تصفح برقم المجلد > من فتاوى العقيدة > حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله

حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى الله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد: فإننا اخترنا أن تكون الكلمة حول حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله، وذلك لدعاء الحاجة، بل والضرورة لذلك، ولما نرى من جهل كثير من المسلمين، فضلا عن غيرهم بحقيقة شهادة أن محمدا رسول الله، ووقوعهم فيما يخالفها مما يناقضها أو يضاد كمالها أو ينقص به إيمان العبد بها، فكان لزاما أن نبين ذلك نصيحة
( الصفحة رقم: 26)
لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، امتثالا لأمر الله سبحانه: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ، وقوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ، وقوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إلى غير ذلك من الآيات، ولقوله صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قال الصحابة: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم
فواجب على كل من عرف الحق بدلائله أن يبينه وينشره بين الناس، سيما في هذه الأزمان التي اشتدت فيها غربة الإسلام، وبات المعروف فيها منكرا والمنكر فيها معروفا، وقل من يرفع رأسه بالحق ويظهره فلا حول ولا قوة إلا بالله وسلوانا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء .
وقبل البدء في ذلك أقدم بمقدمة أرى أنها نافعة فأقول مستعينا بالله: لما
( الصفحة رقم: 27)
خلق الله آدم ونفخ فيه الروح، أمر ملائكته بالسجود له، وكان إبليس من الجن، وليس من الملائكة، وإنما دخل في خطابهم لتوسمه بأفعال الملائكة وتشبهه بهم وتعبده وتنسكه، لكن حين أمروا بالسجود وسجد الملائكة، لم يسجد إبليس اللعين: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ . ويقول سبحانه: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ . أبى أن يسجد لآدم كبرا وحسدا وبغيا فكان عاقبته أن طرد من رحمة الله وحلت عليه لعنة الله، لكن الخبيث ازداد بغيه وعظم حقده على آدم وذريته وطلب من الله الإنظار إلى يوم القيامة فأنظره الله، عند ذلك قال تعالى- كما قص الله خبره-: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ . والمعنى أنه أقسم أن يضل عباد الله من بني آدم عن طريق الحق وسبيل النجاة لئلا يعبدوا الله ولا يوحدوه ويسلك شتى الطرق لصدهم عن الخير وتحبيب الشر لهم. ومثله قوله تعالى قاصا خبره: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
( الصفحة رقم: 28)
. وقوله سبحانه: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً . فلم يزل بالدم عليه السلام وذريته وسوسة وإغواء وإضلالا حتى تسبب في إهباط آدم من الجنة وقتل ابن آدم لأخيه، ولم يكفه هذا فلما مر ببني آدم الزمان وطال عليهم العهد بالنبوة حسن إليهم الشرك وأغواهم فكان له ما أراد، وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، ووقعوا في الشرك، وكان أول ذلك زمن قوم نوح حين عبدوا الأصنام ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا، وكانت هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت، هذا ما قاله ابن عباس رضي الله عنه .
وروى ابن جرير عن محمد بن قيس قال: «كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا
( الصفحة رقم: 29)
وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم» هكذا بدأ الشرك في بني آدم، بسبب إغواء إبليس لهم، لكن الله سبحانه بحكمته وعلمه ورحمته بعباده لم يتركهم عملا يغويهم إبليس وجنده، بل أرسل إليهم الرسل لتبين لهم الدين الحق، وتحذرهم من الشرك والضلال رحمة منه بعباده، وإقامة للحجة عليهم: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
ويقول الله سبحانه وتعالى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا .
ويقول سبحانه: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ .
وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل، من أجل ذلك مدح
( الصفحة رقم: 30)
نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين
، وفي لفظ آخر: من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه. فأرسل الله الرسل إقامة للحجة على عباده وإعذارا لهم. وهذه الرسالات من نعم الله على خلقه أجمعين؛ إذ حاجة العباد إليها فوق كل حاجة، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، فهم في حاجة إلى الرسالة أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب والدواء، إذ قصارى نقص ذلك أو عدمه تلف الأبدان، أما الرسالة ففيها حياة القلوب والأديان، بل والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله، أرسل الله الرسل وجعلهم بشرا من أقوام المرسل إليهم وبلسانهم ليبينوا لهم الدين الحق قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وكل أمة بعث فيها رسول، قال عز وجل: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ .
( الصفحة رقم: 31)
وقال سبحانه: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ . بعثوا جميعا بدين واحد وهو الإسلام؛ إخلاص الدين لله، وتجريد التوحيد له سبحانه، واجتناب عبادة ما سواه قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ، وقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: الأنبياء إخوة علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد متفق عليه.
