تصفح برقم المجلد > من رسائل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ > أقسام المياه

أقسام المياه

لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين ، أما بعد :
إخوة الإسلام ، فإن الله سبحانه قد شرع لنا دين الإسلام ومن علينا بأن أكمله وأتمه ورضيه لنا دينا ، وما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد ، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته ، وقد تلقى هذا الدين والعلم عنه أصحابُه رضي الله عنهم ، فبلغوه كما سمعوه وأدوا أمانته فرضي الله عنهم وأرضاهم ، وهكذا من بعدهم إلى أن وصل إلينا محفوظا مبينا ، وكان الناس في تلقي هذا العلم والنور على درجات ، أكملها من فقه في دين الله ونفعه ما بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأخسرهم صفقة من لم يرفع به رأسا ، فعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري .
فظهر من هذا الحديث أن أفضل خلق الله هو : من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق ، وهو مع ذلك علم العلم ثم علمه فانتفع به في نفسه ونفع به غيره من خلق الله ، وهذا دأب العلماء الربانيين الصالحين المصلحين - نظمنا الله في سلكهم وهدانا لسلوك طريقهم وجادتهم - .
وقد جاء في البخاري أيضا من حديث معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين فعلامة إرادة الله الخير بعبده أن يفقهه في دينه ، هذا وإن لعلمائنا رحمهم الله سلفا وخلفا يدا طولى في بيان دين الله . عقيدة وشريعة على مر القرون ، حتى وصل إلينا سهلا ميسرا عذبا نميرا في بطون الكتب ، لا تحتاج إلا إلى همة في البحث والتعلم ، مع الضراعة إلى الله سبحانه وسؤاله التوفيق والسداد ، ثم إن من المعلوم أن العلماء في المسائل الفقهية خاصة لا زالوا يختلفون ، وأسباب خلافهم كثيرة جدا ، ذكر طرفا منها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه النافع : (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ومن جملة الأسباب : أن يكون العالم أو الإمام لم يبلغه في المسألة الدليل الذي بلغ العالم الآخر فيقول بخلاف قوله . ومنها : أن يبلغه الدليل لكنه يفهمه فهما بخلاف ما فهمه غيره من العلماء ، أو يظن نسخه أو ترجيحه أو غيرها من الأسباب المبسوطة في مظانها ، والواجب على طالب العلم إذا ورد عليه مثل هذه المسائل أن يجتهد في البحث واستقصاء الأدلة وما يرد على الأدلة من مناقشات ويكرر النظر ويدققه حتى يخرج بالرأي الذي تطمئن إليه نفسه ، ويدين به ربه سبحانه ، ثم مع هذا ليتق الله في علماء الأمة وليسلم لسانه من أعراضهم ، أو الطعن في قصورهم ونياتهم ، أو تتبع زلاتهم وهناتهم ، فإن العالم كما لا يتبع في زلته فإنه لا يتبع بزلته ؛ بل يعتذر عنه ويستغفر له ويظن فيه الظن الحسن ما دام على الجادة الحق سائرا وعن كتاب ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم صادرا وإليها واردا ، فذاك حق له الدعاء والاستغفار ، والله تعالى يقول في شأن المؤمنين : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ .
فنسأل الله لعلمائنا المغفرة والرحمة ، كما نسأله سبحانه أن يرفع درجاتهم ويعلي منازلهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويحشرنا وإياهم في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
ولما كان الأمر بهذه المثابة فإنا قد اخترنا أن تكون افتتاحية هذا العدد المبارك من مجلة البحوث ، في مسائل فقهية تمس الحاجة إليها ، وعادة العلماء البداءةُ بكتاب الطهارة ؛ لأنه مفتاح الصلاة والصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين ، ويبدءون من كتاب الطهارة بباب المياه ونحن على سننهم سائرون وبهم مقتدون ، والله سبحانه الموفق والمعين . فنقول : باب المياه فيه مسائل :
المسألة الأولى : في تقسيم الماء وهل هو منقسم إلى قسمين أو ثلاثة ، وبعبارة أخرى هل الطهور بمعنى طاهر أو أنه قسم له ؟
في المسألة خلاف :
القول الأول : ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة ، إلى أن الطهور هو الطاهر المطهر .
