تصفح برقم المجلد > الجامع لخطب عرفة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ > خطبة عام 1402 الهجري

( الصفحة رقم: 19 )

خطبة عام 1402 الهجري

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، فمن يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أما بعد:
يا أيها الناس ، أيها المسلمون ، اتقوا الله تعالى حق التقوى ، اتقوا ربكم فهو أهل أن يتقى ، وأهل أن يغفر ، اتقوه تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه ، اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية بامتثال ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه ، اتقوه يا عباد الله تقوى عبد يعلم أن الله مطلع على سره وعلانيته ، عالم بكل أحواله ، اتقوه سبحانه ، فبتقواه تنالون عز الدنيا وسعادة الآخرة ، اتقوا ربكم يا عباد الله في كل أحوالكم تقوى من يعلم أنه موقوف بين يدي الله وأن الله محص عليه جميع أعماله ، اتقوه تعالى وراقبوا أمره واجتنبوا نهيه .
إن التقوى يا عباد الله وصية أوصى بها الأولين والآخرين وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ، التقوى يا عباد الله بها تنال ولاية الله ، فإن ولاية الله لا ينالها إلا المتقون أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ
( الصفحة رقم: 20)
وبالتقوى يا عباد الله تتحقق المودة الثابتة التي لا تنفصم عراها الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ
[ الحكمة من خلق الجن والإنس هي عبادة الله وحده لا شريك له ]
عباد الله ، خلق الله الخلق لحكمة عظيمة ليعبدوه وحده لا شريك له وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ، أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين ليردوا العباد إلى فطرة الله التي فطرهم عليها ، بعد ما انحرف العباد عن فطرة الله ، فالله -عز وجل- قد فطر الخلق على عبادته فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، فلما انحرف العباد عن هذه الفطرة أرسل الله الرسل ليردوا العباد إلى فطرة الله السليمة .
ذلكم يا عباد الله أن الخلق كانوا من لدن آدم -عليه السلام- إلى نوح يعبدون الله لا يشركون به شيئا ، باقون على الفطرة التي فطرهم الله عليها ، فلما انحرفوا عن فطرة الله وعبدوا غير الله وأشركوا مع الله غيره ، بعث الله نوحا -عليه السلام- يدعو قومه إلى أن يعبدوا الله ولا يعبدوا معه غيره ، قائلا لهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ، فكذبه قومه ولم يستجب له إلا القليل ، فأغرق الله من كذبه ونجى نوحا وأتباعه .
ثم تتابعت الرسل رسولا بعد رسول ، ليقيموا الحجة على العباد ، ولتنقطع معذرة العباد رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ .
( الصفحة رقم: 21)
[ جميع الرسل دعوا إلى إفراد الله بالعبادة ، وترك عبادة ما سواه ]
وإن دعوة جميع الرسل دعوة واحدة إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه ، هذه طريقة أنبياء الله ورسله من لدن نوح إلى سيدهم وأعظمهم وأكملهم وأفضلهم محمد -صلى الله عليه وسلم- وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ
وهكذا دعوة الرسل جميعا إلى هذا الأصل العظيم ، إلى إفراد الله بالعبادة ، وأن لا يكون مع الله في عبادته غيره .
وانتهت الرسالة إلى سيد الأولين والآخرين محمد -صلى الله عليه وسلم- ، فإن الله تعالى بعث محمدا -صلى الله عليه وسلم- بالهدي ودين الحق ، بعثه بما بعث به إخوانه الأنبياء والمرسلين ، بعثه ليدعو الخلق إلى عبادة الله ويحذرهم من الإشراك بالله ، بعثه الله وجعل رسالته شاملة عامة لكل الخلق عربهم وعجمهم ، إنسهم وجنهم ، افترض على العباد جميعا طاعته واتباع شريعته والانقياد لها ، بعثه الله على حين فترة من الرسل واندراس من العلم والهدى ، بعثه وقد طبق الأرض جهل عظيم ، وفساد كبير ، اختفت أعلام الملة الحنيفية ، وانحرف الناس عن فطرة الله ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم ، إلا بقايا من أهل الكتاب ... بعثه رب العالمين رحمة للعالمين ، ليستنقذهم به مما أصابهم من الضلال والفساد ، فكان الناس أحوج ما يكونون إليه صلوات الله وسلامه عليه .
بعثه الله برسالة شاملة إلى كل الخلق ، واختار لمبعثه أم القرى مكة ،
( الصفحة رقم: 22)
شرفها الله وزادها تشريفا وتعظيما ؛ استجابة لدعاء الخليل -عليه السلام- : رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
فمكة – شرفها الله – خير أرض الله ، ومختار الله من أرضه ، كما أنه -صلى الله عليه وسلم- خير خلق الله على الإطلاق ، صلوات الله وسلامه عليه أبدا دائما إلى يوم الدين .
[ أرسل الله محمدا -صلى الله عليه وسلم- بالتوحيد الخالص بعدما أطبق الأرض الجهل والضلال وعبادة الأوثان ]
بدأ -صلى الله عليه وسلم- قومه العرب بدعوته ، وكان العرب آنذاك قد انحرفوا عن فطرة الله ، كانوا متباهين في ضلالاتهم ، متفرقين في عباداتهم ، يعبدون آلهة متعددة ، لكل فئة منهم إله يعبدونه من دون الله ، ويعظمونه من دون الله ، منهم من يعبد المسيح ، ومنهم من يعبد عزيرا ، ومنهم من يعبد الملائكة ، ومنهم من يعبد الشمس والقمر ، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار ، فدعا القوم جميعا إلى توحيد الله ، دعاهم إلى إخلاص الدين لله ، دعاهم إلى أن يتوجهوا بقلوبهم إلى ربهم وفاطرهم ليعبدوه وحده لا يشركون به شيئا .