وكذلك أيضا كل رسول يأمر قومه بطاعته إذ هذا مقتضى الرسالة، يقول عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ . ولم تزل الرسل تتابع إلى أقوامهم لدعوتهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى
، إلى أن جاء موسى وبعده عيسى عليهما السلام
( الصفحة رقم: 32)
وظهرت في كتبهما البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله عز وجل: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، ويقول عز وجل: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ . وبعد أن رفع عيسى عليه السلام وطال ببني آدم العهد قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، حمل إبليس بخيله ورجله على بني آدم فأضلهم ضلالا بعيدا، وأوقعهم في الكفر والشرك والضلال بصنوفه إلا قليلا منهم، وبلغ من حالهم أن مقتهم الله سبحانه عربهم وعجمهم إلا القليل، ثم بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يقول: يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة ، بعث والحال كما أخبر به صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا كل مال نحلته عبدا حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم ألا يشركوا بي
( الصفحة رقم: 33)
ما لم أنزل به سلطانا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان...
(1) الحديث. فرفع الله عنهم هذا المقت برسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثه رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وحجة على الخلائق أجمعين، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فختم به الرسل، وهدى به من الضلال، وعلم به من الجهالة، وفتح برسالته أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، فأشرقت الأرض بعد ظلماتها، وتألفت بها القلوب بعد شتاتها، فأقام به الملة العوجاء وأوضح به المحجة البيضاء، رفع الله به الآصار والأغلال وجعل رسالته عامة للإنس والجان، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ ، وقال تعالى: قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ، أرسله الله على حين فترة من الرسل، ودروس من الكتب حين حُرِّف الكلم وبُدِّلَت الشرائع واستند كل قوم إلى أظلم آرائهم وحكموا على الله وبين عباد الله بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، فهدى الله
( الصفحة رقم: 34)
به الخلائق، وأوضح به الطريق، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وأبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفرَّق به ما بين الأبرار والفجار، وجعل الهدى والفلاح في اتباعه وموافقته، والضلال والشقاء في معصيته ومخالفته، رؤوف رحيم بالمؤمنين حريص على هداية الخلق أجمعين، عزيز عليه عنادهم وتعنتهم: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . خلاصة دعوته البشارة والنذارة والدعوة إلى الله ببصيرة وحكمة قال تعالى: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا . هو خاتم الأنبياء وشريعته وكتابه المهيمن على سائر الشرائع والكتب الناسخ لها، قال تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ، ويقول عز وجل: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ . هو صلى الله عليه وسلم محمد وأحمد، والماحي يمحو الله به الكفر، والحاشر يحشر الخلائق على قدمه،
( الصفحة رقم: 35)
والعاقب ليس بعده نبي، وهو نبي التوبة ونبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، له الحوض المورود والمقام المحمود الذي يحمد عليه الخلائق، وذلك حين يخر ساجدا تحت العرش ويحمد ربه بمحامد يفتحها عليه، ثم يقال له صلى الله عليه وسلم: ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع شرح الله صدره ووضع عنه وزره وجعل الذلة على من خالف أمره ورفع له ذكره، فلا يذكر الله سبحانه إلا ذكر معه، وكفى بذلك شرفا وأعظم ذلك الشهادتان، أساس الإسلام ومفتاح دار السلام، عاصمة الدماء والأموال والأعراف، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمعنى لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله سبحانه، وأركانها النفي والإثبات: (لا إله) نافيا جميع ما يعبد من دون الله، (إلا الله) مثبتا العبادة لله وحده لا شريك له. وشروطها: العلم واليقين والقبول والانقياد والصدق والإخلاص والمحبة، وزاد بعضهم شرطا ثامنا وهو الكفر بما عبد من دون الله. وتحقيق هذه الشهادة ألا يعبد إلا الله، وحقها فعل الواجبات واجتناب المحرمات.
هذه جمل مختصرة في شهادة أن لا إله إلا الله، أما تفاصيلها فلا تحتملها هذه الكلمة اليسيرة.
( الصفحة رقم: 36)
أما حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله فهي متضمنة لأمور، رأسها وأساسها الإيمان به، وذلك بالإيمان واليقين التام بأنه رسول الله حقا (محمد رسول الله) وأن رسالته عامة للبشر، عربهم وعجمهم يقول الله سبحانه: قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ، ويقول عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا .
ويقول صلى الله عليه وسلم: كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ، ويقول أيضا صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار رواه مسلم. بل رسالته تعم الجن أيضا: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ، إلى قوله تعالى: يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ
( الصفحة رقم: 37)
، ومن الإيمان به الإيمان بأنه صلى الله عليه وسلم عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب. ومن الإيمان به الإيمان بأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن كتابه القرآن الكريم هو آخر الكتب المنزلة، المهيمن عليها، وشريعته هي الناسخة للشرائع قبلها، يقول عز وجل: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ، ويقول عز وجل: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ، ويقول سبحانه: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ . وقد أجمع المسلمون على ذلك وهو عندهم من العقائد الثابتة بيقين والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم قد جاءت به الآيات صريحة قاطعة للمعذرة يقول الله عز وجل:
( الصفحة رقم: 38)
يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ ، ويقول سبحانه: قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . ويقول سبحانه: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ ، بل إن الله أخذ ميثاق النبيين على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ونصرته فلا يسع أحدا منهم لو كان حيا وقت بعثته صلى الله عليه وسلم إلا اتباعه يقول الله عز وجل: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .
ومن حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر والاستجابة لدعوته صلى الله عليه وسلم فقد جعل الله طاعة الرسول
( الصفحة رقم: 39)
طاعة له سبحانه وقرن طاعته بطاعة الرسول في أكثر من موضع في كتابه، يقول عز وجل: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ . ويقول سبحانه: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ . ويقول عز وجل: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ .
وعلق الهداية على طاعته صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ، وجعل من حقق طاعة الله ورسوله في زمرة أشرف الخلق فقال عز وجل: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا . بل علق على طاعة الله ورسوله الفوز العظيم ألا وهو دخول الجنات، قال سبحانه: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .
( الصفحة رقم: 40)
وأما تصديق خبره فهو حقيقة الشهادة ولا تتم الشهادة إلا بتصديقه وإلا كان كاذبا منافقا وقد أثنى الله على المسلمين بتصديقهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد: الذي جاء بالصدق هو الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: والذي جاء بالصدق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق به قال: المسلمون. وقد ذم الله من كفر بالرسول صلى الله عليه وسلم وتوعده بأشد العذاب، قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ، وقال في سورة المدثر فيمن كذب خبر الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من القرآن يقول الله عز وجل: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ
( الصفحة رقم: 41)
. بل إن سنة الله فيمن كذب رسله ماضية في نزول العذاب والهوان بهم، يقول الله سبحانه: إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ . ويقول سبحانه: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ ، ودليل الاستجابة لدعوته صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ . فأمر بالاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم وقرنها بالاستجابة لله سبحانه وتعالى، وسمى ما يدعو إليه صلى الله عليه وسلم حياة؛ لما فيه من نجاتهم وبقائهم وحياتهم بالإسلام بعد موتهم بالكفر. وحذر من عدم الاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، ومن حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله محبته صلى الله عليه وسلم ونصرته وموالاته وتعظيمه، وبعد وفاته صلى
( الصفحة رقم: 42)
الله عليه وسلم تكون النصرة لسنته صلى الله عليه وسلم، فدليل محبته صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم: فوالدي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ، وفي حديث أنس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين . وقوله صلى الله عليه وسلم: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما .
وتوعد الله سبحانه من قدم محبة أحد كائنا من كان على محبة الله ورسوله فقال سبحانه: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ . ولما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال رسول الله صلى الله عليه
( الصفحة رقم: 43)
وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ، فقال عمر: فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الآن يا عمر .
ودليل النصرة والتعظيم قوله تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
وقال سبحانه: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ، ويقول سبحانه: ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ووصف طائفة من المؤمنين وأثنى عليهم بقوله سبحانه: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ، ويقول سبحانه: إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ
( الصفحة رقم: 44)
ويقول سبحانه: لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ، ودليل الولاية قوله تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ، ويقول عز وجل: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ . ومما يدخل في حقيقة هذه الشهادة العظيمة التسليم له صلى الله عليه وسلم وتحكيم شرعه والتحاكم إليه والرضا به، والدليل قوله تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا . وقال سبحانه في صفة المؤمنين مثنيا عليهم ومشيدا بهم: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وقال سبحانه واصفا المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون:
( الصفحة رقم: 45)
وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . وقال سبحانه أيضا فاضحا أمرهم مشددا في ترك طريقهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا . فتحكيم شرع الله وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة، الأفراد على أنفسهم وكذلك الحكام وولاة الأمر على رعاياهم ومن تحت أيديهم واجب فرض متحتم لا محيد عنه لمؤمن مسلم بل هو من حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
ومن حقيقة هذه الشهادة العظيمة شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم الاقتداء والتأسي به صلى الله عليه وسلم واتباع سنته والرد إليه في حياته عند التنازع، وإلى سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وتقديم سنته على رأي كل أحد كائنا من كان والحذر من مخالفته ومشاقته ومحادته
( الصفحة رقم: 46)
صلى الله عليه وسلم. يقول الله عز وجل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا . ويقول عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا . ولما ادعى أقوام محبة الله سبحانه أنزل آية الامتحان في سورة آل عمران وهي قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ . ويقول أيضا جل وعلا: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً . ويقول عز وجل: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . ويقول سبحانه وتعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا . وقال سبحانه وتعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قال
( الصفحة رقم: 47)
ابن عباس رضي الله عنهما: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر .
وقال الإمام الشافعي يرحمه الله: «أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد» ، وقال الإمام أحمد رضي الله عنه: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك» ا هـ. هذا قول الإمام أحمد فيمن اتبع رأي سفيان وهو الثوري الإمام الزاهد، العابد الثقة الفقيه، إذا كان رأيه يخالف الحديث فكيف ممن هو دونه؟! ويقول الله عز وجل: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ، وقال سبحانه:
( الصفحة رقم: 48)
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ، ويقول عز وجل: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ .
هذه هي حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من التفصيل والبيان. وقد أجملها بعض أهل العلم وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب يرحمه الله فقال في معناها: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.