أدلتهم :
1 - قوله تعالى : وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ، فقوله : (طهور) يراد به ما يتطهر به ؛ يفسر ذلك قوله تعالى : وَيُنَـزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ .
2 - ما أخرجه الشيخان عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أي مطهرة ، والأمة إنما خصت بجعل الأرض لهم مطهرة لا بكونها طاهرة ، لأنها طاهرة في حق كل أحد .
3 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ماء البحر قال : هو الطهور ماؤه الحل ميتته أخرجه الترمذي .
وجه الدلالة : أن من المعلوم أنهم إنما سألوا عن التطهر بماء البحر لا عن طهارته ، ولولا أنهم يفهمون من الطهور أنه المطهر ، لم يحصل الجواب .
4 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا والمعنى : مطهر إناء أحدكم .
القول الثاني : قول الحنفية ، وهو اختيار الخرقي من الحنابلة ، وهو محكي عن الحسن البصري ، وسفيان ، وأبي بكر الأصم ، وابن داود ، وقول بعض أهل اللغة : إن الطهور هو الطاهر .
أدلتهم :
1 - قوله تعالى : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا .
وجه الدلالة : أن هذه الآية في بيان نعيم أهل الجنة ، ومعلوم أن أهل الجنة لا يحتاجون إلى التطهير من حدث ولا نجس ، فعلم أن المراد بالطهور الطاهر .
2 - قال جرير في وصف النساء :


خليلي هـل فـي نظرة بعد توبة أداوي بهــا قلبــي علـي فجـور
إلى رجح الأكفال هيف خصورها عـــذاب الثنايـــا ريقهــن طهــور

وجه الدلالة : أنه وصف الريق بأنه طهور والريق لا يتطهر به . وإنما مراده أنه طاهر .
3 - قالوا : إن العرب لا تفرق بين الفاعل والفعول في التعدي واللزوم ، فما كان فاعله لازما كان فعوله لازما بدليل قاعد وقعود ونائم ونئوم وضارب وضروب .
وقد أجاب الجمهور عن أدلتهم :
1 - أما قوله تعالى : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا
فيجاب عنه بأن الله تعالى وصف الشراب بأعلى الصفات وهي التطهير .
2 - وقول جرير أجابوا عنه بقولهم : إنه حجة لنا ؛ لأنه قصد تفضيلهن على سائر النساء ، فوصف ريقهن بأنه مطهر يتطهر به لكمالهن وطيب ريقهن وامتيازه على غيره ، ولا يصح حمله على ظاهره ، فإنه لا مزية لهن في ذلك ، فإن كل النساء ريقهن طاهر ، بل البقر والغنم وكل حيوان غير الكلب والخنزير .
3 - وأجابوا عما احتجوا به من حجة اللغة ، بأنه غير مستقيم ؛ لأن العرب فرقت بين الفاعل والفعول ، فقالت : قاعد لمن وجد منه القعود وقعود لمن يتكرر ذلك منه .
فينبغي أن يفرق بينهما هاهنا ، وليس إلا من حيث التعدي واللزوم .
وقد نقل صاحب الاختيارات عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية تحقيقا جيدا في هذه المسألة يحسن إيراده ، قال رحمه الله : وفصل الخطاب في المسألة أن صيغة اللزوم والتعدي لفظ مجمل ، يراد به اللزوم والتعدي النحوي اللفظي . ويراد به التعدي الفقهي .
فالأول هو أن يراد باللازم : ما لم ينصب المفعول به ، ويراد بالمتعدي : ما نصب المفعول به . فهذا لا تفرق العرب فيه بين فاعل وفعول في اللزوم . فمن قال : إن فعول هذا بمعنى فاعل - من أن كلا منهما مفعول به - كما قال كثير من الحنفية ، فقد أصاب . ومن اعتقد أن فعول بمعنى فعل الماضي ، فقد أخطأ .
وأما التعدي الفقهي فيراد به : أن الماء الذي يتطهر به في رفع الحدث ، بخلاف ما كان كالأدهان والألبان .
وعلى هذا فلفظ " طاهر " في الشرع أعم من لفظ طهور فكل طهور طاهر وليس كل طاهر طهور .
وقد غلط الفريقان في ظنهم أن طهورا معدول عن طاهر .
