تصفح برقم المجلد > كتاب الله عز وجل ومكانته العظيمة > معنى القرآن

ونحن في هذه الرسالة نحب أن نعرض لهذا الموضوع بإشارات وتنبيهات ؛ لعل الله أن ينفعنا بها وينفع بها إخواننا وأخواتنا من القراء ، أو من بلغه هذا الكلام ، إنه سميع مجيب .
فأقول مستعينا بالله : القرآن : مصدر قرأ قرآن ، ومنه قوله تعالى : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ والكلام المقروء نفسه يسمى قرآنا ، كما في قوله تعالى : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ والقرآن كلام الله حقيقة ، لفظه ومعناه من الله ، أنزله على عبده محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- وحيا ، فهو منزل غير مخلوق ، يقول الله :
( الصفحة رقم: 8)
تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ويقول سبحانه : قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ ويقول : حم (1) تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ويقول : تَنْـزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ويقول : وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَـزَّلْنَاهُ تَنْـزِيلا والآيات في هذا المعنى كثيرة ، وعلى هذا أجمع سلف الأمة، رحمهم الله جميعا .
وقد سمى الله هذا الكتاب بأسماء كثيرة في كتابه ، ووصفه كذلك بصفات كثيرة ، وإنما يدل هذا على شرف هذا الكتاب وعظمته ، فهو القرآن، والفرقان، والكتاب، والهدى، والنور، والشفاء، والبيان، والموعظة، والرحمة، والبصائر، والبلاغ، وهو العربي، والمبين، والكريم، والعظيم، والمجيد، والمبارك، والتنزيل، والصراط المستقيم، والذكر الحكيم، وهو حبل الله، وهو الذكرى، والتذكرة، والبشرى،
( الصفحة رقم: 9)
وهو المصدق لما بين يديه من الكتاب ، وهو المهيمن عليها ، وهو المثاني، وفيه تفصيل كل شيء وتبيان كل شيء ، وهو الذي لا ريب فيه ولا عوج فيه ، يقول الله : قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ويقول سبحانه : تَبَارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ويقول سبحانه : الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ويقول سبحانه : قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ويقول سبحانه : ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ويقول -عز وجل- : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ويقول سبحانه : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
( الصفحة رقم: 10)
ويقول -سبحانه- : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ويقول جل وعلا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ويقول عز من قائل سبحانه : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ويقول -عز وجل- : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لاَ يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْـزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وغير ذلك من الآيات كثير ، فيها أسماء هذا الكتاب العظيم وصفاته ، مما ينبيك عن عظيم قدره ، وجليل شرفه ، كيف والمتكلم به هو رب الأرباب – سبحانه – عالم الغيب والشهادة، القائل :
( الصفحة رقم: 11)
وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
ومما ينبغي أن يعلم : أن كل اسم أو صفة لهذا الكتاب العزيز فهو دال على معنى اختص به ، ولولا خشية الإطالة لنبهنا على جملة تكون معينة على فهم ما بقي .
هذا وإن مما اختص به هذا الكتاب الكريم أن الله سبحانه تكفل بحفظه، ولم يكل حفظه إلى أحد من خلقه ، يقول -سبحانه- : إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ويقول -سبحانه- : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
ويقول ابن القيم -رحمه الله- : ( فوصفه -سبحانه- بأنه محفوظ في قوله : إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ووصف محله بالحفظ في هذه السورة – أي : البروج – فالله –سبحانه- حفظ محله وحفظه من الزيادة والنقصان والتبديل ، وحفظ معانيه من التحريف ، كما حفظ ألفاظه من التبديل ، وأقام له من يحفظ حروفه من الزيادة
( الصفحة رقم: 12)
والنقصان ، ومعانيه من التحريف والتغير ) اهـ
كتاب الله الكريم هو المنجي من الفتن ، وهو أنيس المؤمن ، ونور قلبه ، وربيع صدره ، وجلاء همه وغمه ، كتاب الله نبأ ما قبلنا ، وخبر ما بعدنا ، وحكم ما بيننا ، هو الفصل ليس بالهزل ، ومن تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، فهو حبل الله المتين والذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسن ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق عن كثرة الرد ، لا تنقضي عجائبه ، ولا تفنى عبره ، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا : إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا
من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أجر ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ، هو الآية الكبرى والمعجزة العظمى التي أوتيها نبينا -صلى الله عليه وسلم- ، حيث
( الصفحة رقم: 13)
يقول : ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة أخرجاه في [ الصحيحين ]



  سابق     تالي