تصفح برقم المجلد > الجامع لخطب عرفة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ > مقدمة

( الصفحة رقم: 14 )

مقدمة

الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، والحمد لله مستحق الحمد وموليه ، الحمد لله الذي أعلى معالم العلم وأعلامه ، وأظهر شعائر الشرع وأحكامه ، وبعث رسله – صلوات الله عليهم – إلى سبيل الحق والهدى داعين ، وأخلفهم علماء على سننهم ماضين ، وجعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم ، يدعون من ضل إلى الهدى ، ويصبرون على الأذى ، ويحيون بكتاب الله تعالى الموتى ، ويبصرون بنور الله أهل العمى ، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه ، وكم من ضال تائه قد هدوه ، فما أحسن أثرهم على الناس ، وما أقبح أثر الناس عليهم ، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، رفع الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات ، وجعلهم أهل خشية الله ، واستشهدهم على توحيده ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أعلم الخلق بالله ، وأخشاهم لله ، وأتقاهم له ، بعث بالدين الحنيف الخاتم ، ورفع شأن العلم ، وقَدَّمَ على العابدِ العالِمَ ، فصلوات ربي وسلامه عليه ، وعلى آله وخلفائه وسائر أصحابه ، والتابعين لهم بإحسان ، ومن سار على دربهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن نعم الله -عز وجل- علي لا تحصى – ولا أحصي ثناء عليه سبحانه – ، ومن النعم العظيمة ، والهبات الجليلة ، والمنح الكريمة ، أن هيأ لي الاتصال بسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ ، والقرب منه ، أعبُّ من معين علمه وكريم خلقه وأنهل ، وهو على كثرة الوارد مبارك لا ينضب ، فسبحان الملك الوهاب.
( الصفحة رقم: 15)
وكان من ثمرات هذا الاتصال والملازمة أن كلفني شيخي ، بل وشرفني بجمع المواد العلمية لسماحته ، من خطب ودروس وفتاوى ومحاضرات ولقاءات ، تمهيدا لنشرها ، فاستعنت بالله -عز وجل- ، وسألته –سبحانه- المدد والعون ، فوجدت من لطيف صنعه وعظيم إنعامه ما لا أحصي له شكرا ، فاللهم غفرا غفرا ، وكان اختيار سماحة شيخنا – غفر الله له ولوالديه – أن يكون البدء بإخراج خطب عرفة ، بدءا بعشر خطب منها تطبع في الجزء الأول ، ثم يتبعها ما يتممها بإذن الله عز وجل .
بدأنا العمل على إخراج هذه الخطب ، بعد أن تم جمعها وتفريغها مع جملة كبيرة من المواد العلمية لسماحة والدنا – حفظه الله – بلغت ما يربو على ثمانية آلاف صفحة ، استللت منها ( الجامع لخطب عرفة ) الذي بين يديك ، بإشارة من سماحته – وفقه الله - ، واستعنت بالله -عز وجل- في إعدادها للطباعة ، وذلك بمراجعتها وتدقيقها ، وتخريج أحاديثها وآثارها ، وقرأتها على سماحة شيخنا – حفظه الله - ، وإعادة الصياغة لبعض عباراتها ، وإقرارها من قبل سماحته – حفظه الله – ، إلى أن خرجت بهذه الحلة القشيبة – بحمد الله -عز وجل- بعد جهد استمر عاما كاملا.
وكان طريقنا في التخريج هي عزو الأحاديث إلى مصادرها ، فإن وجد الحديث في ( الصحيحين ) أو أحدهما اكتفينا به ، وإلا خرجناه من كتب السنن الأربعة و( مسند الإمام أحمد ) ، وإن لم نجده خرجناه من مصدره في باقي كتب السنن أو المعاجم وغيرها ، وربما خرجنا بعض الآثار من كتب التفسير المسندة ، كـ ( تفسير ابن جرير ) ؛ لأنه مظنتها القريبة ، وكان عزونا لأحاديث البخاري بالإشارة إلى ( فتح الباري ) ؛ لانضباطه بترقيم الأحاديث ، فيكون أيسر للقارئ ، وإذا تكرر الحديث اكتفينا بالإشارة إلى مصادره ، والإحالة إلى تخريجه كاملا عند أول ورود له
( الصفحة رقم: 16)
في الكتاب.
ومما استحسناه في هذا الكتاب أن تكون خطبة كل عام مفردة عن خطبة العام الذي يليه ، وتكون الخطبة الواحدة مسرودة بفقراتها المتنوعة ، مع ترقيم ما يحتاج إلى عزو ، أو تعليق ، بأرقام مسلسلة ، وتكون الهوامش في آخر كل خطبة ، ولا يخفى على فطنة القارئ الكريم أن هذه الطريقة أدعى لاستيعاب الخطبة بكامل فقراتها وتسلسل أفكارها ومحتوياتها ، إضافة إلى أن الفاصل بين الخطبة والهوامش يسير ، يسهل الرجوع إليه لمن أراده .
