تصفح برقم المجلد > الجامع لخطب عرفة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ > خطبة عام 1405 الهجري

( الصفحة رقم: 80 )

خطبة عام 1405 الهجري

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إن الحمد لله ، نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، فمن يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أما بعد:
[ الوصية بتقوى الله -عز وجل- ، وأن أعظم نعمة من الله بها على المؤمنين أن هداهم للإسلام ]
أيها الناس ، اتقوا الله حق التقوى.
عباد الله ، إن أعظم نعمة من الله بها على المؤمنين أن هداهم للإسلام ، ومن عليكم بمعرفة الإسلام وقبوله والعمل به ، فتلكم يا عباد الله نعمة عظمى لا تساويها أي نعمة ، سائر النعم بعدها مزيد فضل وإحسان من رب العالمين ، ولقد ذكر الله عبادة المؤمنين هذه النعمة وعرفهم قدرها وبين لهم فضلها: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
كان الناس قبل الإسلام في ضلال مبين ، لا يعرفون حقا من باطل ، ولا يميزون هدى من ضلال ، يعيشون في جهالة عمياء ، لا يفرقون بين معروف ومنكر ، حتى جاء الله بالإسلام فهداهم به بعد العماية ، واستنقذهم به من
( الصفحة رقم: 81)
الضلالة وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا .
أيها المسلم ، اعرف قدر الإسلام ، اعرف قدر هذه النعمة واحمد الله عليها ، وأد واجب شكر هذه النعمة بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه ، اشكر الله على أن هداك لهذا الدين وقد أضل عنه الأكثرين إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ، وقال منوها بشأن هذه النعمة: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فاعرف قدر هذه النعمة وازدد لله شكرا وثناء ، لقد ذكر الله عن المؤمنين الراسخين في العلم الذين عرفوا قدر هذه النعمة أنهم في كل آن وحين يسألون الله الثبات على الإسلام ، قال -جل جلاله- مخبرا عنهم في دعائهم: رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ، فاسألوا الله إذ هداكم للإسلام أن يثبتكم عليه وأن لا يزيغ قلوبكم عنه .
[ أصل هذا الدين وقاعدته التي بني عليها هو تحقيق الشهادتين ]
أيها المسلمون ، إن أصل هذا الدين وأساسه وقاعدته التي بني عليها تحقيق الشهادتين : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله. فهذان ركنا التوحيد الذي لا يستقيم إسلام عبد إلا بتحقيق هاتين الكلمتين ، فشهادة أن لا إله إلا الله تحقيقها إخلاص الدين لله ، أن تكون عبادتك كلها خالصة لله ، لا شريك لله في ذلك ، هذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله ، أن تصرف جميع أنواع العبادة لمستحقها وهو الله جل جلاله : فدعاؤك لله وحده لا تدعو معه غيره ، لا تذبح إلا لله ، لا تنذر إلا لله ، لا تستغيث إلا بالله ، لا ترجو إلا الله ،
( الصفحة رقم: 82)
لا تخاف الخوف الحقيقي إلا من الله ، فالله معبودك تألهه قلبك حبا وخوفا ورجاء. إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله تحتم على العبد إخلاص الدين لله ، والبراءة من كل معبود سوى الله ، بأن يعتقد اعتقادا جازما أن العبادة حق لله لا حق لمخلوق كائنا من كان في شيء منها ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ ، شهادة أن لا إله إلا الله تقتضي نفي العبادة عن كل ما سوى الله ، وإثبات العبادة بجميع أنواعها لله وحده لا شريك له.
[ خلق الله الجن والإنس لتحقيق شهادة : أن لا إله إلا الله ]
أمة الإسلام ، شهادة أن لا إله إلا الله هي الكلمة التي لأجل تحقيقها والقيام بها خلق الله الثقلين الجن والإنس : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ، فما خلق الثقلان إلا ليعمروا الأرض بطاعة الله ، ويقيموا عليها دين الله.