هذا وإن حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم على أمته أمور عظيمة: منها: ألا يخاطب كما يخاطب سائر الناس بل يخاطب باحترام وأدب فيقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، نبي الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقال: محمد، أو محمد بن عبد الله ونحو ذلك يقول الله تعالى: لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا .
ومنها أيضا: سؤال الله الوسيلة له صلى الله عليه وسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم: سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد
( الصفحة رقم: 49)
الله وإني لأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة
.
ومنها أيضا: الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم وهي في الصلاة واجبة بل عدها بعض العلماء ركنا لا تصح الصلاة إلا بها. وتتأكد عند ذكره صلى الله عليه وسلم، ويوم الجمعة وليلتها وعند الدعاء إلى غير ذلك وقد بسط ذلك بسطا نافعا ومفيدا العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع القيم "جلاء الأفهام" فليراجع هناك. قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
أيها الإخوة في الله قد بينا فيما سبق حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله التي من عمل بها والتزم بها ظاهرا وباطنا فهو الصادق في شهادته، ومن خالفها فإنه على خطر عظيم.
والمخالف لهذه الشهادة أقسام: فقسم لا يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وينكرها جملة وتفصيلا، تكذيبا أو عنادا، كحال المشركين.
وقسم يؤمن برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لكن ينكر عمومها، ويقول: إنها خاصة بالعرب، كحال طوائف من أهل الكتاب. ويقال لهؤلاء وأولئك: يقول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم:
( الصفحة رقم: 50)
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ،
، ويقول سبحانه وتعالى: قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ، ويقول سبحانه: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ .
وليس مقصودنا في هذه الكلمة استقصاء الرد على هؤلاء وغيرهم من الطوائف فإن علماء الإسلام وأئمتهم قد أجادوا في ذلك وصنفوا فيها المصنفات فمن أراد الاستزادة فعليه مراجعة المطولات.
وقسم يشهدون أن محمدا رسول الله، وينتسبون للإسلام، لكنهم خالفوا حقيقة هذه الشهادة بأنواع ومراتب من المخالفات بعضها أعظم من بعض.
فقسم منهم بالغ في الغلو فيه صلى الله عليه وسلم وجعله نورا أزليا ينتقل في الأنبياء حتى جاء صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يزعم أنه مظهر يتجلى الله فيه والعياذ بالله. فالأول قول الغلاة الشيعة والباطنية وأيضا غلاة الصوفية. والثاني هو قول أهل وحدة الوجود. وكل هذه أقوال كفرية لا تصدر في قلب مؤمن وإنما يُزخرف فيها القول وتلبس لباس الإسلام تمويها على العوام. وإلا فهي مضاهاة لقول من سبق من الأمم الكافرة من مثل اعتقاد
( الصفحة رقم: 51)
النصارى في المسيح وأنه إله في صورة إنسان. والرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما هو بشر وعبد من عباد الله اصطفاه الله وشرفه بأن كان خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد ولد آدم أجمعين وبشريته تنفي ما زعم فيه من المزاعم الباطلة التي ذكرت سابقًا وما شابهها، يقول الله عز وجل: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ، وقال عز وجل: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون" وغير ذلك من الأدلة والنصوص الدالة قطعًا على بشرية محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأن الله سبحانه إنما ميزه بالرسالة والنبوة، أما الغلو فيه ورفعه فوق منزلته فهذا مخالف لحقيقة رسالته وشهادة أن محمدًا رسول الله، وقسم منهم غلا فيه أيضًا بأن صرف له -صلى الله عليه وسلم- أنواعًا من العبادة مثل: الدعاء والخشوع والصلاة إلى قبره ونحو ذلك مما هو من خالص حق الله -عز وجل-.
وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته من ذلك، وشدد فيه وأبدا فيه وأعاد، بل قبل ذلك القرآن الكريم فإن الله سبحانه خص الدعاء والخضوع والصلاة ونحوها من العبادات به سبحانه.
( الصفحة رقم: 52)
يقول عز وجل: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ، ويقول سبحانه واصفًا أفضل عباده: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ، وقال سبحانه لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ، وقال أيضًا -عز وجل- آمرًا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ . وفي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" أخرجاه . وفي الصحيحين أيضا عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (لما نزل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا
( الصفحة رقم: 53)
قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا)
ونهيه -صلى الله عليه وسلم- وتشديده في اتخاذ القبور مساجد بالصلاة لله عندها، وإخباره بلعن من فعل ذلك مع أنه لم يعبدها ولم يدعها وإنما ذلك ذريعة لعبادتها والشرك بها، فكيف بمن عبدها وتوجه إليها ونذر لها وطاف بها وذبح لها ودعا أهلها وطلب منهم النفع والضر.
قال القرطبي -رحمه الله-: (ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة لقبره -صلى الله عليه وسلم-، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره) ا هـ.