وإنما هو اسم لما يتطهر به . فإن العرب تقول : طهور ووجور لما يتطهر به ويوجر به ، وبالضم للفعل الذي هو مسمى المصدر ، فطهور هو صيغة مبنية لما يفعل به ، وليس معدولا عن طاهر . ولهذا قال تعالى في إحدى الآيتين : وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا وقال في الآية الأخرى : وَيُنَـزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ إذا عرفت هذا فالطاهر يتناول الماء وغيره . وكذلك الطهور فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل التراب طهورا ، ولكن لفظ " الطاهر " يقع على جامدات كثيرة ، كالثياب والأطعمة . وعلى مائعات كثيرة ، كالأدهان والألبان وتلك لا يمكن أن يطهر بها ، فهي طاهرة ليست بطهور . ا هـ .
أما فائدة هذا الخلاف فمن الناس من قال إنه لا فائدة فيه .
ومنهم من رأى أنه فيه فائدة .
فقال القاضي أبو يعلى : فائدته : أنه عندنا لا تجوز إزالة النجاسة بغير الماء لاختصاصه بالتطهير ، وعندهم تجوز لمشاركته غير الماء في الطهارة .
قال أبو العباس : وله فائدة أخرى وهي : أن الماء يدفع النجاسة عن نفسه بكونه مطهرا ، كما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : الماء طهور لا ينجسه شيء ، وغيره ليس بطهور ، فلا يدفع ، وعندهم الجميع سواء . اهـ .
وقول القاضي ومن بعده ابن تيمية عندهم يعني الذين سووا بين الطاهر والطهور وهم الحنفية ومن نحا منحاهم .
هذا وإن مما يدخل في الماء الطهور ما يلي :
ماء السماء ، يقول الله سبحانه وتعالى : وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا
ويدخل فيه ماء الثلج والبرد ، ففي الحديث : " . . . اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد . ويدخل فيه ماء البحر على الصحيح ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : هو الطهور ماؤه الحل ميتته .
ويدخل فيه ماء الآبار ، والأصل فيها حديث بئر بضاعة ، وهي بئر كانت تلقى فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الماء طهور لا ينجسه شيء أخرجه الترمذي وأبو داود .
ويدخل فيه الماء المتغير من طول المكث وهو الماء الآجن .
قال ابن المنذر رحمه الله - بعد أن ساق جملة من الآيات في الماء - قال أبو بكر : قال الشافعي بعد أن ذكر قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ الآية . فكان بينا عند من خوطب بالآية أن غسلهم إنما كان بالماء ، ثم أبان الله في الآية أن الغسل بالماء ، وكان معقولا عند من خوطب بالآية أن غسلهم إنما كان بالماء ، ثم أبان الله في الآية أن الغسل بالماء ، وكان معقولا عند من خوطب بالآية أن الماء ما خلق الله مما لا صنعة فيه للآدميين ، وذكر الماء عاما ، فكان ماء السماء وماء الأنهار ، والآبار ، والقلات ، والبحار ، العذب من جميعه والأجاج سواء ، في أن من توضأ به أو اغتسل به .
قال أبو بكر : أما حمل المياه التي ذكرها الشافعي ، فلا اختلاف بين كل من أحفظ عنه ، ولقيته من أهل العلم أن المتطهر به يجزي ، إلا ماء البحر فإن فيه اختلافا وأخبارا عن بعض المتقدمين ا هـ .
هذا وإنه قد بقي من أنواع المياه غير النجسة التي نحب التنبيه عليها بخصوصها ثلاثة أنواع : الماء المسخن ، وماء زمزم ، والماء المستعمل .
فأما المسخن فنوعان :
1 - المسخن بالشمس ، ويسمى المشمس ، وقد ضبط صاحب المنهاج من الشافعية المشمس فقال : " وضابط المشمس أن تؤثر فيه السخونة بحيث تفصل من الإناء أجزاء سمية تؤثر في البدن لا مجرد انتقاله من حالة لأخرى بسببها " .
وهذا قد كرهه بعض الفقهاء كالشافعي رحمه الله ، وهو المعتمد عند المالكية ، وقول لبعض الحنفية .