[ كلمة التوحيد هي مرتكز دعوة جميع الرسل عليهم السلام ]
أمة الإسلام ، كلمة التوحيد: لا إله إلا الله مفتاح دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم ، فما بعث الله رسولا من رسله إلا ابتدأ قومه بدعوتهم إلى تحقيق لا إله إلا الله ، إلى العمل بمقتضى كلمة التوحيد لا إله إلا الله ، هكذا ابتدأ الرسل دعوتهم إلى قومهم من نوح -عليه السلام- إلى آخرهم وسيدهم وأكملهم محمد صلى الله عليه وسلم وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا ، قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وهكذا قال هود لقومه ، وصالح، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، وسائر أنبياء الله ، ابتدءوا دعوتهم بالدعوة إلى التوحيد الخالص ، إلى إخلاص الدين لله
( الصفحة رقم: 83)
وترك عبادة غير الله -عز وجل- كائنا من كان ، بين الله ذلك في كتابه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ ، وأخبر تعالى أن الحكمة من إرسال الرسل دعوة الخلق إلى عبادة الله وتحذيرهم من عبادة ما سواه وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ .
أمة الإسلام ، إن هذه الكلمة العظيمة لا يكفي أن ننطق بها باللسان ، بل لا بد أن نعمل بمقتضاها وما دلت عليه علما وعملا ، صدقا وإخلاصا ويقينا ، فإنها كلمة عظيمة ، من لقي الله بها مخلصا من قلبه دخل الجنة ، ومن كانت آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة ، ولكن لا بد من اعتقاد ما دلت عليه من نفي كل معبود سوى الله ، وإخلاص الدين لله وحده لا شريك له.
[ بعض الأعمال المناقضة لمقتضى (لا إله إلا الله) ]
أمة الإسلام ، كم من أناس يقولون: لا إله إلا الله. ولكن يأتون بما يضادها ويهدم أساسها ، ويقضي على ما دلت عليه ، يقولون: لا إله إلا الله. وترى منهم تعظيما لغير الله ، عبادة لغير الله ، صلاة لضرائح الأموات ، تقريب القربان لهم ، وفي الشدائد يهتفون بأسمائهم ويدعونهم من دون الله ، يستغيثون بهم من دون الله ، يسألون الأموات والغائبين تفريج الكربات وإزالة الهموم ورفع البلاء ، وكل ذلك مناقض لمقتضى لا إله إلا الله ، فإن هذه الكلمة قائلها إخلاص الدين الله.
[ أول ما بدأ به النبي -صلى الله عليه وسلم- بالدعوة إلى الله ( لا إله إلا الله ) ]
ولما بعث الله عبده ورسوله محمدا خاتم الأنبياء والمرسلين ، ابتدأ بالدعوة إلى لا إله إلا الله ، فطالب قومه العرب أن ينطقوا بها ويعملوا بمقتضاها وما دلت عليه ، فلما علم القوم أن هذه الكلمة تفرض عليهم خَلْعَ كل معبود سوى الله ،
( الصفحة رقم: 84)
وتلزمهم إخلاص الدين لله والبراءة من كل معبود سوى الله ، أبوا أن يتكلموا بها ، أبوا أن ينطقوا بها وقالوا : أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ، وقال الله عنهم: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ فما زال -صلى الله عليه وسلم- يدعو قومه للا إله إلا الله ، ويقيم الحجج والبراهين على صحة التوحيد ووجوب إفراد الله بالعبادة ، ويدحض شبه المشركين القائلين: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى .
مكث بمكة بضع عشرة سنة مهمته الأساسية الدعوة إلى توحيد العبادة ، إلى إخلاص الدين لله ، إلى إزالة الشرك ، إلى تثبيت العقيدة في قلوب العباد؛ لأن التوحيد هو الأساس ، والأعمال كلها تابعة ومتممة له ، إنما الأساس تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله ، إيمانا بالله ، وإفرادا لله بكل أنواع العبادة ، وبراءة تامة من كل معبود سوى الله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ، لا بد من التوحيد ، من البراءة من كل معبود سوى الله ، واعتقاد أن من عبد غير الله فإنه ضال ضلالا مبينا ، مهما كان قصده ، ومهما كانت نيته.
[ معنى شهادة أن محمدا رسول الله ]
أمة الإسلام ، وثاني الشهادتين اللتين هما أصل الدين وقاعدته: شهادة أن محمدا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ومعناها : طاعته فيما أمر ، وتصديقه فيما أخبر ، واجتناب ما عنه نهى وزجر ، وألا يعبد الله إلا بما شرع.