وبهذا يتبين أن الله سبحانه قد صان قبره -صلى الله عليه وسلم- إجابة لدعائه -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" وأن من توجه إليه إنما هو في الحقيقة قاصد لما قام في قلبه أنه قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وإلا فقبره -صلى الله عليه وسلم-
( الصفحة رقم: 54)
لا يمكن استقباله ولا الوصول إليه، بل هو كما قال ابن تيمية -يرحمه الله تعالى-: (إن الوصول إلى قبره -صلى الله عليه وسلم- غير مقدور ولا مأمور). اهـ. وذلك بعد إحاطته بثلاثة جدران.
وقسم غلوا فيه -صلى الله عليه وسلم- وزعموا أنه يعلم الغيب ويعلم أحوالهم وما هم عليه، بل وصل ببعضهم أن زعم أنه يشاهده ويجتمع به يقظة لا منامًا. وهذا تكذيب لكتاب الله وكفر بالله -عز وجل- يقول سبحانه: قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ . ويقول سبحانه: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، ويقول -عز وجل-: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ويقول -سبحانه وتعالى- آمرًا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ ، ويقول -عز وجل- آمرًا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .
( الصفحة رقم: 55)
وأما أدلة وفاته -صلى الله عليه وسلم- فكثيرة، منها قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ، وقوله -عز وجل-: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ، ومنها -قوله تعالى-: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ، وفي حديث عائشة في قصة وفاته -صلى الله عليه وسلم- وفي آخرها قال -صلى الله عليه وسلم-: "في الرفيق الأعلى" ثم فاضت روحه -صلى الله عليه وسلم-.
هذا وهناك من الناس من خالف حقيقة شهادة أن محمدًا رسول الله. بما هو دون الكفر وإن كان خطيرًا يجب الحذر منه فمن ذلك: الحلف بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا شرك أصغر وذريعة للشرك الأكبر إذا اعتقد مساواته بالله -عز وجل- يقول -صلى الله عليه وسلم-: "من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك" وفي الحديث الآخر: "لا تحلفوا بآبائكم"
وقسم من الناس خالف حقيقة شهادة أن محمدًا رسول الله بالابتداع في الدين، وكل بدعة أحدثت فهي مخالفة لحقيقة شهادة أن محمدًا رسول الله،
( الصفحة رقم: 56)
لأن من حقيقتها ألا يعبد الله إلا بما شرع -صلى الله عليه وسلم-، فإذا تقرب العبد لله بالبدع فقد خالف مدلول الشهادة.
ومن البدع التي ظهرت وانتشرت واستشرت في المجتمعات الإسلامية وخصوصا أيام شهر ربيع الأول بدعة المولد النبوي، ولما كانت البلوى قد عمت بها في هذه الأزمان رأينا أن نعرض لها بشيء من التفصيل فنقول وبالله التوفيق: إن الأصل في هذا الدين الذي دلت عليه الدلائل القطعية من الكتاب والسنة أن لا يعبد إلا الله وألا يعبد الله إلا بما شرع سبحانه في كتابه وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومن هنا قال أهل العلم إن العبادات توقيفية، بمعنى أن المسلم لا يتقرب إلى الله إلا بما شرعه -سبحانه وتعالى- وبينته سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، أما من قصد التقرب إلى الله بأعمال ظنها حسنة في عقله أو أخذها عن غيره وإن كان معظمًا من العلماء، أو من غيرهم فهذا عمله مردود مبتدع وإن قصد الخير. لذا جاء عن بعض الصحابة: (ما كل من قصد الخير أدركه) قاله لأقوام يتقربون لله بما لم يشرعه، ولما نهاهم قالوا: الخير أردنا.
وهنا أصل- أيضا- متقرر معلوم عند علماء الإسلام وهو أنه عند حدوث التنازع يجب الرد إلى كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فما وجدناه فيه أخذنا به وعملنا به، وما لم نجده لم نتقرب إلى الله به،
( الصفحة رقم: 57)
يقول الله -عز وجل-: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ، ويقول سبحانه أيضًا: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ، ويقول -صلى الله عليه وسلم- في حديث عائشة -رضي الله عنها- الذي عده أهل العلم ميزان العمل الظاهر، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" وفي رواية: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"
إذا تقرر هذا وهو بحمد الله متقرر عند علماء الإسلام نرجع إلى مسألة المولد النبوي، فنقول: لما كان بعض العلماء المتأخرين قد استحسنها، وقد شنع فيها غيرهم من العلماء والمحققين وذكروا بدعيتها، فكانت عندنا من مسائل التنازع فهنا نرجع إلى الأصل في مسائل التنازع ألا وهو الرد إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ونحن إذا رجعنا لكتاب الله لم نجد لهذه المسألة أصلاً يعتمد عليه، وبتتبع سيرته -صلى الله عليه وسلم- لم ينقل لنا أنه أمر بالاحتفال بمولده أو أنه احتفل -صلى الله عليه وسلم- بمولده،
( الصفحة رقم: 58)
أو أن أحدًا احتفل بمولده في عهده -صلى الله عليه وسلم- فأقره، مع أنه -صلى الله عليه وسلم- قد عاش ثلاثًا وستين سنة، وقد صحبه وآمن به رجال هم أشد الناس محبة له وتوقيرًا وتعظيمًا وفهمًا لمراد الله والرسول، بل بذلوا أرواحهم دفاعا عنه -صلى الله عليه وسلم- وذبّا عن دينه -صلى الله عليه وسلم-، وحرصوا على متابعته في كل صغيرة وكبيرة، ونقلوا لنا سنته -صلى الله عليه وسلم-، ولم يخلوا بشيء منها حتى نقلوا لنا اضطراب لحيته في الصلاة إذا استفتح، فلا يمكن أن يكون الاحتفال بالمولد قد عمل في زمنه -صلى الله عليه وسلم- ولم ينقل مع تعاقب السنين وتوافر الهمم والدواعي لنقله.