وقالوا : إن كراهته من جهة أنه يورث البرص وقد روى الشافعي عن عمر رضي الله عنه كراهية الاغتسال به .
وقالوا : إن الشمس بحدتها تفصل منه زهومة تعلو الماء فإذا لاقت البدن بسخونتها خيف أن تقبض عليه فيحتبس الدم فيحصل البرص .
وقد اشترط بعضهم للكراهية شروطا منها : أن يكون استعماله ببلاد حارة ، وفي آنية منطبعة كحديد ونحاس ، بخلاف الخزف والخشب والجلود والحياض وبخلاف المنطبع بالذهب والفضة ، واشترطوا أيضا للكراهة أن يستعمل في حال حرارته . هذا ملخص ما قاله الشربيني في مغني المحتاج .
والقول الثاني : وهو مذهب الحنابلة ، وجمهور الحنفية ، جواز استعماله مطلقا بلا كراهة . والذي يظهر أنه إن ثبت أن فيه ضررا على البدن كره من هذه الجهة ، وإلا فلا يكره .
والقسم الثاني من المسخن : هو المسخن بالنار :
عامة أهل العلم على جواز التطهر به ، قال ابن المنذر رحمه الله بعد أن ساق طرفا من آية التيمم : (فالماء المسخن داخل في جملة المياه التي أمر الناس أن يتطهروا بها ، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ، فإن ذلك خير وممن روينا عنه أنه رأى الوضوء بالماء المسخن : عمر بن الخطاب ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأنس بن مالك - وساق بعض الآثار - ثم قال : " وهو مذهب عطاء ، والحسن أبي وائل وكذا قال كل من نحفظ عنه من أهل المدينة ، وأهل الكوفة ، وكذلك قال الشافعي ، وأبو عبيد وذكر أنه قول أهل الحجاز والعراق جميعا " .
قال : وروينا عن مجاهد أنه كره الوضوء بالماء الساخن والذي - روى عنه ذلك ليث ، وليس لكراهيته لذلك معنى . ا هـ .
لكن إن سخن الماء بنجس فللحنابلة تفصيل فيه وهو عندهم على ثلاثة أقسام :
أحدها : أن يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة إلى الماء فينجسه إذا كان يسيرا .
الثاني : ألا يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة إلى الماء والحائل غير حصين ، فالماء على أصل الطهارة ، ويكره استعماله ، والشافعي لا يكره استعماله .
الثالث : إذا كان الحائل حصينا ، فمنهم من كرهه أيضا كالقاضي أبي يعلى ، ومنهم من قال : لا يكره ، كالشريف أبي جعفر ، وابن عقيل . ولعل الصواب عدم الكراهة ؛ لعدم الدليل الموجب لها . والله أعلم .
أما ماء زمزم فقد كره بعضهم الوضوء والغسل بها ؛ لقول العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه : لا أحلها لمغتسل ، لكن لمحرم حل وبل . ولأنه يزيل به مانعا من الصلاة ، أشبه إزالة النجاسة به ، وهذا المذهب من مفردات الحنابلة .
القول الثاني : عدم كراهة الوضوء والغسل منه . دليلهم ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من ماء زمزم وتوضأ فيه ، كما في زوائد المسند عن علي رضي الله عنه ، قالوا : إن قول العباس هذا لم يثبت عنه بل هو ثابت عن أبيه عبد المطلب ، ولو ثبت عن العباس فإنه لم يؤخذ بصريحه في التحريم ففي غيره أولى ، وأيضا فإن شرف الماء وبركته لا يوجب كراهة استعماله ؛ بدليل الماء الذي نبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم ؛ ولأن ماء زمزم يدخل في مطلق الماء . وهذا مذهب الجمهور كما نقله عنهم النووي وصاحب مواهب الجليل . ولعله الصواب إن شاء الله . لكن بعض العلماء كره استعماله في إزالة النجاسة ، وبعضهم قال : هو خلاف الأولى ، وآخرون بالغوا فقالوا بالتحريم .
وبكل حال فلا دليل على تخصيص ماء زمزم بشيء مما ذكر فهو ماء كسائر المياه ، إلا أن له شرفا لبركته التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا لا يوجب تحريم استعماله في إزالة النجاسة ، ولا كراهته وإن كان الأولى عدم إزالة النجاسة به مع وجود غيره .
