تصفح برقم المجلد > من رسائل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ > التسليم بحكم الله ورسوله من صفات المؤمنين

التسليم بحكم الله ورسوله

من صفات المؤمنين

لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين . . وبعد .
فإنا قد اطلعنا على ما كتبه عبد الله أبو السمح في صحيفة المدينة بعددها رقم ( 14278 ) الصادر يوم الاثنين 15 ربيع الأول 1423هـ بعنوان " لماذا يغسلونه " ولما كان الموضوع قد احتوى جملة من المخالفات الشرعية ؛ لذا وجب علينا البيان نصحا للأمة ، وجملة ما يلاحظ على المقالة المذكورة أمور :
1 - الجانب التأصيلي وتطرق فيه لأمور منها :
أ - قوله ( والسؤال القائم لماذا غسل الميت ما هو المقصد الشرعي من ذلك ، ونحن نقرأ عن مقاصد الشريعة في كثير من أحكامها ، والعلماء الأجلاء قديما وحديثا ينظرون دائما إلى علة الحكم لتكون أساس الاعتبار في الفتوى ) .
ب - قوله حول الفتوى التي نصت على أن المحترق ييمم اكتفاء بالتيمم عن الغسل : ( هذه الحادثة والفتوى هي التي جعلتني أغضب وأحزن معا ؛ لأننا نضيق واسعا لنا فيه من الشرع الحنيف سعة ) .
ج - نقله لأقوال بعض الفقهاء في مذهب الإمام مالك ممن ينقل القول بسنية غسل الميت ثم يقول : " هذه الأقوال وهي لفقهاء أجلاء تتفق مع المفهوم الإسلامي بأن الله لا ينظر إلى صورنا بل إلى أعمالنا ، فما معنى غسل جسد ميت سيهال عليه التراب ، ويقفل عليه القبر ليتحلل كما هو معروف " .
د - قوله : " إن الطهارة بأنواعها من وضوء وغسل من شروط أداء الفروض والعبادات ولا تتم إلا بالنية ، والميت لا نية له عنده ، ودخول القبر لا إرادة له فيه " .
2 - الجانب التطبيقي : وقد بنى الكاتب على ما سبق من تأصيل نتيجة ، وهي أنه لا حاجة إلى غسل الميت في هذا العصر الذي تزدحم فيه البيوت وتضيق ، ويجد أهل الميت مشقة في إيجاد مكان للغسل ، ثم يقول : " كذلك إذا أخذنا في الاعتبار أيضا الناحية الصحية ، ومخاطر انتشار الأمراض والأوبئة " إلى أن قال : " ومن الأحوط أن نتفادى هذا ، فالحي أبدى من الميت ، ورفع المشقة واجب ومطلوب " .
ثم خرج باقتراح قال فيه : " إنني هنا أقترح أن تكلف جميع المستشفيات تعقيم جثث المرضى الذين يموتون فيها ، ووضعها في أكياس خاصة معقمة مغلقة ، والاكتفاء بذلك عن الغسل ، وواجب وزارة الصحة ، وهيئات المحافظة على البيئة ، العمل على توضيح مخاطر الغسل للجهات المختصة ، وتبني الرأي والذي لا يراه واجبا " .
