تصفح برقم المجلد > حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم > تمهيد

( الصفحة رقم: 6 )
صفحة فارغة
( الصفحة رقم: 7 )

تمهيد

وقبل البدء في ذلك أمهد بمقدمة أرى أنها نافعة .
فأقول مستعينا بالله :
لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح أمر ملائكته بالسجود له ، وكان إبليس من الجن ، وليس من الملائكة ، وإنما دخل في خطابهم لتوسمه بأفعال الملائكة وتشبهه بهم ، وتعبده وتنسكه ، لكن حين أمروا بالسجود وسجد الملائكة ، لم يسجد إبليس اللعين : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ويقول - سبحانه - في سورة الكهف : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ الآية . أبي أن يسجد لآدم
( الصفحة رقم: 8)
كبرا وحسدا وبغيا ، فكان عقابه أن طرد من رحمة الله ، وحلت عليه لعنة الله ، لكن الخبيث ازداد بغيه ، وعظم حقده على آدم وذريته ، وطلب من الله الإنظار إلى يوم القيامة ، فأنظره الله ، عند ذلك قال - كما قص الله خبره - : قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ
والمعنى : أنه أقسم أن يضل عباد الله من بني آدم عن طريق الحق وسبيل النجاة ؛ لئلا يعبدوا الله ولا يوحدوه ، ويسلك شتى الطرق لصدهم عن الخير وتحبيب الشر لهم .
ومثله قوله تعالى قاصا خبره : قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
( الصفحة رقم: 9)
وقوله - سبحانه - : قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا الآية
فلم يزل بآدم - عليه السلام - وذريته ؛ وسوسة وإغواء وإضلالا ، حتى تسبب في إهباط آدم من الجنة ، وقتل ابن آدم لأخيه ، ولم يكفه هذا ، فلما مر ببني آدم الزمان ، وطال عليهم العهد بالنبوة - حسن إليهم الشرك ، وأغواهم ، فكان له ما أراد ، وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه ، ووقعوا في الشرك ، وكان أول ذلك زمن قوم نوح حين عبدوا الأصنام : ودا ، وسواعا ، ويغوث ، ويعوق ، ونسرا ، وكانت هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح - عليه السلام - ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا
( الصفحة رقم: 10)
إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا ، وسموها بأسمائهم ، ففعلوا فلم تعبد ، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت ، هذا ما قاله ابن عباس - رضي الله عنهما - كما في البخاري
وروى ابن جرير ، عن محمد بن قيس قال : ( كانوا قوما صالحين من بني آدم ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم : لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم ، فصوروهم ، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس ، فقال : إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر ، فعبدوهم )
هكذا بدأ الشرك في بني آدم ، بسبب إغواء إبليس لهم ،
( الصفحة رقم: 11)
لكن الله - سبحانه - بحكمته وعلمه ورحمته بعباده لم يتركهم هملا يغويهم إبليس وجنده ، بل أرسل إليهم الرسل ؛ لتبين لهم الدين الحق ، وتحذرهم من الشرك والضلال ؛ رحمة منه بعباده ، وإقامة للحجة عليهم : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ويقول - سبحانه - : رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ويقول - سبحانه - : وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
وفي [ الصحيحين ] عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا أحد أغير من الله ، ولذلك حرم
( الصفحة رقم: 12)
الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله - عز وجل - ؛ ولذلك مدح نفسه
وفي لفظ لمسلم : من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل وفي [ الصحيحين ] من حديث سعد بن عبادة - رضي الله عنه - : ولا شخص أحب إليه العذر من الله ، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين
فأرسل الله الرسل إقامة للحجة على عباده وإعذارا لهم ، وهذه الرسالات من نعم الله على خلقه أجمعين ؛ إذ حاجة العباد إليها فوق كل حاجة ، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة ، فهم في حاجة إلى الرسالة أعظم من حاجتهم
( الصفحة رقم: 13)
إلى الطعام والشراب والدواء ، إذ قصارى نقص ذلك أو عدمه تلف الأبدان ، أما الرسالة ففيها حياة القلوب والأديان ، بل الرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده ، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة ، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة ، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
أرسل الله الرسل ، وجعلهم بشرا من أقوام المرسل إليهم ، وبلسانهم ؛ ليبينوا لهم الدين الحق : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وكل أمة بعث فيها رسول ، قال - عز وجل - :
( الصفحة رقم: 14)
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ وقال - سبحانه - : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ
بعثوا جميعا بدين واحد وهو الإسلام ، وإخلاص الدين لله ، وتجريد التوحيد له سبحانه ، واجتناب عبادة ما سواه : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وقال - سبحانه - : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ
وفي الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - : الأنبياء إخوة لعلات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد متفق عليه .
( الصفحة رقم: 15)
؛ إذ هذا مقتضى الرسالة ، يقول - عز وجل - : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
ولم تزل الرسل تتابع إلى أقوامهم لدعوتهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى الآية إلى أن جاء موسى وبعده عيسى - عليهما السلام - ، وظهرت في كتبهما البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم .
يقول الله - عز وجل - : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ويقول - عز وجل - : وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ
( الصفحة رقم: 16)
وبعد أن رفع عيسى - عليه السلام - ، وطال ببني آدم العهد قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - حمل إبليس بخيله ورجله على بني آدم ، فأضلهم ضلالا بعيدا ، وأوقعهم في الكفر والشرك والضلال بصنوفه إلا قليلا منهم ، وبلغ من حالهم أن مقتهم الله - سبحانه - عربهم وعجمهم إلا القليل .
ثم بعث النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول : يا أيها الناس ، إنما أنا رحمة مهداة
بعث والحال كما أخبر به - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي أخرجه مسلم في [ صحيحه ] عن عياض بن حمار المجاشعي - رضي الله عنه - ، حيث قال - صلى الله عليه وسلم - في خطبته : ألا
( الصفحة رقم: 17)
إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا ، كل مال نحلته عبدا حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا . وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ، عربهم وعجمهم ، إلا بقايا من أهل الكتاب . وقال : إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء ، تقرؤه نائما ويقظان
. . الحديث
فرفع الله عنهم هذا المقت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بعثه رحمة للعالمين ، ومحجة للسالكين ، ومحجة على الخلائق أجمعين ، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فختم به
( الصفحة رقم: 18)
الرسل ، وهدى به من الضلال ، وعلم به من الجهالة وفتح برسالته أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا ، فأشرقت الأرض بعد ظلماتها ، وتألفت به القلوب بعد شتاتها ، فأقام به الملة العوجاء ، وأوضح به المحجة البيضاء ، ورفع الله الآصار والأغلال ، وجعل رسالته عامة للإنس والجان : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا
أرسله الله على حين فترة من الرسل ، ودروس من الكتب ، حين حرف الكلم ، وبدلت الشرائع ، واستند كل قوم إلى أظلم آرائهم ، وحكموا على الله وبين عباد الله بمقالاتهم وأهوائهم ، فهدى الله به الخلائق ،
( الصفحة رقم: 19)
وأوضح به الطريق ، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور ، وأبصر به العمى ، وأرشد به من الغي ، وفرق به ما بين الأبرار والفجار ، وجعل الهدى والفلاح في اتباعه وموافقته ، والضلال والشقاء في معصيته ومخالفته ، رؤوف رحيم بالمؤمنين ، حريص على هداية الخلق أجمعين ، عزيز عليه عنادهم وتعنتهم : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
خلاصة دعوته : البشارة ، والنذارة ، والدعوة إلى الله ببصيرة وحكمة : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا
هو خاتم الأنبياء ، وشريعته وكتابه المهيمن على سائر
( الصفحة رقم: 20)
الشرائع والكتب الناسخ لها : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ويقول - عز وجل - : وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ
شرح الله صدره ، ووضع عنه وزره ، وجعل الذلة على من خالف أمره ، ورفع له ذكره ، فلا يذكر الله - سبحانه - إلا ذكر معه ، كفى بذلك شرفا ، وأعظم ذلك الشهادتان ، أساس الإسلام ، ومفتاح دار السلام ، عاصمة الدماء والأموال والأعراض ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فمعنى لا إله إلا الله : لا معبود بحق إلا الله سبحانه .
وأركانها : النفي والإثبات : ( لا إله ) نافيا جميع ما يعبد
( الصفحة رقم: 21)
من دون الله ، ( إلا الله ) مثبتا العبادة لله وحده لا شريك له .
وشروطها : العلم ، واليقين ، والقبول ، والانقياد ، والصدق ، والإخلاص ، والمحبة ، وزاد بعضهم شرطا ثامنا وهو : الكفر بما عبد من دون الله .
وتحقيق هذه الشهادة : ألا يعبد إلا الله ، وحقها : فعل الواجبات ، واجتناب المحرمات .
هذه جمل مختصرة في ( شهادة أن لا إله إلا الله ) ، أما تفاصيلها فلا تحتملها هذه الكلمة اليسيرة .
ولما كان البحث في حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كان من المناسب أن نورد طرفا مما تمس الحاجة إلى العلم به من ذكر نسبة ومولده ومبعثه ووفاته - صلى الله عليه وسلم - ، ثم ذكر شيء من أسمائه وخصائصه وصفاته الخلقية والخلقية ، صلوات الله وسلامه عليه .



  سابق     تالي