تصفح برقم المجلد > الجامع لخطب عرفة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ > خطبة عام 1403 الهجري

( الصفحة رقم: 47 )

خطبة عام 1403 الهجري

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إن الحمد لله ، نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، فمن يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أما بعد:
[ الوصية بتقوى الله عز وجل]
أيها المسلمون ، اتقوا الله تعالى حق التقوى ، اتقوا ربكم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، فهو تعالى أهل أن يتقى ، اتقوه لتنالوا بتقواه سعادة الدنيا والآخرة .
[ بيان خلق الله لآدم ، وامتناع إبليس من السجود له ، وما لاقاه من الجزاء ]
معشر المسلمين ، إن الله تعالى خلق آدم أبا البشر ، وفضله وذريته على كثير ممن خلق تفضيلا ، خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، فامتثلوا أمر ربهم ، وخروا لآدم سجدا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ، فأبى عن السجود لآدم قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ، فعند ذلك أهبط الله إبليس إلى الأرض ، وأخرجه من ملكوت السماء ، وجعله مخلدا في النار إلى يوم القيامة.
فلما أيس عدو الله من رحمة الله ، وأيقن أن النار مقره وذريته ، فعند ذلك سعى في إضلال بني آدم وإغوائهم وصدهم عن طريق الله المستقيم ، سأل ربه أن
( الصفحة رقم: 48)
ينظره إلى يوم يبعثون ، فقال الله له : قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ، أقسم بعزة الله ليغوين بني آدم ، وليضلنهم عن الطريق المستقيم قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ولكن الله حمى منه عباده المخلصين الذين أخلصوا لله قولهم وعملهم إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ .
[ الاستعاذة بالله من شره ، وذكره تعالى والالتجاء إليه بالتوبة النصوح يحفظ العبد من كيد الشيطان وإضلاله ]
ولما علم تعالى ضعف ابن آدم أمام هذا العدو المتسلط عليه الذي يجري منه مجرى الدم والذي يتربص به الدوائر ، ويغتنم كل غفلة ليوسوس عليه ويصده عن دين الله – جعل الله للعباد أسبابا تقيهم مكائده ووساوسه ، فأخبرهم الله بعداوته لهم ، وأن عداوته قديمة من القدم ، هو عدو لهم وعدو لأبيهم إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ، وأمرهم أن يستعيذوا بالله من شره ، وأن يدفعوا وساوسه بذكر الله والالتجاء إليه ، ففي ذكر الله تخليص للعبد من وساوس عدو الله وإبعاد للشيطان من الضلالة والوساوس ، وَإِمَّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَـزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، وأرشد تعالى عباده أيضا أن يتوبوا إليه وينيبوا إليه ، كلما تسلط عليهم عدو الله وزين لهم الشر والباطل أن يلجئوا إلى التوبة والإنابة إلى ربهم ، فهو تعالى فتح لعباده باب التوبة والإنابة ، وأمرهم أن يتوبوا إليه من كل ذنوب اقترفوها ، ومن كل سيئات عملوها ،
( الصفحة رقم: 49)
مهما عظمت الذنوب وتضاعفت الخطايا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا
[ بيان معنى التوبة النصوح ]
التوبة النصوح يا عباد الله هي التوبة الخالصة التي مقتضاها الإقلاع عن الذنب والندم على ما مضى ، والعزيمة الصادقة على أن لا تعود إلى ما عملت من خطايا وسيئات ، فربك تعالى لكمال كرمه وكمال جوده وكمال إحسانه وفضله -فتح باب التوبة لعباده ، ليتوبوا إليه من ذنوبهم وخطاياهم ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : إن الله -عز وجل- يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ذلكم لكمال كرم ربكم وكمال إحسانه ، فهو يحب من عباده أن يتوبوا إليه ، وسبقت رحمته غضبه
فيا عبد الله ، تب إلى الله في هذه الدنيا من سيئاتك وخطاياك ، ولا سيما في هذا اليوم المبارك ، والموقف العظيم ، فحاسب نفسك ، وتب إلى الله من كل ما عملت من سوء .
