تصفح برقم المجلد > حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم > فصل في وفاته صلى الله عليه وسلم

( الصفحة رقم: 29 )

فصل

في وفاته صلى الله عليه وسلم

يقول الله - عز وجل - مخاطبا نبيه - صلى الله عليه وسلم - : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ويقول - سبحانه - : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ويقول - عز وجل - : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ
وقد مات - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أدى الأمانة وبلغ رسالة ربه ، وجاهد في الله حق الجهاد ، ونزل القرآن شاهدا له - صلى الله عليه وسلم - في آخر حياته ، فقد نزلت آية المائدة : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا
( الصفحة رقم: 30)
وقد نعى الله - سبحانه - إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أجله حين أنزل الله عليه سورة النصر ، ففي [ صحيح البخاري ] عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فكأن بعضهم وجد في نفسه ، فقال : لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه من حيث علمتم . فدعاه ذات يوم فأدخله معهم ، فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم ، قال : ما تقولون في قول الله تعالى : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ؟ فقال بعضهم : أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا ، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا ، فقال لي : أكذاك تقول يا ابن عباس ؟ ! فقلت : لا ، قال : فما تقول ؟ قلت : هو أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه له ، قال : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وذلك علامة أجلك ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
( الصفحة رقم: 31)
فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تقول
وقبيل وفاته - صلى الله عليه وسلم - خير بين زهرة الدنيا وما عند الله .
فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلس على المنبر فقال : " إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده ، فاختار ما عنده " . فبكى أبو بكر وقال : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، فعجبنا له ، وقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ ، يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده ، وهو يقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المخير ، وكان أبو بكر هو أعلمنا به ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر ، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر ، إلا خلة الإسلام ،
( الصفحة رقم: 32)
لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر
متفق عليه
وجاء في [ صحيح البخاري ] من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج في مرضه الذي مات فيه عاصب رأسه بخرقة فذكره بنحوه .
ولمسلم من حديث جندب : أن هذه الخطبة كانت قبل موته - صلى الله عليه وسلم - بخمس
ثم إن وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت كما يموت سائر البشر ، لها سكرات ، ثم فارقت روحه جسده ، ثم ارتخى جسده - صلى الله عليه وسلم - ؛ فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : إن من نعم الله علي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفي في بيتي ، وفي يومي ، وبين سحري
( الصفحة رقم: 33)
ونحري ، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته ، دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فرأيته ينظر إليه ، وعرفت أنه يحب السواك ، فقلت : آخذه لك ؟ فأشار برأسه : أن نعم ، فتناولته ، فاشتد عليه ، وقلت : ألينه لك ، فأشار برأسه : أن نعم ، فلينته وبين يديه ركوة أو علبة - يشك عمر - فيها ماء ، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ، يقول : " لا إله إلا الله ، إن للموت سكرات " ثم نصب يده ، فجعل يقول : " في الرفيق الأعلى " حتى قبض ومالت يده
. أخرجه البخاري
وكان يوم وفاته - صلى الله عليه وسلم - هو يوم الإثنين ، كما صح ذلك من حديثي : أنس وعائشة رضي الله عنهما ، وأخرجه البخاري في [ صحيحه ] .
( الصفحة رقم: 34)
وفي السنة الحادية عشرة من الهجرة باتفاق ، وفي شهر ربيع الأول ، قال ابن هشام في [ السيرة النبوية ] له : قالوا كلهم : وفي ربيع الأول . غير أنهم قالوا ، أو قال أكثرهم : في الثاني عشر من ربيع ، ولا يصح أن يكون توفي - صلى الله عليه وسلم - إلا في الثاني من الشهر ، أو الثالث عشر ، أو الرابع عشر ، أو الخامس عشر ؛ لإجماع المسلمين على أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة ، وهو التاسع من ذي الحجة ، فدخل ذو الحجة يوم الخميس ، فكان المحرم إما الجمعة وإما السبت ، فإن كان الجمعة فقد كان صفر إما السبت وإما الأحد ، فإن كان السبت فقد كان ربيع الأحد أو الإثنين ، وكيفما دارت الحال على هذا الحساب ، فلم يكن الثاني عشر من ربيع يوم الإثنين بوجه إلخ .
( الصفحة رقم: 35)
وكان عمره - صلى الله عليه وسلم - يوم وفاته ثلاثا وستين سنة ، كما صح ذلك عن جمع من الصحابة - رضي الله عنهم - ، كعائشة - رضي الله عنها - ، وابن عباس - رضي الله عنهما - وغيرهما .
وقد جرى له - صلى الله عليه وسلم - فيما بين مبعثه إلى أن توفاه الله - عز وجل - أحداث عظيمة جسيمة ، ومواقف نبوية كريمة ، دعا فيها إلى سبيل ربه ، وصبر وصابر ، وجاهد وهاجر ، واحتمل الأذى إلى أن كتب الله له ولصحبه ولدينه الظهور والاستعلاء والنصر ، فما مات - صلى الله عليه وسلم - إلا وقد بلغ رسالات ربه ، فهو - صلى الله عليه وسلم - قد توفي ودينه باق إلى يوم القيامة ، وهو محفوظ بحفظ الله له ، ظاهر بوعد الله بذلك ، منصور عال
( الصفحة رقم: 36)
على كل الملل والطوائف ، وأهله المحققون له هم الغالبون وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
والاعتناء بسيرته - صلى الله عليه وسلم - وما قام به من نصرة دين الله والقيام بحقه وما لحقه من أذى في سبيل ذلك ، وسيرته في جهاده لأعداء الله ، وأنواع سيرته وهديه - كل هذا من الأمور التي ينبغي لكل مسلم العناية بها ومدارستها ، إذ هي الحق المحض ، وهي سيرة من جعل الله له الكمال البشري ، سيرة سيد الخلق ، وأعظمهم ، وأكرمهم ، وأفضلهم على الإطلاق .
( الصفحة رقم: 37)
ولو ذهبنا نذكر شيئا يسيرا من بعض جوانب سيرة هذا النبي العظيم - صلى الله عليه وسلم - لاحتمل المقام أسفارا عظيمة ، ولما وفينا المقام حقه ، لكنا قصدنا بهذه الرسالة اللطيفة التنبيه على أهم المهمات في حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، مما لا بد لكل مسلم ومسلمة من معرفته وتحقيقه وتطبيقه ؛ لينجو من عذاب الله .
وقانا الله وإياكم وسائر إخواننا المسلمين موجبات سخط الله ، وجعلنا وإياكم من المتعرضين لنفحات رحمته - عز وجل - ، إنه - سبحانه - جواد كريم .



  سابق     تالي