ثم نظرنا أفضل القرون بعده -صلى الله عليه وسلم- وأحب الناس إليه وهم أصحابه فلم ينقل عنهم ناقل أنهم احتفلوا بمولده -صلى الله عليه وسلم-، لا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، ولا عمر الفاروق -رضي الله عنه-، ولا عثمان ذو النورين -رضي الله عنه-، ولا علي بن أبي طالب صهر النبي -صلى الله عليه وسلم- وابن عمه وأبو سبطيه -رضي الله عنهم- ولا غيرهم من الصحابة -رضي الله عنهم- بل ولا التابعين ومن تبعهم بإحسان لا في المائة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة، مع قيام المقتضي الذي يذكره أهل العصر الآن وانتفاء المانع الحسي من ذلك.
فعلم أنهم إنما تركوه لقيام المانع الشرعي، وهو أنه أمر لم يشرعه الله ولا رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولا هو مما يحبه الله ويرضاه ولا
( الصفحة رقم: 59)
مما يقرب إليه زلفى، بل هو بدعة حادثة تتابع على تركها أفضل البشر -صلى الله عليه وسلم- وأفضل القرون -رضي الله عنهم- وأفضل علماء الأمة علماء الصدر الأول من الإسلام وفي هذا الدليل العظيم، والأصل الأصيل مقنع لمن فتح الله على قلبه وأنار بصيرته ورزقه التوفيق والهدى والسداد.
وهذا الذي ذكرناه من أن السلف لم يفعلوا هذا المولد اتفق عليه علماء المسلمين ممن يرى إقامة المولد ومن لا يراه.
والاحتفال بالمولد إنما حدث في القرن الرابع على يد بني عبيد القداح الذين يسمون (بالفاطميين) وهؤلاء القوم قد بان لعلماء الإسلام ضلالتهم وأنهم من الإسماعيلية الباطنية ولهم مقالات وأفعال كفرية فضلا عن البدع والمنكرات، فليسوا أهلاً للاقتداء والتأسي.
ثم إن الله -سبحانه وتعالى- قد أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة فقال سبحانه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِينًا .
وإحداث مثل هذه الموالد فيه استدراك على الله، وأن الدين لم يكمل حتى جاء في القرون المتأخرة من زاد فيه، ولا شك أن هذا تكذيب لظاهر القرآن واستدراك على الملك العلام نعوذ بالله من الخذلان.
( الصفحة رقم: 60)
ثم إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال في الحديث الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم-: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم" ولا شك أن نبينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- هو خاتم الأنبياء وأفضلهم وسيدهم وأنصحهم لأمته وأوضحهم بيانًا وأفصحهم لسانًا، فلو كان الاحتفال بالمولد خيرًا وقربة لبادر -صلى الله عليه وسلم- لبيانه لأمته ولدلهم عليه وحثهم، فلما لم ينقل ذلك علمنا قطعًا أنه لا خير فيه، فضلاً عن كونه قربة لله سبحانه.
ثم أيضًا يقال لمن أراد الاحتفال بالمولد النبوي: في أي يوم تحتفل؟ وذلك لأن أهل السير قد اختلفوا في مولده -صلى الله عليه وسلم-. فمنهم من قال: في رمضان، ومنهم من قال: في ثامن ربيع الأول، ومنهم من قال: إنه في ثاني عشر ربيع الأول وقيل غير ذلك. فكيف يتم لكم الاحتفال؟ أم هل ترى ولادته قد تكررت؟ إن الاضطراب في تحديد تاريخ ولادته التي هي مبنى الاحتفال؟ عند من يحتفل به دال على أنه ليس من الشرع في شيء؛ إذ لو كان مشروعًا لاعتنى المسلمون بضبطه وبيان شأنه، شأن مسائل الشرع والقرب الأخرى.
ثم أيضًا يقال: هب أن مولده -صلى الله عليه وسلم- في ربيع الأول فإن وفاته -صلى الله عليه وسلم- كانت أيضًا في شهر ربيع الأول أي في
( الصفحة رقم: 61)
نفس الشهر فليس الفرح بمولده بأولى من الحزن على وفاته -صلى الله عليه وسلم-. وهذا ما لم يقل به أحد من قبل.
