تصفح برقم المجلد > حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم > فصل في ذكر طرف من طريقة محبة الصحابة رضي الله عنهم لنبي الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم واتباعهم له

( الصفحة رقم: 81 )

فصل

في ذكر طرف من طريقة محبة الصحابة رضي الله عنهم

لنبي الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم واتباعهم له

كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - من أكثر الناس نصرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأشدهم به إيمانا ، وكانت له مواقف كثيرة مشهودة ، تدل على شدة المحبة وعظيم الإيمان :
فمنها : ما جاء في [ الرياض النضرة في مناقب العشرة ] لأبي جعفر أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري :
وعن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت : كان أبو بكر خدنا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وصفيا له ، فلما بعث - صلى الله عليه وسلم - انطلق رجال من قريش على أبي بكر ، فقالوا : يا أبا بكر ، إن صاحبك هذا قد جن ، قال أبو بكر : وما شأنه ؟ قالوا : هو ذاك في المسجد يدعو إلى توحيد إله واحد ، ويزعم أنه نبي ، فقال أبو بكر : وقال ذاك ؟ قالوا : نعم ، هو ذاك في المسجد .
( الصفحة رقم: 82)
يقول : فأقبل أبو بكر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فطرق عليه الباب ، فاستخرجه ، فلما ظهر له ، قال له أبو بكر : يا أبا القاسم ، ما الذي بلغني عنك ؟ قال : " وما بلغك عني يا أبا بكر ؟ ! " قال : بلغني أنك تدعو لتوحيد الله ، وزعمك أنك رسول الله ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " نعم يا أبا بكر ، إن ربي - عز وجل - جعلني بشيرا ونذيرا ، وجعلني دعوة إبراهيم ، وأرسلني إلى الناس جميعا " . قال له أبو بكر : والله ما جربت عليك كذبا ، وإنك لخليق بالرسالة ؛ لعظم أمانتك ، وصلتك لرحمك ، وحسن فعالك ، مد يدك ، فأنا أبايعك ، فمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده ، فبايعه أبو بكر وصدقه وأقر أن ما جاء به الحق ، فوالله ما تلعثم أبو بكر حيث دعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام
اهـ .
( الصفحة رقم: 83)
وأخرج الحاكم في [ مستدركه ] من حديث عائشة - رضي الله عنها - قال : لما أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك ، فارتد ناس ممن كان آمنوا به وصدقوه ، وسعوا بذلك إلى أبي بكر - رضي الله عنه - ، فقالوا : هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس ؟ قال : أوقال ذلك ؟ ! قالوا : نعم . قال : لئن كان قال ذلك لقد صدق . قالوا : أوتصدقه إنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح ؟ ! قال : نعم ، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك ، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة . فلذلك سمي أبو بكر الصديق قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي .
وحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : لقل يوم كان
( الصفحة رقم: 84)
يأتي على النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا يأتي فيه بيت أبي بكر أحد طرفي النهار ، فلما أذن له في الخروج إلى المدينة لم يرعنا إلا وقد أتانا ظهرا ، فخبر به أبو بكر ، فقال : ما جاءنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الساعة إلا لأمر حديث ، فلما دخل عليه ، قال لأبي بكر : " أخرج من عندك " قال : يا رسول الله ، إنما هي ابنتاي - يعني عائشة وأسماء - قال : أُشْعِرْتُ أنه قد أُذِنَ لي في الخروج ، قال : الصحبة يا رسول الله ، قال : " الصحبة " . قال : يا رسول الله ، إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج ، فخذ إحداهما ، قال : أخذتها بالثمن
وفي بعض الروايات : قالت عائشة - رضي الله عنها - : " فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ "
( الصفحة رقم: 85)
وهي في [ مسند إسحاق بن راهويه ] بزيادة : ( لقد رأيت أبا بكر يبكي من الفرح ) بعد قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : نعم ، الصحبة
وأثناء الهجرة وفي الطريق جلس النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر - رضي الله عنه - في غار ثور ، وقريش قد أرسلت الطلب ليحضروهم ، وجعلت الجوائز لمن يأتي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبينما هم في الغار ، وإذ بالطلب حولهم ، حتى إن أحدهم لو نظر أسفل منه لرآهم ، فقال أبو بكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - : والله لو رأى أحدهم موضع قدميه لأبصرنا ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ما ظنك باثنين الله ثالثهما .