ومن تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله الإيمان برسالته صلى الله عليه
( الصفحة رقم: 85)
وسلم ، والإيمان بأنه عبد الله ورسوله ، وخيرته من خلقه ، أرسله إلى الناس جميعا برسالة شاملة تامة ، افترض على العباد طاعته ، نسخ بشريعته كل الشرائع ، وألزم الخلق كلهم طاعته ومحبته والإيمان به ، فإن أصل محبته أصل الإيمان وكمالها كمال الإيمان.
[ الخصال التي تتحقق بها شهادة أن محمدا رسول الله ]
تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله: أن تؤمن بأن هذا الرسول الكريم هو واسطة بين الله وبين عباده في تبليغ شرعه ودينه ، وأنه لا طريق لنا إلى معرفة دين الله والوصول إلى رضا الله إلا من طريق هذا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- تسليما كثيرا ، يحبه المؤمن محبة فوق محبة المال والأهل والولد والنفس والناس أجمعين ، يقول -صلى الله عليه وسلم- : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم- مرة وهو آخذ بيده: يا رسول الله ، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- " لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك". فقال له عمر : فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي . فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الآن يا عمر طاعته -صلى الله عليه وسلم- من طاعة الله -عز وجل-: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، فتطيع أمره وتجتنب نهيه وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ
( الصفحة رقم: 86)
وعليك مع ذلك تصديق خبره -صلى الله عليه وسلم- وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ .
[ من مقتضيات الإيمان تعظيم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وموالاته والسير على نهجه ]
أمة الإسلام ، إن المؤمن حقا هو من كان في قلبه تعظيم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وفي قلبه حب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وفي قلبه موالاة لرسول الله فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْـزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، يجد نفسه حريصا على اتباع هذا النبي الكريم واقتفاء أثره والسير على نهجه ، يصلي كما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، يحج كما حج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، يسير في منهج حياته على وفق الهدي النبوي الكريم ، هكذا حال المحبين له الذين سيردون حوضه إن شاء الله ، وسيحشرون في زمرته ، وسيدخلون الجنة معه بفضل الله وكرمه ، فعظموا سنة رسول الله وأحبوا رسول الله محبة من أعماق القلوب ، قدموا سنته على قول كل أحد كائنا من كان ، يقول -صلى الله عليه وسلم- : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به
[جعل بعض الجهال محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسيلة للغلو فيه]
أمة الإسلام ، إن البعض من الجهال حرفوا وغيروا هذه المحبة الشرعية وعدلوا بها عن حقيقتها ، واتخذوا من محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسيلة للغلو فيه وإطرائه وتعظيمه فوق تعظيم الله -عز وجل- ، فأولئك قد حرفوا الكلم عن
( الصفحة رقم: 87)
مواضعه ، وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم ، فحبنا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يقتضي أن نصرف له شيئا من أنواع العبادة ، فالعبادة بكل أنواعها حق لله -عز وجل- ، وقد أمره الله أن يقول : قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ، فهو إنما بعث ليدعو العباد إلى عبادة الله ، ما بعث ليعظم من دون الله ، ولا ليستغاث به من دون الله ، ولا ليستنصر به من دون الله مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، وهو -صلى الله عليه وسلم- من أعظم الناس بعدا عن الشرك ، حذرنا أن نغلو فيه فقال : إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين وقال: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبده ، فقولوا : عبد الله ورسوله
[ حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته قبل أن يموت عن الغلو فيه ]
ولما علم -صلى الله عليه وسلم- أن سبب ضلال الضالين قبلهم من الأمم غلوهم في أنبيائهم حذر أمته من ذلك ، فقال -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يموت بثلاث: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، إني أنهاكم عن ذلك بل في سياق الموت وهو يعاني سكرات الموت وأهواله وكربه لم يمنعه من ذلك من أن ينصح أمته
( الصفحة رقم: 88)
ويحذرهم من أسباب الشرك ، قالت عائشة -رضي الله عنها- : لما نزل برسول الله – أي نزل به الموت – جعل يطرح خميصة له على وجهه ، فإذا اغتم بها كشفها وقال : " لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأبرز الصحابة قبره ، غير أنهم خشوا أن يتخذ مسجدا ، يقول -صلى الله عليه وسلم- : اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فإذا كان هذا في حقه -صلى الله عليه وسلم- فكيف هو حال من دونه ممن يُغْلَى فيه ويُعَظَّم من دون الله ، ويستغاث به من دون الله ، ويطاف بضريحه من دون الله ، وتقرب القرابين له من دون الله؟! تعالى الله عما يقوله الكافرون والظالمون علوا كبيرا.