أما الماء المستعمل : فهو الماء الطهور الذي استعمل في رفع الحدث ، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : هل الماء المستعمل طاهر أم نجس ؟
فيه خلاف :
القول الأول : أنه طاهر ، وبه قال عامة الفقهاء سلفا وخلفا ، وهو مذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، ورواية عن أبي حنيفة هي المشهورة عنه ، وقول محمد بن الحسن الشيباني من الحنفية .
الأدلة :
1 - استدلوا بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : مرضت فجاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر وهما ماشيان ، فأتاني وقد أغمي علي ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صب وضوءه علي فأفقت . . . الحديث أخرجه الشيخان .
2 - قول النبي صلى الله عليه وسلم : الماء طهور لا ينجسه شيء أخرجه الترمذي وغيره ، وقد صححه النووي ، قالوا : فيبقى على عمومه إلا ما خصه الدليل .
3 - أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ، كانوا يتوضئون ويتقاطر على ثيابهم ولا يغسلونها . فدل على طهارة الماء المستعمل .
4 - أن الصحابة رضي الله عنهم ، كانوا يتبادرون إلى فضل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فيتمسحون به للتبرك به ، ولا يمكن أن يقرهم على التمسح بنجس ، ومن ذلك ما أخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة فأتي بوضوء فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به . . . الحديث .
5 - ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابَه ونساءَه كانوا يتوضئون في الأقداح والأتوار ويغتسلون في الجفان ، ومثل هذا لا يسلم من رشاش يقع في الماء من المستعمل ؟ ولهذا قال إبراهيم النَّخَعي : ولا بد من ذلك . فلو كان المستعمل نجسا لنجس الماء الذي يقع فيه .
6 - قالوا : ولأنه ماء طاهر لاقى محلا طاهرا فكان طاهرا ، كالذي غسل به الثوب الطاهر ، والدليل على أن المحدث طاهر ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب ، قال : فانخنست منه ، فذهبت فاغتسلت ، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أين كنت يا أبا هريرة ؟ " قال : كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة . فقال : " سبحان الله إن المسلم لا ينجس متفق عليه .
القول الثاني : أن الماء المستعمل نجس ، وهو رواية عن أبي حنيفة رواها أبو يوسف ، والحسن بن زياد ، إلا أن أبا يوسف رأى أن نجاسته مخففة ، والحسن رأى أنها مغلظة .
الأدلة :
1 - قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة قالوا : فَقَرَن فيه بين البول فيه والاغتسال منه ، والبول ينجسه فكذلك الاغتسال ، وقالوا أيضا : حرم الاغتسال في الماء القليل ، ولولا أنه ينجس بالاغتسال بنجاسة الغسالة لم يكن للنهي معنى ؛ لأن إلقاء الطاهر في الطاهر ليس بحرام ، أما تنجيس الطاهر فحرام ، فكان هذا نهيا عن تنجيس الماء الطاهر بالاغتسال ؛ وذا يقتضي التنجيس به .
2 - قالوا : إن المحدث قد خرج شيء نجس من بدنه به يتنجس بعض البدن حقيقة ، فيتنجس الباقي تقديرا ، فإذا توضأ انتقلت تلك النجاسة إلى الماء فيصير الماء نجسا تقديرا وحكما .
المناقشة للأدلة :
نوقش استدلالهم بالحديث وأجيب عنه بعدة أجوبة ملخصها ما يلي :
1 - أن دلالة الاقتران ضعيفة - قد قال بها أبو يوسف والمزني - وخالفهما غيرهما من الفقهاء والأصوليين ، ومما يرد عليهما قولُه تعالى : كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ فلا يلزم من اقتران الأكل بإيتاء الزكاة وجوب الأكل .
2 - أن رواية الحفاظ من أصحاب أبي هريرة لهذا الحديث هي كما أخرجه الشيخان ولفظهما لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه وفي رواية لمسلم لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب فقيل لأبي هريرة كيف يفعل ؟ قال : يتناوله تناولا " .
أما الرواية المستدل بها عند أبي يوسف والحسن بن زياد فيما يرويانه عن أبي حنيفة ، فإنها مما أخرجه أبو داود ولفظها مخالف لما في الصحيحين . وهذا ما أشار إليه البيهقي في سننه ورجح ما في الصحيحين على رواية أبي داود .