وفي ذلك أنزل الله قرآنا يتلى إلى يوم القيامة ، يقول الله - سبحانه - : إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
( الصفحة رقم: 86)
ومنها : حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن الله - سبحانه - خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عند الله " فبكى أبو بكر - رضي الله عنه - ، فقلت في نفسي : ما يبكي هذا الشيخ ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو العبد ، وكان أبو بكر أعلمنا ، قال : " يا أبا بكر ، لا تبك ، إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ، لا يبقين في المسجد باب إلا
( الصفحة رقم: 87)
سد ، إلا باب أبي بكر
وأخرج البيهقي في كتابه [ الاعتقاد ] بسنده : أن أبا هريرة قال : والذي لا إله إلا هو ، لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله ، ثم قال : الثانية ، ثم الثالثة ، ثم قيل له : مه ، يا أبا هريرة ؟ فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام ، فلما نزل بذي خشب قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وارتدت العرب حول المدينة ، واجتمع إليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : يا أبا بكر ، رد هؤلاء ، توجه هؤلاء إلى الروم ، وقد ارتدت العرب حول المدينة ، فقال : والذي لا إله إلا هو ، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رددت جيشا وجهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا حللت لواء عقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فوجه أسامة ، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا : لولا أن
( الصفحة رقم: 88)
لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم ، فلقوا الروم فهزموهم ، وقتلوهم ، ورجعوا سالمين ، فثبتوا على الإسلام
ومن ذلك حديث رفاعة بن رافع - رضي الله عنه - قال : قام أبو بكر الصديق على المنبر ، ثم بكى ، فقال : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الأول على المنبر ، ثم بكى ، فقال : اسألوا الله العفو والعافية ، فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية . أخرجه الترمذي ، وقال : هذا حديث غريب من هذا الوجه عن أبي بكر رضي الله عنه
ومن المواقف : ما جاء في حديث أنس بن مالك - رضي
( الصفحة رقم: 89)
الله عنه - قال : ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه : الفضيخ ، فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا ، إذ جاء رجل ، فقال : وهل بلغكم الخبر ؟ فقالوا : وما ذاك ؟ قال : حرمت الخمر ، قالوا : أهرق هذه القلال يا أنس ، قال : فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل
وفي حديث أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم خيبر : لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله ، يفتح الله على يديه " . قال عمر بن الخطاب : ما أحببت الإمارة إلا يومئذ ، قال : فتساورت لها ، رجاء أن أدعى لها ، قال : فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب ، فأعطاه إياها ، وقال : امش ولا تلفت حتى يفتح الله عليك ، قال : فسار علي شيئا ثم وقف ، ولم يلتفت ، فصرخ ، يا رسول الله
( الصفحة رقم: 90)
على ماذا أقاتل الناس ؟ قال : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله
أخرجه بهذا اللفظ مسلم ، وأصله في البخاري .
وفي حديث خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه في حديث طويل ، وفيه : أن عروة بن مسعود الثقفي - رضي الله عنه - وكان إذ ذاك مشركا - لما رجع إلى قريش قال لهم : أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدا ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا
( الصفحة رقم: 91)
أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له
. . . الحديث ، أخرجه البخاري في صحيحه
هذه بعض الصور الجليلة الدالة على عظيم محبة الصحابة - رضي الله عنهم - للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وحرصهم على اتباع أوامره والتسليم له .
ووراء هذه المواقف المذكورة - مما طوينا ذكره طلبا للاختصار - مواقف أخرى عظيمة ، قد حفلت بها دواوين السنة ، وازدانت بها كتب التواريخ والسيرة ، وهؤلاء هم السلف الصالح الذي يجب علينا اتباعهم ، واقتفاء آثارهم في معرفتهم لحق النبي - صلى الله عليه وسلم - وعملهم بسنته .



  سابق     تالي