[ على العلماء أن يدعوا إلى الله على علم وبصيرة ، والدعوة إلى العقيدة الصحيحة ومحاربة كل ما ينافيها ويناقضها ويكدر صفوها ]
علماء الإسلام ، إن الله ائتمنكم على ما حملكم من العلم ، فأدوا أمانة العلم ، ادعوا إلى الله على علم وبصيرة ، بصروا المسلمين في دين الله ، حذروهم مما شاب عقيدتهم الصحيحة من البدع والجهالات ، أروهم الحق حقا والباطل باطلا ، ادعوا إلى الله على علم وبصيرة بحكمة وموعظة حسنة ، أوضحوا دين الله لتكونوا من القائمين بالعلم حق القيام ، أوضحوا وأرشدوا وبينوا ، والله -جل جلاله- يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ، أدوا أمانة العلم التي حملكم الله إياها ، وإن لم تفعلوا فاحذروا سخط الله ، إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ،
( الصفحة رقم: 89)
فكونوا علماء حق ودعاة خير وهدى .
دعاة الإسلام ، دعاة الإصلاح ، إن كل داع إلى الله لا بد أن يسير في دعوته على الطريق الذي سار عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنه- ، ومن سلك طريقهم واتبع أثرهم ، فهو الطريق الصحيح والمنهج القويم الذي يحقق للداعي إلى الله قبولا وثباتا بتوفيق الله قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، هكذا يكون الداعي المخلص ، هكذا يكون الداعي الصادق ، وكم من دعوات تدعو إلى الإسلام وينادي أهلها بأنهم دعاة الإسلام وهم بعيدون عن منهج محمد -صلى الله عليه وسلم- ، لا يهتمون بشأن التوحيد ولا يهتمون بالعقيدة ، بل لهم نظم وأمور أخرى الله أعلم بحالها ، تسموا بالإسلام وتستروا به ، والله يعلم ما وراء ذلك ، إن هم إلا كما قال الله : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ، فالداعي المخلص هو الذي دعا إلى التوحيد الذي دعا إليه محمد -صلى الله عليه وسلم- ، تلكم هي الدعوة الباقية والدعوة الصالحة المعتمدة على المنهج السليم.
[ خيرية هذه الأمة ، وإنها لا تجتمع على خطأ ]
أمة الإسلام ، أمة القرآن ، أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ، أنتم الأمة المرحومة ، أنتم الأمة المعصومة ، أنتم خير الأمم وأحبها إلى الله ، أنتم خير أمة أخرجت للناس كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، جمع الله لكم الخير من أطرافه ، فبعث الله فيكم سيد ولد آدم ، أفضل أنبيائه وأشرفهم على الإطلاق ، وأنزل عليه خير كتبه مهيمنا على ما سبق ، واختار الله لكم أكمل الدين وأتمه
( الصفحة رقم: 90)
ورضي لكم الإسلام دينا ، ضمن لكم العصمة على أن لا تجتمعوا على خطأ ، جعل دينكم باقيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
أيها المسلمون ، إن أعداءكم يحسدونكم على هذا الشرف العظيم ، ويريدون أن يجعلوكم تابعين لهم بعدما كانوا تابعين لكم وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ، يريدون أن يشككوكم في إسلامكم ، يشككوكم في دينكم ، يضعفوا ثقتكم بهذا الدين ، حتى يسوء ظنكم بإسلامكم فتفتقدوا قيمتكم ومكانتكم وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ، فإن تمسكتم بهذا الدين كانت لكم الكلمة العليا ، وكنتم خير أمة أخرجت للناس.