وكان العرب كغيرهم من مشركي الأمم يزعمون أن تلك المعبودات التي يعبدونها من دون الله تقربهم إلى الله زلفى ، وأنها تشفع لهم عند الله ، وأنها ترفع إلى الله حاجاتهم وطلباتهم ، ما كانوا يعتقدون فيها أنها تخلق وترزق وتدبر أمر الكون ، فذاك متفق عليه بين أهل الأرض كلهم أنه من خصائص الله ، لكن شركهم أنهم اتخذوا بينهم وبين الله وسائط يزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى ، وأنها تشفع لهم عند الله ، فصرفوا لها العبادة من دون الله ، عظموها بقلوبهم ، تألهتها قلوبهم خوفا وحبا ورجاء ، صرفوا لها أنواع العبادة التي هي حق لله ولا حق لأحد
( الصفحة رقم: 23)
فيها سوى الله ، فجرد -صلى الله عليه وسلم- نفسه ، وقام بكل مستطاعه ليخلص العرب من الجهالات ، ويرتقي بهم إلى الحرية ، حرية العبودية لله ، ويستأصل منهم تلك الخرافات والضلالات ، فدعاهم إلى كلمة واحدة ، إلى أن يقولوا : لا إله إلا الله ، إلى أن يقولوا هذه الكلمة ، تنطق بها ألسنتهم ، وتعمل بمقتضاها جوارحهم ، وتعتقد معناها قلوبهم ، وهو أن الله وحده هو المعبود لا أحدا سواه ، وأن العبادة حق لله لا حق لأحد فيها أبدا ، لا نبيا ولا غيره ، فلما عرف القوم مدلول هذه الكلمة وأن مدلولها إفراد الله بالعبادة ، وأن لا يكون مع الله شريك في أي نوع من أنواع العبادة – أبوا أن ينطقوا بها قائلين أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ
عرف القوم مدلول هذه الكلمة ومقتضاها وما دلت عليه ، وأنها تدعو إلى إفراد الله بالعبادة ، وأن يكون الله وحده هو المعبود الذي يخاف ويرجى ويتقرب إليه ، ولا يكون لغيره شركة في ذلك ، فاستكبروا عن قولها كما حكى الله عنهم : إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ
[ دعا محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى تحقيق التوحيد قبل كل شيء ]
إن محمدا -صلى الله عليه وسلم- لم يدع ابتداء إلى الصلاة ولا إلى الزكاة ولا إلى الحج ولا إلى غيره ، وإنما جعل أول أمره اهتمامه بتحقيق التوحيد ، بتحقيق لا إله إلا الله ، بإرسالها في النفوس ، باستئصال الشرك وعبادة غير الله ، فاهتم بهذا الأمر العظيم غاية الاهتمام؛ لأن هذا الأصل بتحقيقه وتصفيته وتنقيحه تستنير القلوب ، وتستضيء بوحي الله ، وتنقاد الجوارح لأوامر الله ، أما إذا كان القلب
( الصفحة رقم: 24)
منصرفا لغير الله ، آلها غير الله ، راجيا غير الله ، فإنه لن ينقاد للخير أبدا.
أقام الله -عز وجل- الأدلة الواضحة والبراهين الصادقة على فساد الشرك وضلال المشركين وفساد معبوداتهم من دون الله ، فبين لهم تعالى وتقدس أن كل عابد لغير الله فإنه في ضلال مبين وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وأن هؤلاء المدعوين غافلون عن دعاء من دعاهم ، وأنهم يوم القيامة سيتبرءون من كل من عبدهم من دون الله ويكفرون بعبادتهم ، وأخبر تعالى أن هذه المعبودات لا تملك شيئا في الكون ، وليسوا أعوانا لله ولا شركاء لله ، وأن الشفاعة التي يظنها المشركون أنها في يد من عبدوه وعظموه من دون الله أن ذلك ضلال مبين ، فإن الشفاعة ملك لله ، الله الذي يأذن للشافع بعدما يرضى -تعالى وتقدس- عن المشفوع له وهو لا يرضى إلا عمن وحده وعبده ولم يجعل مع الله شريكا في عبادته.
إن محمدا -صلى الله عليه وسلم- مكث عشر سنين بعد البعثة مكرسا وباذلا قصارى جهده في تحقيق التوحيد وحماية هذا الأصل العظيم ، وتثبيته في النفوس وإزالة الشرك والوثنية ، ولم تفرض عليه الصلوات الخمس إلا قبل هجرته بسنتين ، وهاجر إلى المدينة بعد ذلك ففرضت بقية الفرائض ، وشرعت الحدود ، وما زال -صلى الله عليه وسلم- يحمي هذا التوحيد ويهتم بشأنه ، ويدحض الشرك ، ويزيل كل شبه المشبهين ، ويحقق التوحيد حتى طهر الله به جزيرة العرب من كل الأوثان ، وعاد إلى مكة فاتحا منتصرا ، وأزال كل ما بها من شرك ووثنية ، وأعادها
( الصفحة رقم: 25)
إلى حظيرة الإسلام ، صلوات الله وسلامه عليه.