هذا ، وإن مما يذكر فيشكر ما قام به الأخوان الفاضلان الشيخ عبد النافع زلال بن عبد الحي بن عبد الوهاب ، وهو من طلاب سماحة شيخنا - حفظه الله - المميزين بالخلق الجم ، والعقلية الناضجة ، الذي كان خير معين لي في مراحل كثيرة من هذا العمل ، فجزاه الله خير الجزاء ، وفضيلة الشيخ محمد بن ناصر القحطاني ، الباحث الشرعي بالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء ، الذي لم يأل جهدا ولا نصحا ، وقد عمل معنا في مراجعة هذا الكتاب ، فجزاه الله عنا خير الجزاء ، ولما كان الحديث عن عرفة ، فإني أرى لزاما علي أن أشيد بالجهود العظمية والجبارة من قبل حكومة هذه البلاد المباركة ، المملكة العربية السعودية ، التي بذلت الغالي والنفيس ، جهدا ، ومالا ، ووقتا ، وخبرة ، وكل ما يمكن للتسهيل على ضيوف الرحمن ، من تهيئة للمشاعر على اختلافها ، وعناية بالشعائر على تنوعها ، وما أن ينقضي الموسم إلا وتجد العمل على قدم وساق لاستقبال الموسم المقبل بتدارك ما سبق وإنجازات جديدة لا تكاد تخطئها عين المنصف ، مما كان له أثر كبير بفضل الله -عز وجل- على تيسير أداء هذه الفريضة العظيمة ، التي كانت وعلى مر التاريخ من أعظم
( الصفحة رقم: 17)
فرائض الإسلام مشقة وعناء ، بل وكان كثير من المسلمين من علماء كبار وغيرهم لا يستطيع أداءها للمشقة ، وبعد الشقة ، وخوف الطريق ، وما يحدث أيضا في الحج بمنى أو غيرها من قتال ونحوه ، مما تجده مسطورا في كتب التواريخ ، بل وتجد فيها أعواما لم يحج فيها أحد من إقليم ، وربما أقاليم من بلاد المسلمين
والآن بحمد الله ومزيد فضله وإنعامه ، قد تيسرت السبل ، وأمن الحاج على نفسه وأهله وماله ، وهيأت له جميع الوسائل المعينة على أداء هذه الفريضة في راحة وأمن وطمأنينة ، فلله الحمد ظاهرا وباطنا ، ثم الشكر واجب علينا لهذه الدولة المباركة ، أدام الله عزها بعز الإسلام ، وأيد الله حكامها ، وجعلهم مباركين أينما كانوا ، ممتعين بالصحة والسلامة ، مسددين بالتوفيق والإعانة .
ولما كان من المروءة والوفاء نسبة الفضل لأهله ، فإني أشكر شيخي سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ - حفظه الله ورعاه ووفقه وأعانه - على ما وجدت منه ، من كريم الأخلاق ، وسعة الصدر ، وندى في كفه وعلمه ، لم يألني نصحا وتعليما وتوجيها ، وما كان من جهد لي فإن كان صوابا فمن الله -عز وجل- التوفيق له ، وسماحته - حفظه الله - هو السبب الموصل إليه ، فكان هذا الكتاب كله من صنعه - حفظه الله - والفضل بعد الله تعالى له ، فشكر الله
( الصفحة رقم: 18)
له ، وبارك في عمره ، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة ، ولا أخلاه من حمد يجدده على نعم يستجدها ، وتابع عليه أفضاله ، ورادف إليه آلاءه ، ووصل له الطارف منها بالتليد ، وأصلح له العقب والعاقبة ، وختم لنا وله ولوالدينا وسائر قراباتنا بخاتمة السعادة ، ورزقنا الحسنى وزيادة ، إنه سبحانه سميع مجيب .
ولا يفوتني - وأنا في مقام الشكر - أن أشكر الإدارة العامة لمراجعة المطبوعات الدينية بالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء ، ثم الشكر سلفا لكل من واصلنا بتنبه أو استدراك أو ملاحظة .
أسال الله العظيم أن يجعلنا ممن إذا أعطي شكر ، وإذا ابتلي صبر ، وإذا أذنب استغفر رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ، ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين ، اللهم احشرنا معهم وانظمنا في سلكهم يا كريم .

وكتبه راجيا عفو مولاه

بدر بن محمد بن إبراهيم الوهيبي

الباحث الشرعي بمكتب سماحة المفتي العام

غفر الله له ولوالديه



  سابق     تالي