[ الإشارة إلى محاسن الدين الإسلامي وإن فيه سعادة الدنيا والآخرة ]
أمة الإسلام ، إن أعداءكم يزعمون أن تخلفكم إنما هو نتيجة تمسككم بهذا الدين ويأبى الله ، فهذا الدين دين القوة والعزة ، دين الرقي والتقدم ، دين يوازن بين الحياة الدنيا والآخرة ، دين يدعو أتباعه إلى الجد والنشاط ، وإلى العمل الدائم ، يدعوهم إلى استغلال الخيرات ، إلى عمارة الأرض بطاعة الله ، إلى أن يستعملوا نعم الله فيما يقربهم إلى الله اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ، دين فيه سعادة الدنيا والآخرة ، فإن أي تخلف ، وإن أي بلاء في الأمة الإسلامية إنما سببه البعد عن هذا الدين ، إنما سببه التخلف عن تعاليم الشريعة ، يقول الله -عز وجل- : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ،
( الصفحة رقم: 91)
فتمسكوا بهذا الدين واعملوا به تفلحوا .
أمة الإسلام ، احذروا مكائد أعدائكم الذين يحاولون تفريق صفوفكم وتشتيت شملكم ، يحاولون أن يجعلوا بعضكم عدوا لبعض ، يصنعون أسلحة الدمار والخراب ليقتل به بعضكم بعضا.
فيا أمة الإسلام ، عودوا إلى الإسلام ، عودوا إلى تعاليمه وقيمه ، عودوا إلى مبادئه السامية ، لنكون خير أمة أخرجت للناس كما أراد الله لنا ذلك ، ولنكون أخوة متحابين متراحمين مترابطين كما وصفنا الله بذلك : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ .
[ على الأمة المسلمة أن تحذر من مكائد أعدائها الذين يحاولون تفريق صفوفها ]
أمة الإسلام ، إن أمن الأمة الإسلامية مسئولية ملقاة على عاتق المسلمين جميعا ، إذ المسلمون كالجسد الواحد يتألم الكل بتألم البعض منهم ، يقول -صلى الله عليه وسلم- : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فالأمة الإسلامية جزء لا يتجزأ ، أفيرضى منتسب للإسلام ومتسم به أن يكون نصير إجرام أو إرهاب؟ أفيسمح لنفسه أن يكون منطلق الإجرام والإضرار بالمسلمين؟! كلا لا يرضى بذلك مسلم ، بل المسلم يهمه استقامة إخوانه المسلمين ، يهمه استقرارهم وأمنهم وطمأنينتهم ، ولا يرضى أن يكون جسرا يعبر عليه أعداء الإسلام ، ليفرقوا شمل الأمة ويضربوا بعضها ببعض ، فالمسلم عين ساهرة على مصالح المسلمين في شرق الأرض أو غربها ، هكذا يريد الإسلام منا ، فلنكن كذلك.
( الصفحة رقم: 92)
[ الحج مظهر وحدة المسلمين وقوة دين الإسلام وعظمته ]
حجاج بيت الله الحرام ، اليوم وقد انتظم شملكم في هذا المكان المبارك أتيتم من أماكن شتى ، من أقطار الدنيا استجابة لأمر الله وتلبية لنداء الخليل: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ، تلكم المنافع التي تعود على القلوب بالصلاح والاستقامة ، خرج المسلم من بلده ، فارق أهله ووطنه وماله طاعة لربه ، ارتدى لباس الإحرام طاعة لربه ، وقد طاف بالبيت وبالصفا والمروة ووقف في تلكم المشاعر كلها طاعة لله وتنفيذا لأمر الله ، فيعود ذلك على إيمانه بالقوة والثبات ، إنه يرى عظمة الإسلام ، فهذه الأمة المجتمعة متباينة أقطارهم ، مختلفة ألوانهم وأجناسهم ، جمعتهم قوة الإيمان ووحدتهم رابطة الإسلام ، إن المسلم وهو يرى هذا الإسلام ويرى تمسك المسلمين به ، ليتذكر أيضا قضية أخرى ، وهو أن هذا الدين قد تكفل الله بنصره ، لم يكل نصره للرجال ، فكل جيل يخلف من قبله ، فلو كان أمره للرجال لا نقضي بانقضائهم ، ولكن الله تكفل به إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ .
[ على الحجاج أن يشكروا الله على أن وفقهم للوصول إلى هذا البلد الأمين ]
حجاج بيت الله الحرام ، اشكروا الله على نعمته أن وفقكم للوصول إلى هذا البلد الأمين ، وجدتم هذا البلد آمنا مطمئنا يعيش في رغد من العيش ، في أمن واستقرار وطمأنينة ، يعيش متكاتفا متحابا متعاونا بين الشعب ، والقيادة أعظم تعاون وترابط ، كل ذلك بفضل الإسلام وبفضل تحكيم هذه الشريعة وإقامة حدود الله وتنفيذ شرع الله ، فتلك آثار هذه العقيدة الصحيحة ، نسأل الله لنا ولهم الثبات على الحق ، والاستقامة على الهدى .