[ على الدعاة الاهتمام بأمر التوحيد وجعله هو الغاية من دعوتهم ، وأن يكرسوا جهودهم في سبيل تحقيقه ]
دعاة الإسلام ، إن الواجب عليكم أن تجعلوا أمر التوحيد غاية همكم وأعظم مرادكم ، كرسوا جهودكم لذلك ، اهتموا بهذا الأصل العظيم ، ادعوا عباد الله إلى عبادة الله ، خلصوا المسلمين من آثار الوثنية ، خلصوهم من الجهالات والضلالات ، عرفوهم بأعظم حق أوجبه الله عليهم ، ألا وهو عبادة الله وحده لا شريك له ، اجعلوا ذلك غاية أمركم ، فإن أمة الإسلام دخل عليهم من الضلال والفساد ما هو معروف ، فبعض من الناس – ردنا الله وإياهم إلى صراطه المستقيم – التبس عليهم الحق بالباطل ، والهدى بالضلال ، فعبدوا غير الله ، بنوا القباب والمساجد على القبور ، طافوا بها من دون الله ، طلبوا منها كشف الكربات ، استغاثوا بأربابها من دون الله ، جعلوها إلها مع الله ، صرفوا لها حقوق الله ، عظموها في قلوبهم أعظم من تعظيم الله ، تألهت قلوبهم غير الله ، وعظموا غير الله ، ولا شك أن هذا مناف لما بعث الله تعالى به سيد الأولين والآخرين محمدا صلى الله عليه وسلم.
[ وجوب الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بجعل توحيد العبادة هو الغاية من الدعوة ]
اقتدوا يا دعاة الإسلام بنبي الهدى محمد -صلى الله عليه وسلم- ، فاجعلوا أمر توحيد العبادة غاية أمركم ، خلصوه وصفوه من كل شوائب الشرك ، وطهروه من البدع والخرافات ، لتستقيم لكم العقيدة الصحيحة الصافية.
إن محمدا -صلى الله عليه وسلم- اهتم بأمر التوحيد في أول دعوته وفي آخرها ، فنراه -صلى الله عليه وسلم- في آخر حياته ، بل وهو يلفظ آخر نفس من حياته يقول : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . لولا ذلك أبرز
( الصفحة رقم: 26)
قبره غير أنه خَشِيَ أو خُشِيَ أن يُتَّخَذَ مسجدا
علم -صلى الله عليه وسلم- أن من أعظم أسباب الشرك الغلو في الصالحين ، الغلو في الأولياء ، الغلو في الأنبياء ، حتى ينزلوهم منزلة الله ، ويصرفوا لهم حقوق الله ، ويعظموهم من دون الله ، فخاف على أمته أن يقعوا فيما وقع فيه من قبلهم ، فحذرهم من وسائل الشرك وذرائعه وحمى حمى التوحيد ، فقال -صلى الله عليه وسلم- : لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبده ، فقولوا : عبد الله ورسوله
[ حذر -صلى الله عليه وسلم- أمته من الغلو فيه وتعظيمه من دون الله ]
حذر -صلى الله عليه وسلم- أمته من أن يغلوا فيه ويعظموه من دون الله ، إنما بعث ليدعو الخلق إلى عبادة الله ، ما بعث ليعبد من دون الله ، ولا ليعظم من دون الله ، ولا يؤله من دون الله مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، فنبينا -صلى الله عليه وسلم- بعث ليعرف العباد كيف يعبدون الله ، لم يبعث ليعظم ويعبد من دون الله ، ولهذا يقول -صلى الله عليه وسلم- في دعائه : اللهم لا تجعل قبري وثنا ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
أمة الإسلام ، إن محمدا -صلى الله عليه وسلم- جاهد في الله حق جهاده ، ودعا إلى الله ليلا ونهارا سرا وجهرا بمكة والمدينة ، حتى إذا أكمل الله به
( الصفحة رقم: 27)
الدين ، وأتم به النعمة ، ودخل الناس في دين الله أفواجا ، وانقادت كل الجزيرة إلى شرع الله ودينه ، وطهرت من كل الوثنية ، اختاره الله إلى جواره بعدما أدى الأمانة ، وبلغ الرسالة ، وجاهد في الله حق جهاده ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين.
[ قام أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بعده بحمل أمانة الدعوة إلى التوحيد ، وإنقاذ الناس من ظلمات الجهل والضلال ]
قام أصحابه -صلى الله عليه وسلم- بعده فحملوا تلكم الأمانة العظمى ، خرجوا من جزيرة العرب بهذا الدين القيم ليهدوا البشرية ، ويخلصوها من ظلمات الجهل والضلال ، وينيروا القلوب ، ويفتحوا البصائر ، خرجوا بهذا الدين ، لم يخرجوا ليستعبدوا الخلق ، ولا لينهبوا خيراتهم ، وإنما خرجوا لينيروا القلوب والبلاد ، ليخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ليخلصوهم من الظلم والجور ، إلى العدل والهدى والإحسان ، خرجوا بدين الله كما تلقوه عن الله بواسطة محمد -صلى الله عليه وسلم- ، خرجوا بهذا الدين الناصع بغير غلو ولا جفاء ، من غير إفراط ولا تفريط ، عرضوا محاسن هذا الدين وعرضوا فضائله ، وكانوا أسبق الناس للعمل بمقتضاه وما دل عليه ، خرجوا بهذا الدين وقالوا لكل من واجههم : نحن كنا أمة نعبد الأصنام ، وكنا في غاية الذل والضعف ، وفي غاية الهوان حتى أنقذنا الله بهذا الإسلام ، فنريد أن نحرركم ، ونريد أن نهديكم كما هدانا الله ، ونريد أن نرفع شأنكم كما رفعنا الله بهذا الدين ، خرجوا بهذا الدين بتعاليمه السامية ، ومبادئه القيمة ، فعند ذلك قبلته البشرية ، ومن عارض هذا الدين طلبوا منهم تسليم الجزية ، ومن قاومهم قاوموه ، حتى أوصلوا هذا الدين لعباد الله ، وحتى أناروا قلوب العباد ، وحتى هدوا البشرية ، فلما رأت الخليقة هذا الدين ومبادئه وفضائله
( الصفحة رقم: 28)
وتعاليمه السامية ، انقادوا طوعا واختيارا ، لم يفرض عليهم هذا الدين بقوة الحديد والنار ، ولا بمغريات الأموال ، ولكن تعاليم هذا الدين ومبادئه السامية وأخلاقه القيمة تدعو إليه وتنادي إليه .