ومن نظر إلى هذه الملاحظات بعين البصيرة أدرك ما فيه من مخالفات شرعية كثيرة ، لكن لما كان المقال منشورا ومتداولا ، وأن بعض الناس قد يغتر بما فيه ، رأينا إيضاح الحق ورد الباطل ، فنقول مستعينين بالله : إن الأمور الشرعية يجب أن تصان عن عبث العابثين ، فالأحكام الشرعية لا يتكلم فيها إلا من هو أهل لها ممن حصل العلم ، ودرس على العلماء الموثوقين ، والله تعالى يقول : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فخص السؤال فيما لا يعلم العبد بأهل الذكر ؛ لأنهم أعلم الناس بمراد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ويقول سبحانه : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ ، فبين أن العلماء لا يمكن أن يساوَوْا بغيرهم ، وأن غير العالم لا يمكن أن يكون في منزلته ، ونحن نعلم يقينا بما أخبرنا الله به ، وحذرنا من القول عليه بلا علم ، بقوله سبحانه : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ويقول سبحانه : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا ، وأيضا فإنّا نرى في الواقع أن من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب ، ومن ذلك ما تعرض له الكاتب في مقاله المذكور ، فتساؤله عن المقصد الشرعي لغسل الميت ، ودعواه أن العلماء ينظرون دائما إلى علة الحكم ؛ لتكون أساس الاعتبار في الفتوى ، فإن هذا الكلام ليس في محله ألبتة ، فإنه من المعلوم أن الأحكام معللة ، لكن معرفة علة كل حكم هذا ما لم يدَّعِه أحد من العلماء ، ولا جعلوه أساسا للفتوى بحال ، بل إن بينهم اتفاقا على أن بعض الأحكام لا تعلم علتها ، وهو ما يعبر عنه البعض بقولهم " العلّة تعبّديّة " وأساس الفتوى لكل عالم هو الدليل ، فمتى ثبت عنده الدليل عمل بمقتضاه ؛ لأن الله تعالى يقول : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ويقول : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ويقول سبحانه : إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا فأساس الفتوى هو الدليل ، فإن علم مع ذلك علة الحكم بأحد الطرق المعروفة عند العلماء ، إما بالنص ، أو المفهوم ، أو الإيماء ونحو ذلك ، فإن لكل طريق درجة في الاعتبار يدركها أهل العلم .
ثم إن غسل الميت فيه حكم عظيمة ، منها تكريم المسلم ، والقيام بحقه من العناية بتغسيله وتطييبه وتحنيطه وتكفينه ، ثم الصلاة عليه ودفنه ، كل هذا إظهار لتكريمه ؛ لأن حرمته ميتا كحرمته حيا ، ولأن الله شرفه وأعزه بهذا الدين ، فلما اعتنقه استحق هذا التكريم ونحو ذلك من الحكم ، ومعلوم أن مثل هذه الحكم ليس لها تعلق بعصر دون عصر أو مكان دون مكان ، بل هي عامة لكل مسلم في كل عصر أو مكان .
أما ما يتعلق بالفقرة ( ب ) من قول الكاتب " هذه الحادثة والفتوى هي التي جعلتني أغضب وأحزن معا ؛ لأننا نضيق واسعا . . إلخ " فنقول كونك يضيق عطنك عن قبول الحق ، ولا ينشرح صدرك لمقتضى الشريعة ، هذا أمر يعود عليك ، ولا يرجع على شرع ربنا بالبطلان أو التنقص ، والواجب عليك توطين نفسك على الرضا بحكم الله ورسوله ، وشرع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أما قوله : " لأننا نضيق واسعا لنا فيه من الشرع الحنيف سعة . . . " فنقول : لا شك أن شرعنا وديننا دين الحنيفية السمحة كما ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بل أخبرنا الله - عز وجل - بأنه بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - فينا ، وامتن به علينا ، وكان فيما امتن به أنه وضع به الأغلال والآصار التي كانت على من قبلنا فقال تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ الآية .
ومعلوم أن في شرعنا من السعة والتيسير ما جعله صالحا لكل زمان ومكان ، بل وللإنس والجان لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث للثقلين الإنس والجن .
لكن هذه السعة ليست مطلقة يتعلق بها كل متعلق ، بل شرع الله محدود بحدود ، لا يجوز تعديها ، يقول الله سبحانه وتعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الله حد حدودا فلا تعتدوها ، وفرض فرائض فلا تضيعوها . . . . .
وعائشة - رضي الله عنها - تخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه متفق عليه .