3 - وهو جواب من يرى أن الماء المستعمل طاهر غير طهور كما سيأتي بيانه إن شاء الله ، قالوا : إن النهي في الحديث إنما يدل على أنه يؤثر في الماء وهو المنع من التوضؤ به ، والاقتران يقتضي التسوية في أصل الحكم ، لا في تفصيله .
4 - وقيل : إن وجه النهي في الحديث ليس لأنه ينجسه ، وإنما لأجل أنه يقذره ويؤدي إلى تغيره .
وهذه الأجوبة ملخصة من المجموع للنووي والمغني لابن قدامة وطرح التثريب للعراقي وغيرها .
2 - أما ما استدلوا به من أن الحدث نجاسة حكمية على سائر أعضاء البدن فغير مسلم ؛ لما سبق من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقول النبي صلى الله عليه وسلم : سبحان الله إن المسلم لا ينجس . . . " ، ولحديث عائشة رضي الله عنها وقول النبي صلى الله عليه وسلم لها : إن حيضتك ليست في يدك أخرجه مسلم .
هذا وإن الصواب في هذه المسألة هو : أن الماء المستعمل لا يتنجس بالاستعمال ؛ لعدم الدليل الناهض لهذا القول مع توافر الأدلة الدالة على عدم النجاسة ، مع أن الأصل في المياه هو الطهارة ما لم يطرأ عليها ما ينجسها ، وما ذكروه من التعليل بأن الحدث نجاسة حكمية هذا لا يصح ؛ لأن المسلم لا ينجس . والله أعلم .
المسألة الثانية : هل الماء المستعمل طهور أم أن الاستعمال يسلبه الطهورية فيكون طاهرا غير مطهر ؟
وهذه المسألة قد وقع فيها خلاف كبير ومشهور على قولين :
القول الأول : أنه طاهر مطهر : وهو قول الحسن البصري وإبراهيم النَّخَعي ، وعطاء بن أبي رباح ، وسفيان الثوري ، وأبي ثور والزهري ، والأوزاعي ومالك في أشهر الروايتين عنهما ، وروي عن علي ، وابن عمر ، وأبي أمامة رضي الله عنهم .
وهو أيضا إحدى الروايات عن أبي حنيفة ، ورواية عن الإمام أحمد اختارها ابن عقيل وأبو البقاء ، وإليه مال صاحب الشرح الكبير وقَوَّاه صاحب الإنصاف ، وهو مذهب الظاهرية ، وقول ابن المنذر واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
الأدلة :
1 - قوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا قال ابن المنذر - يرحمه الله - فلا يجوز لأحد أن يتيمم وماء طاهر موجود .
2 - قوله تعالى : وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا قال الباجي في المنتقى شرح الموطأ : " وطهور على مثال شكور وصبور ، إنما يستعمل فيما يكثر منه الفعل وهذا يقتضي تكرار الطهارة بالماء " .
3 - حديث الرُّبيع بنت معوذ رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه من فضل ماء في يده فبدأ بمؤخر رأسه إلى مقدمه ثم جره إلى مؤخره .
4 - قول النبي صلى الله عليه وسلم : إن الماء لا يجنب . أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح . وجه الدلالة : أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهي ميمونة قد اغتسلت في الجفنة من الجنابة ، والنبي صلى الله عليه وسلم توضأ منها وأنكر على زوجه لما قالت : إنها اغتسلت فيها من الجنابة فقال : إن الماء لا يجنب فدل على طهوريته .
5 - من جهة القياس : أن رفع الحدث بالماء مرة لا يمنع من رفعه به ثانية كرفعه من آخر العضو بعد تطهير أوله .
قال ابن حزم : " وأما من الإجماع فلا يختلف اثنان من أهل الإسلام في أن كل متوضئ فإنه يأخذ الماء فيغسل به ذراعيه من أطراف أصابعه إلى مرفقه وهكذا كل عضو في الوضوء وفي غسل الجنابة ، وبالضرورة والحسِّ يدري كل مشاهد لذلك أن ذلك الماء قد وضئت به الكف وغسلت ثم غسل به أول الذراع ثم آخره ، وهذا ماء مستعمل بيقين " .