[ بيان أهمية عرض هذا الدين للناس عرضا سليما خالصا بعيدا عن التشويه ]
إن دعاة الإسلام إذا عرضوا هذا الدين عرضا سليما خالصا ، فلا بد من أن تستجيب له البشرية ، وإنما وقع النقص والبلاء من قبل أن هذا الدين لم يعرض عرضا صحيحا ، بل عرض مشوها ، وعرض وقد لفقت به الشبه والضلالات ، إن دين الله دين صالح يخاطب الفطر السليمة والعقول المستقيمة ، لقد قبلته البشرية حين عرض بصورته الصحيحة ، واستضاءوا بنوره ، وأشرقت به الأرض بعد ظلماتها ، ودخل الناس في دين الله أفواجا ، وتحقق وعد الله حيث يقول : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ .
عاشت البشرية في ظل عدالة الإسلام ومبادئه القيمة ، وقادوا شعوبهم ، ونظموا دولتهم على تعاليم الإسلام ، فرأى الخلق فيه كل خير وصلاح ، وكل هدى وفلاح ، ذلك دين الله وتشريعه أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ .
[ إن الدخول في الإسلام وقبوله سبب للعز والكرامة ]
أمة الإسلام ، إن هذا الدين لما دخل الناس فيه ، حقق الله لهم كل عز وكرامة ، وكل أمن واستقرار وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ،
( الصفحة رقم: 29)
فلما انحرف المسلمون عن دين الله ، وزهدوا في هذا الدين ، وابتغوا العزة والكرامة في غيره- عند ذلك تسلط عليهم الأعداء ، وأصابهم من النقص ما أصابهم على حسب بعدهم عن دين الله ، وما زال المسلمون ينأون عن دين الله ، ويتخلون عن تعاليمه ، وتفقد أحكامه بينهم ، حتى سلط الله عليهم عدوهم جزاء وفاقا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ .
[ الحث على الرجوع إلى تعاليم هذا الدين ومبادئه السامية ، ليعود للأمة مجدها وكرامتها ]
أمة الإسلام ، هل من رجوع إلى دين الله ؟ هل من عودة إلى هذا الدين ؟ هل من رجوع صحيح إلى تعاليمه القيمة ومبادئه السامية ؛ ليعود للأمة مجدها وعزها وكرامتها؟!
هل فكر المسلمون أن يغيروا مناهج تعليمهم فيجعلوها مناهج صالحة ، حتى يتربى هذا الجيل تربية إسلامية صالحة ، مؤمنا بالله ورسوله ودينه ، محكما لشرع الله ، مقتنعا أن هذا الدين هو الدين الصالح للبشرية لا سواه ؟!
هل حاول المسلمون يوما أن يخلصوا اقتصادهم من أن يكون مرتبطا بأعداء الله ، فيجعلوه اقتصادا إسلاميا مبنيا على قواعد الشرع ، حتى تكون نظمهم
( الصفحة رقم: 30)
الاقتصادية نظما إسلامية صحيحة؟!
هل فكر المسلمون يوما أن يسخروا أجهزة إعلامهم لتكون في خدمة قضايا الإسلام ، حتى يزيلوا كل شبهة وكل ضلالة لفقت بهذا الدين ، ويعرضوا قضايا الأمة الإسلامية عرضا صحيحا ، ليكون عند المسلمين إلمام بمشاكل الشعوب الإسلامية وغيرة لله وتكاتف في دين الله ؟!
أمة الإسلام ، هل فكر المسلمون أن يكون لهم صوت يهز الأسماع ، حتى يحسب لهذه الأمة حسابها ، وحتى تكون أمة تنافس قوى الكفر والضلال ؟! فإن الله تعالى جعل في هذه الأمة مقومات الوحدة والاتفاق ، لأن هذا الدين هو الذي يجمع القلوب إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ، لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ .
[ بيان أن أعداء الإسلام يسعون دائما في تفكيك الأمة ، والقضاء على وحدتها ]
أمة الإسلام ، إن أعداء الإسلام يسعون دائما في أن يجعلوا هذه الأمة أمة متفككة ، أمة مختلفة ، أمة متناحرة ، أمة متعادية ؛ لأنهم يرون أن اتحاد الأمة واجتماع كلمتها واتفاقها قوة لا تغلب وقوة لا تهزم ، فإن خلافات الأمة أمر مقصود لأعداء الإسلام ، فالاجتماع يوحي بالقوة والعزة والكرامة.