ومعلوم أن غسل الميت كما سيأتي - إن شاء الله - مشروع بالسنة القولية والفعليه والإجماع ، فلو كان ما ذكره الكاتب خيرا لما تركه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أيسر ، ولما شرع غسل الميت وهو أشق ، فلما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك دل على أن ترك التغسيل إثم بنص الحديث السابق ، وأنه ليس من التيسير المشروع ولا من سعة الشريعة ترك غسل الميت .
وقد كثر في الآونة الأخيرة من بعض الكتاب الدندنة حول سعة الشريعة ويسرها ، وهي كلمة حق أريد بها باطل ، يريدون بهذا التوصل إلى باطلهم وترويجه في مجتمعات المسلمين وإلباسه لباس الدين ، وهذا من أبطل الباطل .
أما ما يتعلق بالفقرة ( ج ) فإن هذا الذي ذكره من أن الله لا ينظر إلى صورنا بل إلى أعمالنا هذا جزء من حديث صحيح أخرجه مسلم وغيره عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم وهذا ليس فيه ما يعارض غسل الميت بوجه ، فغسله فرض على الكفاية ، ومن الأعمال التي ينظر الله إليها ويجازي عليها القيام بحق الميت من غسل وتكفين وصلاة ودفن .
فمن فعل ذلك محتسبا الأجر عند الله ، متقربا بذلك لله فله أجر عمله هذا ، ومن كانت صورة عمله هي التغسيل والتكفين وغير ذلك من حقوق الميت ، ولكن نيته ليست التقرب إلى الله ، فهذا يجازى بحسب نيته ، ولا يكفي في ذلك صورة عمله ، بل المحاسبة تكون على العمل الظاهر وما قام في القلب من النية .
أما قوله : " فما معنى غسل جسد ميت سيهال عليه التراب ويقفل عليه القبر ليتحلل كما هو معروف " فهذا الكلام ليس من سبيل المؤمنين ، وإنما سبيلهم كما قدمنا أنهم إذا جاءهم أمر من الله ورسوله قالوا سمعنا وأطعنا ، فإن علموا الحكمة من هذا الأمر فهذا خير إلى خير ، وإلا فقلوبهم مطمئنة بامتثال أمر الله .
أما ما يتعلق بالفقرة ( د ) وما جاء من قوله فيها . فكل هذا ينبئ عن جهل الكاتب ، فالتعبد في غسل الميت للمغسِّل لا للمغسَّل ، فمعلوم أن الميت قد انتقل من دار التكليف إلى دار الجزاء ، وأنه لا تعتبر نيته ولا تطلب ، وإنما المعتبر نية المغسِّل ، لأنه هو المكلف ، هذا ما يتعلق بالجانب التأصيلي .
أما ما جاء في الجانب التطبيقي من خروجه بنتيجة ، وهي أنه ما دام الخلاف قائما فإنه لا حاجة في هذا العصر لغسل الميت ؛ لما فيه من مشقة من ضيق البيوت ، ووجود أمراض في الميت يخشى انتشارها ونحو ذلك .
فيقال له : أولا : الخلاف في وجوب غسل الميت خلاف شاذ ، وهو قول في مذهب المالكية ، لم ينقل عن الإمام مالك - رحمه الله - وحاشاه القول به ، ومن قال به من علماء المالكية لعله لم يبلغه دليل الوجوب ، وإلا فوجوبه ظاهر بأدلة السنة والإجماع .
فمن السنة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المحرم الذي وقصته ناقته : اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا أخرجه مسلم وغيره . وفي البخاري : ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي فقوله - صلى الله عليه وسلم - اغسلوه بماء وسدر أمر صريح ، والأصل في الأمر أنه يقتضي الوجوب ، فدل على أن غسل الميت واجب .
وكذلك قوله في قصة غسل إحدى بناته - صلى الله عليه وسلم - اغسلنها ثلاثا أو خمسا فيه الأمر بالغسل ، وأما السنة الفعلية ، فإن غسل الميت من السنة الماضية من لدن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا ، لا نعلم أحدا من المسلمين تركها بلا عذر من احتراق الجثة ونحو ذلك .
وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من الأئمة المحققين ، كالإمام النووي في المجموع شرح المهذب ، والكاساني في بدائع الصانع ، وغيرهما من العلماء . وهذا أمر ظاهر لا يحتاج إلى كثير عناء في بيان وجوبه .
أما ما ذكر عن ابن رشد من قوله : إن سبب الخلاف - المذكور في مذهب المالكية - هو أن غسل الميت إنما ثبت بالسنة الفعليه دون القولية . فهذا أمر مردود بما تقدم ، ومعلوم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد ، إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ثبت بالسنة القولية الصريحة ، والفعل الذي تتابع عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - بل إن بعض العلماء يذكر أن هذا معلوم من لدن آدم - عليه السلام - إلى يومنا هذا ، وهم يغسلون موتاهم ، والإجماع على كونه فرض كفاية قد نقله أئمة محققون ، ومستنده من السنة ظاهر ، فلا عبرة بخلاف من خالف ، وإن كنا نسأل الله له العفو ، وأن يتجاوز عن خطئه ، لكن العلماء غير معصومين ، ولا يجوز لأحد أن يتبعهم في زلاتهم إذا ظهر الدليل وقامت الحجة ، وهي في مسألتنا هذه بحمد الله - ظاهرة .
وتعلل الكاتب بضيق المكان هذا لا عبرة به ؛ لأن من سبقنا من السلف الصالح كانت دورهم أصغر وأضيق من دورنا ، ولم يكن ذلك عذرا في ترك هذه الفريضة . وقول الكاتب : كذلك إذا أخذنا في الاعتبار الناحية الصحية ومخاطر انتشار الأوبئة . . . إلى آخر ما ذكر " .
كل هذه مزاعم لا تقاوم ما ثبت في الشرع ، فإن المسلمين منذ زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلى يومنا هذا وهم يغسلون موتاهم ، ولم يصبهم ما زعمه الكاتب من الأوبئة ونحوها .
أما تعلقه بالمشقة ، فليس كل مشقة معتبرة ، بل هناك مشقة غير معتبرة ، إذا كان الشارع أمر بالأمر وجب امتثاله ، وإن كان فيه نوع مشقة ، فإن في جنس التكاليف الشرعية مشقة أيضا ، فإن النفس تميل إلى الدعة والسكون ، فيشق عليها أن تكلف بالعبادات من صلاة وزكاة وحج وصوم وجهاد وأمر بمعروف ونهي عن منكر ونحو ذلك ، فإذا تعلقنا بالمشقة في كل شيء ، فإن الدين ينهدم ولا يبقى لنا منه إلا اسمه .
والله تعالى يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وهو قدوة لأمته فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لعائشة - رضي الله عنها - أجرك على قدر نصبك .
والمشقة التي يذكرها العلماء ويجعلونها سببا للتخفيف ليس هذا موردها ، وإنما جر الكاتب إلى هذا قلة فقهه ، ودخوله فيما لا يحسنه .
وبما سبق بيانه يظهر بطلان ما اقترحه ، وأنه مصادم للشرع لا يجوز الأخذ به ولا العمل به ؛ لأن فيه إهانة للمسلم الذي كرمه الله وأعزه بالإسلام ، وجعله كسائر الميتات التي يخشى منها من الحيوانات والجيف والكفرة ونحوهم ، وهذا محرم باطل بالنص والإجماع .
وقبل أن أختم أحب أن أنبه على كلمة ذكرها الكاتب هي في حقيقتها خطيرة جدا ، لكني أحسن الظن بالكاتب ، وأنه لم يقصد حقيقتها ، وإنما نبهت عليها لئلا ينخدع بظاهرها مسلم ، وهي قوله " ومعلوم طبيا أن جثة الميت تحتوي على أنواع من البكتيريا التي أنهت حياته " .