هذا وإن هذه المسألة واضحة بحمد الله لمن أمعن النظر ودققه وبحث ومحّص ولم يكن ديدنه التقليد دون دليل، وإن هذه المسألة مما لبّس به إبليس لإغواء بني آدم وإضلالهم وقد وجد في هذه الموالد من المفاسد ما يظهر معه جليًا أنها تلبيس إبليس وذلك من أمور:- منها: اعتقاد التقرب إلى الله بهذا الاحتفال، وقد قدمنا أن الأصل في القربات التوقيف والدليل، ولا دليل هنا.
ومنها: ما يحصل فيها من منكرات عظيمة؛ منكرات عقدية، ومنكرات أخلاقية، فمن المنكرات العقدية وهي أخطرها ما يحدث فيها من المدائح التي قد جاء في بعضها الغلو فيه -صلى الله عليه وسلم- حتى أوصلوه لمرتبة الألوهية وصرفوا الدعاء له، قال البوصيري في بردته:


يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم

نعوذ بالله من الخذلان، فأين رب السماوات والأرض؟ أين الرحيم الرحمن؟ إذا صرف للرسول -صلى الله عليه وسلم- اللوذ وخصه بذلك في حال الشدّة.
ويقول أيضًا في مبالغة أخرى وغلو زائد:
( الصفحة رقم: 62)


فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم

ولا شك أن هذا محض حق الله، وقد صرفه للرسول -صلى الله عليه وسلم- دفعه لذلك الغلو الزائد وإرجاف إبليس وجنده الذين ينشطون في مثل هذه المواطن. وهذا من الشرك الذي أخبر الله أنه لا يغفره نسأل الله السلامة والعافية.
ومما يحدث في الموالد المنكرات الأخلاقية، وما يحدث فيها من اختلاط الرجال بالنساء بل ورقصهن معهم والسهر الطويل على ذلك، حتى أضحت مرتعا للفساق والبطالين ومناخا مناسبا لهم.
ومنها: ما قام به البعض من الإنكار على من لم يعمل هذه الموالد بل وصل ببعضهم الأمر حتى كفروهم وكفروا من ينكرها.
ولا شك أن هذا من استدراج الشيطان لهم وتزيينه لهم وإشراب قلوبهم هذه البدعة المنكرة والعياذ بالله، فابتدعوا بدعة وعملوا بها ثم كفروا من لم يتابعهم ومن أنكر عليهم نصحا لهم ليردوهم إلى دين الله القويم، وهذا من شؤم البدع والمعاصي إذ لا تزال بصاحبها حتى ترديه والعياذ بالله.
هذا وربما استدل بعض من يقيم هذه الاحتفالات بأدلة يظنها حقًا وهي في الحقيقة سراب بقيعة، وهي دائرة بين نص صحيح غير صريح بل ومحرف عن موضعه، وبين نص ضعيف لا تقوم به حجة. فمن ذلك ما استدل به
( الصفحة رقم: 63)
بعضهم من قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ، قال: إن الفرح به -صلى الله عليه وسلم- مطلوب بأمر القرآن وذكر الآية ثم قال: فالله أمرنا أن نفرح بالرحمة والنبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم الرحمة، قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، هكذا قال واستدل.
فنقول وبالله التوفيق والسداد: أولا: هذا الاستدلال بالآية لم يسبقه إليه السلف ولا قالوا به، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه وإحداث أمر لم يعهده السلف مردود على صاحبه، ومدار تفاسير السلف لهذه الآية وأقوالهم فيها على أن فضل الله ورحمته يراد بها الإسلام والسنة، كما بين ذلك ابن القيم -يرحمه الله- في كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية).
ثم يقال أيضًا لهذا المستدل: إنك فسرت الرحمة هنا والفرح بها بالمولد النبوي والفرح به، وعضدت ذلك بقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وهذه الآية في إرساله -صلى الله عليه وسلم- لا في مولده وبين مولده وإرساله ما يقارب الأربعين عامًا. وهكذا جميع النصوص التي فيها وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- بالرحمة إنما يوصف بها بعد البعثة
( الصفحة رقم: 64)
والإرسال والنبوة ولم يثبت فيما نعلم وصف مولده بالرحمة، فلا يتم له الاستدلال بالآية، لو سلمنا له.
وربما استدل بعضهم بما أخرجه البيهقي عن أنس رضي الله عنه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عق عن نفسه فخرج السيوطي على هذا الحديث عمل المولد.
ويجاب عن هذا بأن الحديث ضعيف أنكره أهل العلم بالحديث، قال مالك -رحمه الله- لما سئل عن هذا الحديث: (أرأيت أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين لم يعق عنهم في الجاهلية أعقوا عن أنفسهم في الإسلام، هذه الأباطيل) ا. هـ.