فيا أمة الإسلام ، اجتمعوا على دين الله ، ويا قادة المسلمين ، شعوبكم أمانة في أعناقكم ، احفظوهم بالإسلام ، احفظوا لهم هذا الدين ، وحكموا فيهم شرع الله ؛ حتى ترتاحوا ، وحتى تعيشوا أمنا وطمأنينة واستقرارا ، وحتى تكون حياتكم حياة
( الصفحة رقم: 31)
سعيدة ؛ فإن الحياة السعيدة إنما هي في الإيمان بالله ورسوله مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً .
[ ما أنعم الله به على هذه البلاد المباركة من نعمة الأمن والاستقرار ، إنما ذلك بفضل تحكيم الشريعة ]
أمة الإسلام ، حجاج بيت الله الحرام ، أنتم في هذه البلاد المقدسة تشاهدون ما أنعم الله به على هذه البلاد العزيزة من نعمة الأمن والاستقرار ، وإن هذه البلاد – ولله الفضل والمنة – تعيش في أمن واستقرار عديم النظير ، فأهلها آمنون مستقرون يعيشون نعمة الأمن العظيم التي منحهم الله إياه ، وذلك بفضل تحييكم شرع الله ، وتنفيذ حدوده ، وإقامة شريعة الله ، وتحكيم هذا الشرع في أرجاء البلاد ، فصارت هذه البلاد مضرب المثل في الأمن والاستقرار ، فإن نعمة الأمن نعمة عظيمة ، ليس بعد نعمة الإسلام نعمة أفضل منها .
[ بلاد الحرمين تفتخر بخدمة الحجاج وتسعى في توفير كل ما فيه راحتهم ]
لقد حبا الله هذه البلاد بهذه النعمة العظيمة نعمة الأمن والاستقرار ، وغدا الحجاج إلى هذه البلاد من أقطار الدنيا وهم يعيشون أياما سعيدة في أمن وراحة واستقرار ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ، وإنما حصل هذا الأمن بتحكيم شرع الله وتنفيذ حدوده والتزام الشرع المستقيم ، فهذا الأمن تحقق لنا بهذه النعمة العظيمة ، فليقتد المسلمون بهذه البلاد ؛ فإن هذه البلاد جربوا هذا الشرع وحكموه مقتنعين به ، فصارت آثاره عليهم واضحة جليلة ، فالحمد لله رب العالمين.
أمة الإسلام ، إن هذه البلاد العزيزة وهي تستقبل كل عام وفود الحجيج من أقطار الدنيا لتفتخر بذلك أن جعلها الله خادمة لهذا البلد الأمين وحامية لهذا البلد الأمين ، فحكومة هذه البلاد تفضل الله عليهم ، فجعلهم خداما لهذا
( الصفحة رقم: 32)
البلد الأمين يبذلون كل غال ونفيس في سبيل راحة الحجاج وأمنهم واستقرارهم ، يضحون بكل أوقاتهم ، يبتغون بذلك وجه الله ، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا ، وإنه لفعل عظيم وخلق كريم ، فينبغي لأمة الإسلام أن يعرفوا لهذه البلاد قدرها ومكانتها ، ويسأل الجميع رب العالمين أن يديم على قادتها نعمة الإسلام والاستقرار ، وأن يجعلهم دعاة مصلحين ، وهداة مهتدين ، وأن يوفقهم للتمسك بشرع الله ويرزقهم الاستقامة والثبات.
إن هذه البلاد وهي تهتم دائما بقضايا المسلمين وتحرص كل الحرص على جمع كلمة المسلمين ، وتأليف قلوبهم ، ورأب الصدع فيما بينهم ، وتتطلع دائما إلى أن يكون المسلمون أمة واحدة متمسكين بهذا الدين ، يسعون جهدهم ليجمعوا كلمة الأمة ، ويوحدوا شملها ، ويزيلوا كل شقاق وخلاف حصل بينها ، ذلك أنهم مقتنعون بأن هذا واجب عليهم ، وهم يرونها نعمة عظيمة أن يسعوا دائما في لم شمل الأمة وتوحيد كلمتها ، انطلاقا من قول الله تعالى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .
[ حفظ الله هذا الدين ، وهيأ لذلك رجالا مخلصين على مر التاريخ ]
أمة الإسلام ، إن أعداء الإسلام كادوا لهذا الدين المكائد ، وسعوا في إفساد هذا الدين ، وسعوا في إطفاء نور الله ، وسعوا في القضاء على هذا الدين بكل مستطاع ، ولكن الله تعالى تكفل بحفظ هذا الدين إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ .
انظروا عباد الله بعد موت محمد -صلى الله عليه وسلم- كاد الإسلام أن يذهب ، وكادت العرب أن تنحرف عن الإسلام ، وارتد كثير منهم عن دين الله ،
( الصفحة رقم: 33)
وانحرفوا عن شرع الله ، فقام الصديق -رضي الله عنه- لما ثبت الله قلبه وقوى إيمانه حتى أرجع الناس إلى ما خرجوا منه ، وأعادهم إلى ملة الإسلام ، وهكذا كل بدعة وضلالة تنشأ فإن الله يهيئ لها من هذه الأمة من علمائها من يزيلها ويدحضها ويبين فسادها وضلالها ، فما خلا قوم ولا إقليم من أقاليم الأمة الإسلامية إلا وفيها دعاة مخلصون يناضلون عن هذا الدين ، ويزيلون كل الشبه التي علقت بهذا الدين ، ويدحضون كل باطل .