فنقول الموت مخلوق خلقه الله لابتلاء عباده ، يقول سبحانه الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ، ثم أيضا موت العبد إنما هو انتقال من الحياة إلى حياة أخرى ، وليس هو إعدام لهذا الجسد بأنواع البكتيريا أو غير ذلك مما يتعلق به الفلاسفة ونحوهم ، إنما هو أجل لحياته التي قدرها الله له في الدنيا ، فمتى انتهى ذلك الأجل أذن الله له بالموت فيقبض الملك روحه ، وينتقل إلى حياة برزخية بين حياة الدنيا وحياة الآخرة - بعد البعث - لها أحوالها الخاصة بها ، علمنا منها ما بلغنا بالنصوص ، وكثير منها لا نعلمه ، يقول الله سبحانه وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ويقول سبحانه : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .
وما ذكر من البكتيريا ونحوها ليست هي التي تنهي حياة العباد ؛ بدليل أن أصحاء ماتوا من غير علة ، وهناك مرضى عاشوا أزمانا يعانون المرض ، وربما صحوا وشفوا ولم يموتوا ، ونحن لا ننكر أن الله قد يقدر المرض سببا لموت هذا أو ذاك ، لكن أسباب الموت كثيرة منها القتل ، وحوادث السيارات ، وغيرها كثير من الأسباب ، ومع هذا نقول إنها أسباب ، وليست هي التي أنهت حياة العبد .
ثم إني أوصي نفسي وإخواني بتقوى الله - عز وجل - في كل ما نأتي ونذر ، وأحذر إخواني المسئولين في الصحف المحلية ، بل وفي الصحف في العالم الإسلامي بأجمعه ، أحذرهم من السماح لكل من هب ودب بالكتابة عن أمور الدين والشرع ، والخوض فيها بغير علم ، فإنهم مسؤولون عن هذا أمام الله - عز وجل - فليحذروا سخط الله وعقابه ، وليتقوه حق تقواه ، كذلك أيضا أدعو أخي كاتب هذه المقالة إلى أن يتوب إلى ربه ، وأن يكف عن نشر مثل هذه المقالات التي تفسد على المسلمين عباداتهم ، وليكن بعيدا عن الكتابة في أمور شرعية بضاعته فيها مزجاة ، فإن العاقل يربأ بنفسه أن يخوض فيما لا يحسنه من أمور الدنيا وعلومها ؛ لأن ذلك سبب للطعن فيه والتنقص منه ، كيف والأمر متعلق بشرع الله ، بغير علم ؟! قول على الله بلا علم وهو من أعظم الجرم ، ولا يعفي هذا الكاتب ولا غيره ممن هو مثله ، أن ينقل كلام بعض العلماء من هنا وهناك ، ففي كل قضية يلتقط الشاذ من الأقوال ، ويتتبع الرخص ، فإنه هذا لا يعفيه من التبعة ؛ لأنه نقل كلام من لا يحسن فهم كلامهم ، ولا يعرف طرائقهم في الاستدلال وعرض الأقوال ونقل الحجاج ونحو ذلك مما يدركه العلماء . ومعلوم أن من تتبع الرخص والشواذ خرج بدين ملفق لا يرضاه الله ولا رسوله ولا المؤمنون ، لذا أثر عن بعض السلف " من تتبع الرخص تزندق " فالأمر عظيم ، والخطب جسيم ، وما دام المرء في عافية من أمره ، فليحمد الله ، وليمسك عليه لسانه وقلمه .
أسأل الله العظيم أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ، وأن يمن علينا بالفقه في الدين ، والتزام سنة سيد المرسلين ، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ، وأن يصلح نياتنا ، وأعمالنا وذرياتنا ، ويصلح لنا أحوال المسلمين في كل مكان ، ويجعل لهم من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، ومن كل بلاء عافية .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء .



  سابق     تالي