والحديث فيه عبد الله بن محرر وهو ضعيف قال عبد الرزاق (رحمه الله) بعد أن ذكر الحديث في مصنفه: (إنما تركوا ابن محرر لهذا الحديث) ذكر ذلك ابن القيم في تحفة المودود. وفي مسائل أبي داود أن الإمام أحمد -رحمه الله-، لما حدث بهذا الحديث قال: (هذا منكر)، وضعف عبد الله بن محرر .
بل قال البيهقي -رحمه الله- راوي الحديث: روى عبد الله بن محرر في عقيقة النبي -صلى الله عليه وسلم- عن نفسه حديثًا منكرًا وذكر الحديث بإسناده ثم قال: (قال عبد الرزاق : إنما تركوا عبد الله بن محرر لحال هذا الحديث، وقد روي من وجه آخر عن قتادة، ومن وجه آخر عن أنس وليس بشيء). اهـ. وكذلك حكم النووي -رحمه الله- على الحديث بالبطلان، وبهذا يتبين
( الصفحة رقم: 65)
سقوط الاستدلال به لما عرفت من حاله.
ولهم استدلالات أخرى كلها لا تقوم بها حجة وإنما هي كما قال تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ، وما هي إلا اتباعًا للمتشابه الذي أخبر سبحانه أن اتباعه هو طريق أهل الزيغ. وبهذا يتضح لك أيها الموفق أن هذه الاحتفالات والأعياد بدعة ما أنزل الله بها من سلطان وأنها مضاهاة لما عليه النصارى الضالون من تكثير الأعياد والاحتفالات وما ذاك إلا لقلة الدين وضعف العلم.
وقد أخبرنا -صلى الله عليه وسلم- بذلك حيث قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" نسأل الله لنا ولسائر المسلمين التوفيق والسداد والهداية لطريق الحق والرشاد.
وفي ختام هذه الكلمة أوصي نفسي وسائر إخواني المسلمين بتقوى الله في السر والعلن والتحقق في ذلك وأن يكون ديدن الجميع طلب الحق والعمل، وأوصي إخواني المسلمين جميعًا بالتفقه في الدين وطلب العلم ليعبدوا الله على بصيرة ولينالوا الخيرية، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" فعليكم إخواني بالتفقه في دينكم وتعلم العلم الشرعي المتين المبني على الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح، وألا تقدموا على أمر إلا بعلم، ولا تحجموا عنه إلا بعلم، ومتى أشكل عليكم الأمر واشتبهت عليكم الطرق فعليكم بسؤال أهل العلم المعروفين باتباع الحق والعمل به امتثالاً لأمر ربكم عز وجل حيث يقول سبحانه: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ . كما أوصي إخواني من العلماء وطلاب العلم أن يتقوا الله فيما علموا وأن يبينوا للناس ما خفي عليهم من أمر دينهم وأن يجتهدوا في طلب الحق بدلائله من الكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح وينشروا ذلك بين الناس، فإن الله قد أخذ على أهل العلم الميثاق على أن يبينوا للناس ما علموا مما يحتاجون إليه وحذر من اتباع سبيل من كتمه ويشتري به ثمنًا قليلاً، فقال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ وقال سبحانه في شأن من لم يرفع بالعلم رأسا: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ .
( الصفحة رقم: 66)
وأنتم يا علماء الإسلام، ورثة الأنبياء وخلفاءهم في تبليغ رسالة الله، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
ولا يصدنكم عن الحق وبيانه كثرة من ضل، فإن الكثرة لا تدل على أن الحق في جانبهم بل إن الله قد ذم الكثرة في مواضع، منها قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ وقوله: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ، وقوله عز وجل: وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، كما أن القلة لا تعني أن الحق ليس معهم فإن الله قد أثنى على القلة في مواضع فقال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ، وقال سبحانه: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ، وغير ذلك من الآيات.
( الصفحة رقم: 68)
فعلم بهذا أن العبرة إنما هي بالحق وإن كنت وحدك كما قاله بعض السلف.
وكذلك أيضا يجب على العالم ألا ينساق لما اعتاده الناس وجروا عليه مما يخالف الشرع بل عليه البلاغ والبيان وإن رفضه الناس والله سبحانه يقول: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ .
ووصية أخيرة لحكام المسلمين وولاة أمورهم وأمرائهم بأن ينصحوا لرعاياهم ومن تحت أيديهم وأن يحملوهم على الحق، وأن يحكموا فيهم شرع الله وأن يسعوا في رفع البدع والضلالات عن بلدانهم فإن الله سائلهم عن ذلك كله، يقول -صلى الله عليه وسلم-: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والإمام راع ومسئول عن رعيته . نسأل الله سبحانه أن يفتح على قلوب الجميع وأن يرزقنا جميعًا الصلاح والهداية وحب هذا الدين والعمل على نشره وتوعية الناس به.
كما أسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمور المسلمين للحكم بشريعته والعمل بما يرضيه، وأن يرزقهم البطانة الصالحة ويسددهم في القول والعمل وأن يغفر لنا جميعًا ويتجاوز عن تقصيرنا وخطايانا ويلهمنا الصواب ويوفقنا للعمل به إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه وسار على نهجه إلى يوم الدين.



  سابق     تالي