[ من الدعاة من يوفق لقبول دعوته ويهيأ له من يحمي دعوته ، ومنهم من لا يتهيأ له ذلك ]
ولكن الدعاة إلى الله منهم من يوفق ويطرح القبول بدعوته ، ويهيأ له من الأنصار والأعوان من يحمون دعوته ويزودون عن كيانها ، ومنهم من لا يتهيأ له ذلك ، ولهم في أنبياء الله -عليهم السلام- خير أسوة ؛ فإن من أنبياء الله من يلقى الله وحده لم يستجيب له من قومه أحد ، وهكذا علماء هذه الأمة والدعاة إلى الله ، منهم من يهيأ له أنصار يحمون دعوته ويزودون عنها ، ويثبتون أقدامها ، ومنهم من ليس كذلك .
لكن الله تعالى ضمن لهذه الأمة ألا تجتمع على ضلالة ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك
[ من الدعاة الذين دعوا إلى الكتاب والسنة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ]
ومن أولئك الدعاة الذين دعوا إلى الله دعوا إلى كتاب الله ، ودعوا إلى سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، دعوا إلى تحكيم الكتاب والسنة لا غير . شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -غفر الله له- فإن في منتصف القرن الثاني عشر خرج هذا الرجل بعدما بصره الله وهداه وأراه الحق من الباطل وهداه إلى طريق الله المستقيم – خرج في هذه الجزيرة ؛ غيرةً على أبنائها ، ورحمةً بهم ، بعدما
( الصفحة رقم: 34)
وقع فيها من الشرك والجهل مثل ما عم كثيرا من دول الإسلام ، فدعا إلى الله إلى توحيد الله وعبادته ، وكادت دعوته ألا تتم ، وكاد أن ييأس ، ولكن الله هيأ من نصر هذه الدعوة وحمى حماها وذاد عنها بكل جهده ، ذلك لما اتفق هو والإمام محمد بن سعود -رحمهم الله- على الدعوة إلى الله ، وتخليص الأمة الإسلامية من أدران الشرك العظيم ، والعودة بهم إلى الدين المستقيم ، فكان سلطان العلم وسلطان القوة متواكبين جميعا ، هذا بعلمه وبيانه ، وذا بقوته وسلطانه ، فحمى هذه الدعوة حتى مكن الله لها في الأرض ، إن هذه الدعوة المباركة لم تكن بدعا من القول ، لكنها ولله الحمد على منهج كتاب الله ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
[ الافتراءات الباطلة على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ]
لقد شوهت هذه الدعوة ولفق بها من التهم ما الله أعلم ببراءتها منه ، قيل عنها : إنها مذهب خامس ، وقيل عنها: إنها مذهب الخوارج ، قيل عنها: إنهم يكفرون الناس ، قيل عنهم: إنهم يعادون الأولياء ، قيل عنهم : إنهم يبغضون الرسول ، قيل وقيل ، ولكن من تأملها ونظر فيها ببصيرة ، رآها حقا لا شك فيه ، وهدى لا ضلال فيه ، ورآها -ولله الحمد- امتدادا لدعوة محمد -صلى الله عليه وسلم- ، هيأ الله لها من نصرها وحماها ، فلم يستطع أي مغرض أن يتعرض لها بسوء ؛ لأن الله جعل لها أنصارا اقتنعوا بها ، وعلموا أنها الحق الذي لا شك فيه ، فقامت هذه الدولة -ولله الحمد- على أساس ثابت وقاعدة ثابتة ، على هذا الدين ، ولم يزل قادتها الواحد تلو الآخر يحافظون على هذه الشريعة ، ويحمون هذه الدعوة الصالحة ، ويذودون عنها ، ويحاولون بكل جهد أن يبصروا الأمة في دين الله ، ويخلصوها من الشبه والضلالات.
( الصفحة رقم: 35)
[ فرضية الحج في الإسلام وأنه الركن الخامس من أركانه ]
حجاج بيت الله الحرام ، إن الله تعالى افترض الحج ، وجعله خامس أركان الإسلام ، قال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ، جعل الله الحج فريضة العمر ، من أداه في عمره مرة ، فقد خرج من التبعة؛ ولهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال : أيها الناس ، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " فقال رجل: أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " لو قلت: نعم ، لو جبت ، ولما استطعتم " ، ثم قال: " ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه فلم يجعل الله الحج في العمر إلا مرة ، من أداه فقد أدى الواجب ، وما زاد على ذلك فهو تطوع ، أما الواجب فهو مرة واحدة في العمر ، رحمة من الله وفضل وإحسان .
[العبر والعظات في شعيرة الحج ووجوب الإخلاص فيه]
أمة الإسلام ، في مناسك الحج عبر وعظات ، ينبغي أن نأخذ من هذه المناسك العظات والعبر ، فإن التقاء المسلمين واجتماعهم في صعيد واحد ، غاية واحدة ، لرب واحد يعبدون ، وبكتابه يأتمون ، ولرسول واحد يتبعون ، شعارهم واحد ، هدفهم واحد ، هيئتهم واحدة ، حقا إنها تمثل أخوة الإسلام في أسمى وأرفع معانيها .