6 - ما ذكره ابن حزم أيضا حيث يقول : " ثم إنه يرد يده إلى الإناء وهي تقطر من الماء الذي طهر به العضو ، فيأخذ ماء آخر للعضو الآخر ، فبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أنه لم يطهر العضو الثاني إلا بماء جديد قد مازجه ماء آخر مستعمل في تطهير عضو آخر " .
7 - أنه ماء طاهر لاقى بدنا طاهرا فلم يسلبه الطهورية .
قال ابن المنذر رحمه الله : " فأجمع أهل العلم على أن الرجل المحدث الذي لا نجاسة على أعضائه لو صَبّ ماءً على وجهه أو ذراعيه فسال ذلك عليه وعلى ثيابه أنه طاهر لاقى بدنا طاهرا ، وإذا ثبت أن الماء المتوضأ به طاهر وجب أن يتطهر به من لا يجد السبيل إلى ماء غيره ولا يتيمم وماء طاهر موجود ؛ لأن في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : الصعيد الطيب وضوء المسلم ما لم يجد الماء فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك . فأوجب الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم الوضوء بالماء والاغتسال به على كل من كان واجدا له ليس بمريض " . ا هـ .
8 - أن ما أدي به الفرض مرة لا يمتنع أن يؤدى به ثانيا ، كما يجوز للجماعة أن يتيمموا من موضع واحد ، وكما يخرج الطعام في الكفارة ثم يشتريه ويخرجه فيها ثانيا ، وكما يصلي في الثوب الواحد مرارا .
وقد نوقشت بعض هذه الأدلة بمناقشات نذكر منها :
1 - الآية الكريمة قوله تعالى : وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا أجيب عن الاستدلال بها من وجهين :
(أ) عدم التسليم بأن فَعُول تقتضي التكرار هنا ؛ لأنها تأتي في العربية للتكرار ولغيره .
(ب) أن المراد بطهور : المطهر والصالح للتطهير والمعدّ لذلك .
2 - الاحتجاج بحديث الرُّبيع وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بفضل ماء كان في يده .
وأجيب عنه بأن هذا لفظ أبي داود في سننه وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل ، وقد رواه مسلم وأبو داود وغيرهما عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فذكر صفة الوضوء إلى أن قال : ومسح رأسه بماء غير فضل يديه ، وغسل رجليه .
قال النووي رحمه الله : " وهذا هو الموافق لروايات الأحاديث الصحيحة في أنه صلى الله عليه وسلم أخذ لرأسه ماء جديدا " ، قال : " فإذا ثبت هذا فالجواب عن الحديث من أوجه :
(أ) أنه ضعيف فإن راويه عبد الله بن محمد بن عقيل ضعيف عند الأكثرين ، وإذا كان ضعيفا لم يحتج بروايته ولو لم يخالفه غيره ، ولأن هذا الحديث مضطرب عن عبد الله بن محمد ، قال البيهقي : قد روى شريك عن عبد الله في هذا الحديث " فأخذ ماء جديدا فمسح رأسه مقدمه ومؤخره " .
(ب) لو صح لحمل على أنه أخذ ماء جديدا وصب بعضه ومسح رأسه ببقيته .
(ج) يحتمل أن الفاضل في يده من الغسلة الثالثة لليد .
3 - أما الجواب على دليل القياس على الماء المتردد على العضو الواحد فقالوا : إنا لا نحكم بالاستعمال ما دام مترددا على العضو بلا خلاف فلا يؤدي إلى مفسدة ولا حرج .
4 - الجواب عن القياس على التراب الذي تيمم به جماعة والكفارة وكذلك الثوب : أما التراب فجوابه أن المستعمل ما علق بالعضو أو سقط عنه على الأصح ، أما الباقي في الأرض فغير مستعمل ، فليس كالماء .
أما طعام الكفارة فقالوا : إنما جاز أداء الفرض به مرة أخرى لتجدد عود الملك فيه فتطهيره تجدد الكثرة في الماء ببلوغه قلتين ونحن نقول به على الصحيح .
وأما الثوب فقالوا : إنه لم يتغير من صفته شيء فلا يسمى مستعملا بخلاف الماء .