[ تذكير العبد بانتقاله من الدنيا ، وما يلقاه من جزاء أعماله في القبر ]
[ أعمال العبد محصاة عليه قليلها وكثيرها ، وسيحاسب عليها يوم القيامة ]
واعلم أن أعمالك محصاة عليك قليلها وكثيرها ، وسوف تعطى كتابا يوم القيامة مسجلا به كل ما عملت من خير أو شر اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ، وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا لن تستطيع أن تجحد سيئات أعمالك ، سينطق الله جوارحك فتشهد عليك بما عملت الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
( الصفحة رقم: 50)
فتب إلى الله في هذه الدنيا قبل أن يحال بينك وبين التوبة ، حاسب نفسك ، وانظر لسيئات أقوالك وأعمالك.
فإن كنت يا عبد الله ممن استحوذ عليك الشيطان وزين لك عبادة غير الله ، ورجاء غير الله ، والتقرب والتزلف لغير الله من الأموات والغائبين ، فتب إلى الله من هذا الذنب العظيم ، واحذر أن تلقى الله مشركا به ، فإن الله لا يغفر لمن لقيه عابدا غيره ، ملتجئا إلى غيره ، معظما غيره ، فذلك الشرك الأكبر الذي حكم الله على فاعله بالخلود في النار إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ .
أيها المسلم ، انظر لنفسك فإن كنت ممن فرطت في أركان دينك ، فرطت في الصلوات الخمس ، أو في صيام رمضان ، أو في بقية واجبات دينك ، فتب إلى الله منها ، واندم على ما مضى ، واعزم على ألا تعود إلى أي مخالفة .
تذكر أيها العبد أن انتقالك من هذه الدنيا ومفارقتك إياها ، وبقاءك في لحدك ، مرتهن بأعمالك ، إن خيرا ازددت به أنسا وسرورا ، وإن شرا ازددت به حزنا وبؤسا ؛ فتب إلى الله في هذه الدنيا قبل لقاء ربك ، وجدد توبة نصوحا ، وتب إلى الله وتضرع إليه ، عسى أن يقبل توبتك ويمحو خطيئتك ، فهو تعالى يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ .
أمة الإسلام ، إن الله تعالى فضل هذه الأمة المحمدية وجعلها خير أمة
( الصفحة رقم: 51)
أخرجت للناس ، وأثنى عليها في كتابه العزيز: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ .
[ فضل وخيرية هذه الأمة على غيرها من الأمم ]
أجل أيها المسلمون ، بهذه الصفات الحميدة : بالإيمان بالله ، بالأمر بالمعروف ، بالدعوة إلى كل خير وهدى ، بالتحذير من كل شر وفساد ، صارت هذه الأمة المحمدية خير الأمم وأكرمها على الله ، اختار الله لها سيد ولد آدم أفضل الأنبياء والمرسلين على الإطلاق ، واختار لها أكمل الدين وأفضل الشرائع وأزكى الأخلاق وأتمها .
هذه الأمة المحمدية ظهر أثر فضلها وكرامتها حينما قام أوائلها بهذا الدين الحنيف ، فدعوا الخلق إلى الله ، فهدى الله بهم من الضلال ، وبصر بهم من العمى ، أقاموا دولة الإسلام على منهج الله الحق ، على دين الله ورسوله ، فدخل الناس في دين الله أفواجا ، فانقادوا لهذا الدين لما رأوا أهله القائمين به وأعمالهم الصادقة وأخلاقهم الكريمة وعدلهم وإنصافهم ، فإنهم آمنوا بهذا الدين وطبقوه على أنفسهم ، ثم دعوا الخلق إلى ذلك ، فاستجاب الخلق لله ورسوله ، وعم الإسلام أرجاء المعمورة ، وعاش الناس في ظل عدالة الإسلام ، وحقق الله على أيديهم ما وعد به نبيه -صلى الله عليه وسلم- حيث يقول: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ .
ظهر دين الله وعلت كلمة الله ، وعم الأرض الخير والصلاح والهدى بهذا الدين وحده ، بهذه الشريعة الخالدة ، بهذه الأحكام العادلة ، حتى كانت الأمم خاضعة لهم ، تلتمس ودهم ورضاهم ، ولقد كانت لغة قرآنهم اللغة المهيمنة ؛ لأن أهل
( الصفحة رقم: 52)
هذا الدين قاموا به حق القيام ، فوجد الناس أنفسهم بحاجة إليهم ، وإلى مصافاتهم ، وإلى جلب مودتهم ومحبتهم.
أمة الإسلام ، بهذا الدين تبوأت الأمة المحمدية المكان الأسمى والشرف الرفيع.
[ تمسك المسلمين بإسلامهم كان سببا لسيادتهم وحكمهم في البلاد ]
أمة الإسلام ، لقد عرف أعداؤكم قوتكم وشرفكم ، وعرفوا مكانتكم ، وتذكروا مجدكم الماضي وتاريخكم العظيم . وأن أوائلكم لما تمسكوا بهذا الدين واجتمعوا عليه ، وتآلفوا عليه ، وتوحدت صفوفهم على هذا المنهج القويم ، سادوا الناس وحكموا البلاد ، وصارت لهم المكانة ، وصار الناس تابعين لهم منقادين لأحكامهم.
[ أعداء الإسلام يسعون في إبعاد المسلمين عن منهج الله وشريعته ]
عرف أعداؤنا تلك الفضائل ، وتلك المكانة ، وعرفوا ذلك السبب ، فجد أعداء الإسلام واجتهدوا حتى يبعدوا الأمة الإسلامية عن منهج الله ، ويقصوها عن دين الله ، ويفصلوا بينها وبين دينها وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ، يريدون أن يفصلوكم عن دينكم ويبعدوكم عن إسلامكم؛ لتكونوا أمة تابعة لغيركم ، وأمة محكومة بعدما كنتم أمة حاكمة ، وأمة ينفذ عليكم أعداؤكم ما يريدون وما يهوون وما يختارون ، ولكن الله سيحفظ دينه ويعلي كلمته ، فواجب الأمة أن تعود إلى إسلامها ، وأن تعود إلى دينها ، وأن تتبصر في واقعها.
أمة الإسلام ، إن كل بلاء أصاب الأمة ، وكل مصاب حل بالأمة الإسلامية ، فإنما سببه البعد عن تعاليم الإسلام ومبادئه السامية .
فيا معشر المسلمين ، عودا إلى الإسلام الصحيح ؛ ليعود لكم عزكم ومجدكم
( الصفحة رقم: 53)
وكرامتكم.
[ كل ما أصاب الأمة من بلاء ومصيبة فإنما سببها الذنوب والإعراض عن دين الله ]
أيها الأمة الإسلامية ، إن كل نقص في الأمة ، اهتزاز في اقتصادها ، أو اضطراب في أمرها ، أو اختلاف في كلمتها ، فإنما سببه الذنوب والإعراض عن دين الله ، خرج -صلى الله عليه وسلم- على جملة من المهاجرين فقال : يا معشر المهاجرين ، خمس إذا ابتليتم بهن -وأعوذ بالله أن تدركوهن -: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يمطروا ، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم ، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم
فيا أمة الإسلام ، إن التمسك بهذا الدين والعمل به يجمع القلوب ويوحد الشمل ويعيد للأمة عزها ومكانتها.
[على الأمة الإسلامية أن يحلوا مشاكلها في ضوء تعاليم دينها ، وفي محيط كيانها]
نسأل الله أن يجمع الأمة الإسلامية على الخير والهدى وأن يعيذها من الفرقة والاختلاف ، وأن يبصرها في واقعها ، لتتدارك أخطاءها ، فتسعى في حل مشاكلها في محيط إسلامها ، فإن الأمة الإسلامية مطلوب منها أن يكون حل كل مشكلة من مشاكلها في إطار الإسلام ، في محيط الأمة الإسلامية ، حتى لا يكون للعدو نفوذ على الأمة ، فالعدو لا يكن لنا حبا ولا ودا ، وإنما أمة الإسلام إذا حلت مشاكلها في إطارها ، وصارت مشاكلها تحل بتعاليم دينها ، عند ذلك ترى دينها كفيلا لحل أي مشكلة ، وإنهاء أي فتنة مهما عظمت ومهما كبرت.