أمة الإسلام ، إن الحج يجب أن يكون خالصا لله ، يجب على الحاج أن يكون هدفه عبادة الله وحده لا شريك له ، وأن يجرد هذا الحج من كل أمر
( الصفحة رقم: 36)
يخالف شرع الله ، لقد كان أهل الجاهلية قبل الإسلام يتخذون من مواقف الحج منابر للفخر بالأحساب والأنساب وطعن بعضهم في بعض ، ويتخذونها مفخرة لأحسابهم وأنسابهم ، وتقديس شخصياتهم ، فأنزل الله فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ، أي: لا تجعلوا الحج إلا لله ، لا تجعلوا فيه ذكرا للأسلاف والآباء ، وإنما أخلصوا الحج لله ، فهو عبادة لله ، لا يليق أن يشوه هذا الحج ، وأن يجعل فيه ما ليس منه.
أمة الإسلام ، فرض الله الحج على أمة الإسلام ، فحج نبيكم -صلى الله عليه وسلم- حجة واحدة في العام العاشر من هجرته ، هذه الحجة هي حجة الوداع التي ودع فيها الناس ، وأمرهم أن يتلقوا عنه مناسكهم قائلا لهم : لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا فاقتدى به الصحابة بأقواله وأعماله ، فإنه ما قال قولا ولا عمل عملا إلا قال : خذوا عني مناسككم
[ بيان صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم ]
حج حجة واحدة ، خرج إلى عرفة في مثل هذا اليوم ، فنزل بنمرة ، فلما زالت الشمس خطب بعرفة خطبة عظيمة جامعة حرم فيها الدماء والأموال ، حرم دماء المسلمين وأموالهم ، وأخبرهم أن كل مآثر الجاهلية ودماءها قد ألغاها ، فلا يطالب بها بعد الإسلام ، وأن ربا الجاهلية أبطله الإسلام وحرم الربا ، وأوصاهم بالنساء خيرا ، وبين ما لهن من الحقوق وما عليهن من الواجبات ، ثم قال لهم : وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله فأخبر أن اعتصام الأمة بكتاب الله سبب لهدايتها ، وسبب لعزها ، وسبب
( الصفحة رقم: 37)
لكرامتها ، ثم قال لهم : وأنتم مسئولون عني ، فما أنتم قائلون؟" فقالوا: نشهد أنك بلغت ونصحت وأديت ، فقال بأصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس: " اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، اللهم اشهد وإن كل مسلم ليشهد حقا لهذا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- بأنه بلغ الأمانة ، وأدى الرسالة ، ونصح الأمة ، وجاهد في الله حق جهاده ، يشهد له بكمال البلاغ ، وكمال البيان ، لا خير إلا دلنا عليه ، ولا شر إلا حذرنا منه ، تركنا على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك ، ما من سبيل يقربنا إلى الله إلا دلنا عليه وأمرنا به ، وما من سبيل يبعد عن الله إلا حذرنا منه.
صلى الظهر والعصر في هذا اليوم جمعا وقصرا ، ثم وقف بعرفة حتى غربت الشمس عليه ، ثم انصرف إلى مزدلفة وصلى بها المغرب والعشاء جمع تأخير مع القصر ، وبات بها ، ثم صلى بها الفجر ، ثم وقف عند المشعر الحرام ، ثم دفع إلى منى .
[ تحذير المفتين في المناسك من الإفتاء بما يخالف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ]
معشر المفتين ، أيها المفتون في المناسك ، إن الكثير من المفتين يغلطون في أمر المناسك ، وربما أفتى بعضهم بفتيا مخالفة لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فاتقوا الله أيها المفتون فيما تفتون به ، وتحروا الصواب ، تحروا سنة رسول الله ، وأفتوا الناس بمقتضاها ، ولا تضلوا الناس عن سواء السبيل.
إن الوقوف بعرفة حتى تغرب الشمس واجب ، هذا هدي نبيكم -صلى الله عليه وسلم- ، لم يزل واقفا حتى غربت الشمس ، فلما غربت وغاب القرص
( الصفحة رقم: 38)
وذهبت الصفرة ، انصرف من عرفات إلى مزدلفة ، وبقي بمزدلفة حتى صلى بها الفجر ، وأَذِنَ للضعفة بالدفع بعد نصف الليل ، وأما هو فبقي بها حتى صلى الفجر ، وذكر الله عند المشعر الحرام
[ فضل يوم عرفة ]
أمة الإسلام ، يوم عرفة من أفضل أيام الله ، هذا اليوم من أفضل أيام الله ، يوم عظيم مبارك ، وموسم كريم ، يوم يستجاب فيه الدعوات ، وتقال فيه العثرات ، يوم يباهي الله بأهل الأرض أهل السماء ، قال -صلى الله عليه وسلم- : إذا كان يوم عرفة إن الله ينزل إلى السماء فيباهي بهم الملائكة فيقول: " انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق ، أشهدكم أني قد غفرت لهم
يا معشر المسلمين تعرضوا لنفحات ربكم ، أخلصوا لله أعمالكم ، وحِّدوا الله وأطيعوه ، تضرعوا بين يدي ربكم ، واسألوه من فضله وكرمه ، فهو الكريم الجواد ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة ، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة ، وتجاوز الله عن الذنوب العظام
[ بيان غلط بعض المسلمين في زعمهم أن الحج يسقط جميع الواجبات عن المسلم ]
أيها المسلمون ، يغلط البعض من المسلمين فيظن أنه إذا أدى الحج فقد سقطت عنه كل الواجبات ، وأنه بأداء الحج لا يصوم ولا يصلي ولا يزكي ويرتكب ما شاء من معاصي الله ، وهذا كله من سوء التصور وسوء الفهم ، فإن الحج يهدم ما قبله بالتوبة النصوح ، والحج ليس مسقطا للواجبات ، فمن أراد أن يكون حجه مقبولا فليستقم على طاعة الله ، وليحافظ على فرائض الإسلام ، فإن الله جعل للدين خمسة أركان : أولها التوحيد ، ثم الصلاة ، ثم الزكاة ، ثم الصوم ، ثم الحج ، من جحد شيئا منها فقد كفر ، ومن ترك الصلاة كفر ، ومن ترك
( الصفحة رقم: 39)
الزكاة أو الصوم أو الحج وهو قادر ، فهو على أعظم خطر.