القول الثاني : أن الماء المستعمل طاهر غير مطهر ، وهو مذهب الشافعي والمذهب عند الحنابلة ورواية عن مالك وعن أبي حنيفة .
الأدلة :
1 - حديث الحكم بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم قال الترمذي : حديث حسن .
وجه الاستدلال : أن المراد بفضل طهورها ما سقط من أعضائها ؛ لأن الباقي في الإناء مطهِّر باتفاق .
2 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب . أخرجه مسلم .
وجه الاستدلال : أن المراد من نهيه لئلا يصير مستعملا .
3 - أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم احتاجوا في مواطن من أسفارهم الكثيرة إلى الماء ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى فتركه يدل على امتناعه .
4 - القياس على المستعمل في إزالة النجاسة .
المناقشة :
1 - أما الحديث الأول الذي فيه نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة ، فهو ضعيف كما قال البخاري رحمه الله : ليس هو بصحيح .
2 - حديث أبي هريرة وأجابوا عنه : بأن المراد بالنهي عدم تقذير الماء ، أو أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ؛ لئلا يتكرر فيتغير الماء ؛ لأن الحديث فيه إطلاق الماء الدائم فيشمل القليل والكثير وهذا الحكم الذي ذكرتموه إنما تخصونه بالقليل دون الكثير فبطل استدلالكم بالحديث .
3 - أما ما استدل به من ترك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لجمع الماء المستعمل مع حاجتهم إلى استعماله مرة أخرى فله أجوبة :
(أ) أنه لا يجتمع منه شيء لو جمع .
(ب) أنهم أيضا تركوا جمعه للشرب والعجن والطبخ والتبرد مع الاتفاق على جوازه فيها .
وأجاب أصحاب الدليل فقالوا : إنا لا نسلم بأنه لا يجتمع شيء منه ؛ لأنه لو سلم ذلك في الوضوء لما سلّم في الغسل .
أما كونهم لم يجمعوه للشرب والعجن والطبخ والتبرد فلاستقذاره . والنبي صلى الله عليه وسلم ترك أكل الضب مع إباحته له ؛ لأنه عَافَه .
لكن هذا الجواب ضعيف ، ويمكن الرد على دليلهم بأن الدين لم يأت بالمشقة ، ولو سلمنا بدليلكم لقلنا : بأنه يلزم المسافر أن يحمل معه ماء طهورا يكفيه لوضوئه واغتساله ؛ لئلا يحتاج إلى التيمم ، وهذا فيه مشقة عظيمة وحرج كبير ، ودفع الحرج قد جاءت به الشريعة الإسلامية السمحة .
4 - أما القياس على الماء الذي أزيلت به النجاسة فالفرق بينهما ظاهر فلا يصح القياس .
وبعد التأمل والنظر يترجح القول بأن الماء المستعمل في طهارة الحدث طهور مطهِّر ؛ لسلامة بعض ما استدل به أصحاب هذا القول من المناقشة ، كحديث ابن عباس رضي الله عنهما في قول النبي صلى الله عليه وسلم : إن الماء لا يجنب ، ولما استدلوا به من النظر من أدلة قوية لا تقاومها أدلة القول الثاني التي قد نوقشت جميعها ورُدّ الاستدلال بها ، ولهذا قال المرداوي في الإنصاف عن هذا القول : " وهو أقوى في النظر " ، مع أن أكثر الأصحاب على أنه طاهر غير مطهر ، والحق أحق أن يتبع والله أعلم ، هذا وإن لأصحاب القول الأول أدلة من السنة تركنا إيرادها إيثارا للاختصار ، واكتفاء بما صح من أدلتهم أثرا ونظرا عما كان ضعيفا في النقل . والله المسئول أن يوفقنا ويرزقنا الفقه في الدين واتباع سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم .
ومعلوم أن للبحث بقية يسّر الله إيرادها فيما يقبل من أعداد هذه المجلة المباركة وإني في ختام هذه الكلمة لأدعو الله العلي القدير أن يفقهنا جميعا في دينه وأن يرزقنا الالتزام بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ويرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ، كما أسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين ويلهمهم رشدهم ويردنا إليه ردا جميلا ، ويوفق ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين .



  سابق     تالي