( الصفحة رقم: 54)
حجاج بيت الله الحرام ، اشكروا الله الذي بلغكم الوصول إلى بيت الله الحرام ، ومكنكم من الوقوف بتلكم المشاعر المقدسة المشرفة.
[ذكر جهود حماة البلد الأمين في تيسير الوصول إلى الحرمين ، وتهيئة الوسائل المناسبة لذلك]
إن هذا البلد الأمين كان طريق الوصول إليه شاقا ومتعبا ، ولكن الله بفضله وكرمه هيأ الوصول إليه ، وجعله سهلا ميسرا على يد من اختارهم لحماية هذا البلد الأمين والقيام بحقه؛ امتثالا لأمر الله وطلبا لمرضاته وتقربا إليه ، فكل أعمالهم التي عملوها إنما هي أعمال يريدون بها وجه الله ، نرجو الله أن يثيبهم وأن يجزيهم عما فعلوا خيرا.
[الوصول إلى بيت الله أصبح سهلا ميسرا بعد ما كان شاقا ومتعسرا في كثير من الأحيان]
روى البخاري عن عدي بن حاتم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له : هل رأيت الحيرة ؟ " قال: قلت: لم أرها ، وقد أنبئت عنها ، قال: " فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله ، لقد تحقق ذلك في العهود الأولى ، ثم طرأ على الأمة الإسلامية ما طرأ عليها من اختلاف واضطراب حتى صار الوصول إلى البيت متعسرا في كثير من الأحيان ، وشاقا على النفوس ، ولكنه -ولله الفضل والمنة- في هذه الأيام أصبح ميسرا سهلا ، يؤم المسلمون بيت الله من أقطار الدنيا ، فلا طعام يحملونه ، ولا سلاح يصحبونه ، يرون البلد الأمين آمنا مطمئنا ، قد وفر الله فيه أسباب الرغد ، وهيأ للحجاج من يقوم بخدمتهم ، ويهيئ لهم الراحة والأمان ، فالحمد لله على نعمة الإسلام.
ولا شك أن هذه أعمال مباركة لا ينبغي للمسلمين أن ينسوها ، بل الواجب شكر قادة هذه البلاد ، وأن ندعو الله لهم أن يوفقهم لما يحبه ويرضاه ، وأن يجعلهم
( الصفحة رقم: 55)
أئمة هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين ، وأن يزيدهم من التوفيق والسداد ، إنه على كل شيء قدير.
[ أهمية هذا الاجتماع العظيم في الحج ، وأن ذلك يدعوهم إلى التآلف والتآخي والمحبة والاجتماع في ذات الله ]
حجاج بيت الله الحرام ، إن مجتمعكم هذا مجتمع عظيم ، مجتمع يدعو إلى التآلف والتآخي والمحبة والاجتماع في ذات الله ، فاستفيدوا من هذه اللقاءات المباركة الخير الكثير ، ليكن ذلك اللقاء سببا تقوى به أواصر المودة والمحبة والإخاء بينكم ، تذكروا أنكم من بلاد متباعدة ، تقفون في موقف واحد رغم اختلاف اللغات والألوان والأجناس ، ولكن عقيدة الإيمان وأخوة الإسلام جمعتكم على الخير والتقوى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ .
وإن على المسلم واجب نحو إخوته المسلمين أن يعاملهم بالصفح والحلم والإعراض ، وتحمل كل الأذى ، ويتذكر قوله -صلى الله عليه وسلم- : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه وقوله -صلى الله عليه وسلم- : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده المسلم يكن لأخيه الحب والوئام ، يحب له كل خير ، ويعامله بالإحسان ، هكذا أخلاق المسلمين ، ولا سيما الحجاج منهم ، فواجبكم أن تتخلقوا بالحلم والصفح والأناة وتحمل الأذى ، وأن يعامل كل منكم أخاه بما يليق به من المحبة والإكرام ، وأن تجتنبوا كل أذى ، فمن ضار ضار الله به ، ولا سيما في هذه المشاعر المقدسة والأماكن الفاضلة.