( الصفحة رقم: 93)
أمة الإسلام ، إن من يعيد النظر في تاريخ الأمة الإسلامية يرى أن المسلمين بعد القرون الأولى يعانون أشد المتاعب والمشاق للوصول إلى بيت الله الحرام ، يعانون المشاق والمتاعب ما بين قطاع طرق ، وما بين قلة في الماء والطعام وغير ذلك ، ولكن الله بفضله وكرمه منَّ في هذه العصور الأخيرة بهذه الحكومة الرشيدة التي نذر رجالها أنفسهم خدمة للإسلام والمسلمين ، ورأوا أن خدمة الحجيج عملا صالحا يتقربون به إلى الله ، بذلوا كل جهدهم في سبيل راحة الحاج ، يأتي الحاج من بلده لا سلاح يصطحبه ولا طعام يحمله ، إنما يرى الأمن والرغد ، كل ذلك بفضل الله ورحمته ، فنسأل الله لهم التوفيق والإعانة ، وأن يجازيهم عما فعلوا بالمسلمين خيرا.
إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعدي بن حاتم : هل رأيت الحيرة " ؟ قال : قلت : لم أرها ، وقد أنبأت عنها. قال: " فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ، لا تخاف أحد إلا الله لقد تحقق ذلك في القرون الأولى وفي هذا الزمن – ولله الفضل والمنة – ، فهذا البلد الحرام فيه أمن واستقرار وطمأنينة ، نسأل الله أن يوفق قادة هذه البلاد لما يحبه ويرضاه ، وأن يجعلهم أئمة مهتدين غير ضالين ولا مضلين ، وأن ينصر بهم دينه ويعلي بهم كلمته ويخذل بهم أعداءه.
[ الحج فريضة العمر ، من أداها فقد أدى الواجب ]
حجاج بيت الله الحرام ، إن الله افترض الحج على أمة الإسلام ، وجعلها فريضة العمر ، من أداها في عمره مرة فقد أدى الواجب وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا .
( الصفحة رقم: 94)
[ بيان صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم ]
حج نبيكم -صلى الله عليه وسلم- حجة واحدة في عمره هي حجة الوداع ، حجها في العام العاشر من الهجرة ، وصار المسلمين معه ينظرون إلى أقواله وأعماله ، يقتفون أثره ويسرون على منهاجه ، وهو يقول لهم عقب كل قول يقوله أو عمل يفعله: خذوا عني مناسككم ، لعلي لا أراكم بعد عامي هذا وقف بعرفة وقال : كل عرفات موقف ، وارفعوا عن بطن عرنة وأخبر أن الحج عرفة وصلى في هذا المكان الظهر والعصر جمعا وقصرا ، كما سنفعله إن شاء الله ، وذلك ليتفرغ الحاج للذكر والابتهال والاستغفار ، خطبهم قبل ذلك خطبة بين لهم فيها حرمة الدماء والأموال وحرمة الربا ، وألغى مسائل الجاهلية ، واستشهدهم على أنه قد بلغهم فقال لهم : ألا هل بلغت ؟ " قالوا : نشهد أنك أديت ونصحت وبلغت ، فرفع إصبعه إلى السماء ونكتها إلى الناس وقال : " اللهم اشهد والمسلم يشهد حقا أنه قد أدى الأمانة ، وبلغ الرسالة ، ونصح الأمة ، وجاهد في الله حق جهاده.
وقف نبيكم بعرفة إلى أن غربت الشمس ، وحذرهم من الانصراف من عرفة حتى تغرب الشمس قائلا لهم : هدينا مخالف لهديهم انصرف بعد ذلك لمزدلفة بسكينة ووقار ، وصلى بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا ، وبات بها وأذن للضعفة في الانصراف عن مزدلفة بعد نصف الليل ، صلى بمزدلفة الفجر ثم أفاض إلى منى فرمى الجمرة ونحر هديه وحلق رأسه ، ثم طاف بالبيت صلوات الله وسلامه عليه.
