث عشر فلا إثم عليه ، فلا حرج عليه ، ثم بعدما يكمل الحج رمى الجمار يودع بيت الله الحرام وقد تم حجه بتوفيق الله .
أيها المسلمون ، اشكروا الله على نعمة الإسلام ، اشكروه على هذا الفضل العظيم ، اشكروه إذ بلغكم الوصول إلى بيت الله الحرام .
( الصفحة رقم: 228)
“ دور الحكومة بعد الله -سبحانه وتعالى- في تيسير الحج وتسهيله “
حجاج بيت الله الحرام ، هذا وقد اجتمعتم في هذا المكان المبارك ، وشاهدتم -ولله الفضل والمنة- ما نعمت به بلاد الحرمين من خدمات عظيمة وتسهيلات كبيرة ، كما ذلل من الصعاب وسهل من الأمور بتوفيق الله ورحمته ، فإن المسئولين في هذه البلاد – من أول مسئول فيهم إلى آخره – بذلوا جهودا مضنية وجهودا جبارة ، قاموا بواجب عظيم ، سهلوا لحجاج بيت الله الحرام كل المهمات ، ذللوا أمامهم الصعاب ، يشهد المسلم تلك العناية العظيمة بالحرمين والطرق الموصلة إليه ، وما تقوم به أجهزة هذه البلاد على اختلافها: أمنية ، وصحية ، وغير ذلك من أجهزة الدولة التي تقوم بكل جهد ، وبكل عمل في سبيل راحة الحجيج.
إن هذه الأعمال إنما تقدمها هذه البلاد شكرا لله على نعمته أن جعلهم خدام بيت الله الحرام ، ورعاة هذا البلد الأمين ، فهم يؤدون هذه الأعمال انطلاقا من مبدأ عظيم: طاعة الله ، وطاعة رسوله ، ومحبة الخير لهذه الأمة .
إن هذه البلاد -ولله الفضل- بما من الله عليها بتحكيم شرع الله ، وإقامة حدود الله ، ورعاية الحرمين العظيمين -هي أيضا تنطلق في سبيل راحة المسلمين وتضميد جروحهم ، وحل مشاكلهم ، وإنهاء خصومتهم ، وبذل كل جهد في سبيل ما يسعد الأمة ويعينها من قريب أو بعيد ؛ لأنها ترى ذلك واجبا إسلاميا عليها ، محبة الخير للأمة والسعي في مصالحهم وجمع كلمتهم وتوحيد شملهم ، ومساعدتهم في كل كارثة تنزل بهم؛ لأن هذا من منطلق الإيمان ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا فوفق الله حكومتنا لكل
( الصفحة رقم: 229)
خير ، وهداهم سواء السبيل ، ووفق إمام المسلمين وولي عهده لما يحبه ويرضاه ، وأخذ بأيديهم إلى كل خير.
“ توصية الحجاج باحترام بيت الله الحرام والمشاعر المقدسة “
حجاج بيت الله الحرام ، اشكروا الله على نعمة الإسلام ، واحترموا بيت الله ، واعلموا أن لهذه الأماكن حرمات عظيمة ، فعظموا حرمات الله كما أمركم بذلك ربكم ، اشكروا الله على نعمته ، وحافظوا على فرائض الإسلام وواجبات الإيمان ، وليكن الحج سببا في صلاحكم واستقامة أحوالكم ، وليرجع الحج بعد حجه وقد فتح صفحة جديدة في إصلاح القلب والعمل ؛ لأن الحج يهدم ما قبله ، يقول -صلى الله عليه وسلم- : من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه فاتقوا الله في أنفسكم ، واعملوا بشرع الله ، وليكن التعاون والتفاهم والمحبة سائدة فيما بينكم؛ لأن هذا خلق الإسلام ، واجب أن يمتثله المسلمون .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين ، وانصر عبادك الموحدين ، اللهم اجعل هذا البلد آمنا مستقرا وسائر بلاد المسلمين ، يا رب العالمين ، اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح ولاة أمرنا ، وأصلح ولاة أمر المسلمين عامة ، إنك على كل شيء قدير ، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ، ربنا إنك رءوف رحيم ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار .
عباد الله ، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، يعظكم لعلكم تذكرون ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم ، واشكروه على عموم نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر ، والله يعلم ما تصنعون .



  سابق     تالي