[ على الحجاج شكر الله -عز وجل- وتذكر الموقف العظيم بين يديه يوم القيامة]
حجاج بيت الله الحرام ، أيها الحجاج الكرام ، اشكروا الله وتذكروا في هذا الموقف العظيم موقفكم بين يدي الله ، يوم القيامة تقفون بين يدي الله حافية أقدامكم ، عارية أجسامكم ، شاخصة أبصاركم ، تذكروا هذا الموقف العظيم ،
( الصفحة رقم: 56)
تزدادوا خوفا من الله ورجاء فيما عند الله.
أيها المفتون في الحج ، اتقوا الله فيما تفتون ، ولا تفتوا الناس إلا بعلم وبصيرة ، واحذروا أن تفتوهم بخلاف الشرع فتكونوا من الآثمين.
[ افترض الله الحج على المسلمين مرة في العمر ]
معشر المسلمين ، إن الله افترض الحج على أمة الإسلام وجعله فريضة العمر ، من أداه في عمره مرة فقد برئت ذمته وأدى الواجب ولا حرج عليه ، فيا ليت المسلمين يفقهون ذلك ويعلمون أن من أدى فريضته فقد أدى الواجب الذي عليه ، ولم يكلف العبد نفسه فيما سوى ذلك ، فيسعى في إفساح الطريق ، وتهيئة الجو لغيره من إخوانه المسلمين ، ذلك من باب التعاون على البر والتقوى .
[بيان صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم ]
أمة الإسلام ، حج نبيكم -صلى الله عليه وسلم- حجة واحدة هي حجة الوداع ، أعلمهم فيها مناسك حجهم بأقواله وأفعاله ، فما قال قولا إلا قال لهم : خذوا عني مناسككم وقف بعرفة وقال : " الحج عرفة وأخبر الناس بفضل ذلك اليوم ، وأنه يوم عظيم يباهي الله فيه ملائكته بأهل الأرض يقول : انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق ، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي ، أشهدكم أني قد غفرت لهم وقال -صلى الله عليه وسلم- : ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وقال: ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة ، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر
( الصفحة رقم: 57)
[ فضل يوم عرفة ]
هذا يوم عظيم من أيام الله ، وهو يوم عرفة ، ويوم الجمعة ، وكلاهما يومان فاضلان وعيدان من أعياد أهل الإسلام ، وفي هذا اليوم ساعة محققة الإجابة ولا سيما في آخر هذا اليوم ، فالجئوا إلى الله وتوبوا إليه ، واسألوه التوفيق والهداية وقبول حجكم ، وأن ترجعوا سالمين آمنين مطمئنين ، إنه على كل شيء قدير.
[ أعمال الحج في عرفة ومزدلفة ومنى ]
قفوا بعرفة إلى غروب الشمس ، وانصرفوا منها بعد الغروب ، وبيتوا بمزدلفة ، وصلوا بمزدلفة المغرب والعشاء جمعا وقصرا ، ثم بيتوا بها وانصرفوا إلى منى ، وارموا جمرة العقبة يوم النحر ، وانحروا هديكم ، واحلقوا رؤوسكم ، ثم قد حل لكم كل شيء حرم عليكم بالإحرام إلا النساء ، ثم طوفوا بالبيت طواف الإفاضة ، واسعوا بين الصفا والمروة ، وفي أيام التشريق ارموا الجمار في اليوم الحادي عشر بعد الزوال: الأولى ، ثم الوسطى ، ثم العقبة ، وهكذا في اليوم الثاني عشر ، ثم ودعوا بيت الله.
أسأل الله لي ولكم حجا مبرورا ، وسعيا مشكورا ، وذنبا مغفورا ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، أعاده الله علينا وعليكم وعلى جماعة المسلمين باليمن والبركة ، ونسأله تعالى أن يوفق إمام المسلمين وولي عهده والنائب الثاني لما يحبه ويرضاه ، وأن يجزي مساعيهم خيرا ، وأن يكلل مساعيهم بالتوفيق ، وأن يمدهم بالعون والتوفيق على ما بذلوا في خدمة الحجيج والقيام بواجبهم ، إنه على كل شيء قدير ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



  سابق     تالي