فكن أيها الحاج مقتفيا أثر نبيك ، قف بعرفة إلى الغروب ولا تنخدع بمن
( الصفحة رقم: 95)
يقول: ادفع قبل الغروب ، بت بمزدلفة إلى أن يمضي معظم الليل ، وإن شئت أكمل فصلي بها الفجر ، ارمي الجمرة بعد نصف الليل ، وإن أردت الكمال فبعد طلوع الشمس ، انحر هديك إن كنت متمتعا أو قارنا ، واحلق رأسك ثم طف بالبيت ، واسع بين الصفا والمروة ، وإن قدمت شيئا على شيء فلا حرج عليك ، لو قدمت الحلق قبل الرمي ، أو النحر قبل الرمي ، أو الطواف قبل الرمي ، فلا حرج عليك؛ تيسير وتسهيل من الله ، بت أيها الحاج بمنى ليالي التشريق ، وارمي الجمار في اليوم الحادي عشر الأولى والوسطى والعقبة بعد زوال الشمس ، وكذلك في اليوم الثاني عشر ، ثم ودع البيت وانصرف مقبولا منك أعمالك بتوفيق الله.
[ فضل يوم عرفة ]
أيها المسلمون ، هذا يوم عظيم من أيام الله ، هذا يوم عرفة من أفضل أيام الله وأشرفها وأجلها ، يوم المباهاة ، ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول : ما أراد هؤلاء ؟ إن الله يباهي عشية عرفة بأهل عرفة ملائكة السماء يقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين يرجون رحمتي ولم يروا عذابي ، أشهدكم أني قد غفرت لهم " ، ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة ، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام فارفعوا إلى ربكم أكف الضراعة ، ادعوه مخلصين له الدين الجئوا إلى الله في محو ذنوبكم وخطاياكم سلوه الثبات على الإسلام سلوه أن يتقبل حجكم.
( الصفحة رقم: 96)
[ على المسلمين المحافظة على إسلامهم بأداء أركانه وسائر أحكامه ]
أمة الإسلام ، حافظوا على إسلامكم إن البعض من المسلمين يتصور أنه إذا حج فقد سقط عنه واجبات الإسلام ، وكل ذلك من الجهل والغلط ، فيا أيها المسلم حافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها ، إياك والتهاون بها ؛ فإن تركها كفر ناقل عن ملة الإسلام ، أدِّ زكاة مالك ، حافظ على شرائع دينك ، كن أمينا في معاملاتك.
[ توصية شباب الإسلام بتقوى الله والمحافظة على تعاليم دينهم ]
يا شباب الإسلام ، اتقوا الله في أنفسكم وحافظوا على دينكم ، وكونا شبابا صالحا ، مثلوا الإسلام في أقوالكم وأعمالكم ، أظهروا آداب الإسلام وفضائله ، بينوا محاسنه ليقتدي بكم غيركم ، واحذروا أن تكونوا فتنة لأعداء الإسلام إذا رأوا منكم انحرافا عن الصراط المستقيم ، أساءوا الظن بهذا الدين وأهله ، فكونوا دعاة خير ودعاة صلاح ، تمسكوا بهذا الدين واعملوا به ، واسألوا الله الثبات عليه.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن توفقنا لما تحبه وترضاه ، اللهم اغفر لأموات المسلمين ، اللهم اغفر لهم وارحمهم ، وعافهم واعف عنهم ، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم ، واغسلهم بالماء والثلج والبرد ، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم إنا نسألك في هذا اليوم المبارك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا ، لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش الكريم ، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ، اللهم ارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء ، اللهم ارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء ، اللهم اجعلنا من العتقاء من عذابك ، اللهم اجعلنا من العتقاء من عذابك ، اللهم اجعلنا من العتقاء من عذابك ، يا سميع
( الصفحة رقم: 97)
الدعاء ، يا حي يا قيوم ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين ، وانصر عبادك الموحدين ، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين ، يا رب العالمين ، اللهم أمنا في أوطاننا ، اللهم أمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، اللهم وفق إمام المسلمين وولي عهده لما تحبه وترضاه ، اللهم خذ بناصيته لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار .
عباد الله ، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم ، واشكروه على عموم نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر ، والله يعلم ما تصنعون .



  سابق     تالي