[ بيان أعمال الحج في يوم النحر وما بعده ]
يا معشر المسلمين ، في يوم النحر لكم عبادات : أولها : رمي جمرة العقبة بعد انصرافكم من مزدلفة ، فابدءوا بجمرة العقبة ، فهي تحية منى ، ثم انحروا هديكم إن كنتم قارنين أو متمتعين ، أو احلقوا أو قصروا ، ثم قد حل لكم بالرمي والحلق أو التقصير كل شيء ما عدا النساء ، فيحل الطيب ولبس المخيط ، وإذا رميتم وحلقتم وطفتم وسعيتم بالبيت فقد حل لكم كل شيء حرم عليكم بالإحرام.
وأعمال يوم النحر كما يلي : الرمي ، ثم النحر ، ثم الحلق ، ثم الطواف ، ومن قدم بعضا على بعض فلا حرج عليه .
ارموا الجمار في أيام التشريق في اليوم الحادي عشر: الأولى ، ثم الوسطى ، ثم العقبة ، وكذلك في اليوم الثاني عشر إن تعجلتم ، وإن تأخرتم فارموا اليوم الثالث عشر كسابقه ، ومن شق عليه الرمي اليوم الحادي عشر ، وأراد أن يجمع رمي الحادي عشر والثاني عشر في يوم واحد فإنه لا حرج عليه ، لكن يقدم رمي اليوم الأول ثم يرمي جمار اليوم الثاني .
[ نصائح وإرشادات وتوجيهات للحجاج ]
أيها الحجاج ، التزموا بآداب الإسلام وكونوا إخوانا متحابين ، وليرحم بعضكم بعضا وليشفق بعضكم على بعض ، واحذروا أن تكونوا فيما بينكم متعادين أو متنافرين ، لتكن الرحمة والمحبة والمودة سائدة بينكم ، فأنتم إخوان في ذات الله ، التقيتم على محبة الله في أرض الله المباركة لتعرفوا لآداب الإسلام حقها ، ليكن بعضكم محسنا لبعض ، وراحما بعضكم بعضا ، فأخلاق الإسلام تحرم على المسلم أن يؤذي المسلمين بلسانه ويده ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : المسلم من سلم
( الصفحة رقم: 40)
المسلمون من لسانه ويده
أمة الإسلام ، تذكروا بموقفكم هذا ثم انصرافكم ووقوفكم بين يدي الله يوم القيامة ، تقفون بين يدي الله ، حافية أقدامكم ، عارية أجسادكم ، شاخصة أبصاركم ، تذكروا بمنصرفكم منصرفكم من ذلك الموقف في مثل قوله تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ .
[ الإكثار من الذكر والدعاء يوم عرفة ]
أكثروا من قول لا إله إلا الله في هذا اليوم المبارك ، فإنها عامة دعاء نبيكم -صلى الله عليه وسلم- يقول : خير الدعاء دعاء يوم عرفة ، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي يوم عرفة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير
احفظوا جوارحكم عن محارم الله ، يقول -صلى الله عليه وسلم- : هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له غضوا أبصاركم ، واحفظوا فروجكم ، وصححوا إيمانكم ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن وأكثروا من قول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؛ فإن الله تعالى أثنى على أولئك فقال : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ .
( الصفحة رقم: 41)
أدوا الفرائض في يوم النحر وأيام التشريق قصرا بدون جمع ، أدوا الظهر في وقتها قصرا ركعتين ، والعصر في وقتها ركعتين ، والمغرب في وقتها ، والعشاء في وقتها ركعتين ، وهكذا بقية أيام التشريق ، إنما الجمع في الحج في موضعين: هذا اليوم في عرفة ، والليلة في مزدلفة .
نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم أعمالنا وأعمالكم.
اللهم وفق المسلمين لما تحبه وترضاه ، اللهم ألف بين قلوبهم ، وأصلح ذات بينهم ، وانصرهم على عدوك وعدوهم ، واهدهم سبل السلام ، وأخرجهم من الظلمات إلى النور ، اللهم اجعلهم أمة متحدة متمسكة بدين الله ، عاملة بشرعه ، اللهم وفق قادة المسلمين لما تحبه وترضاه ، اللهم وفق إمام المسلمين وولي عهده لما تحبه وترضاه ، وأمده بعفوك وتوفيقك ، واجزهم عما سعوا وقدموا للحجيج كل خير.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولعموم المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه وتوبوا إليه.
( الصفحة رقم: 42)
صفحة فارغة
( الصفحة رقم: 43)
صفحة فارغة
( الصفحة رقم: 44)
صفحة فارغة
( الصفحة رقم: 45)
صفحة فارغة
( الصفحة رقم: 46)



  سابق     تالي