تصفح برقم المجلد > الجامع لخطب عرفة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ > خطبة عام 1406 الهجري

( الصفحة رقم: 101 )

خطبة عام 1406 الهجري

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إن الحمد لله ، نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، فمن يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أما بعد:
[ الوصية بتقوى الله عز وجل ]
أيها الناس ، أوصيكم ونفسي بتقوى الله فهي خير وصية أوصى الله بها الأولين والآخرين وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ .
أمة الإسلام ، إن سبب التقوى ما يكون بقلب العبد من تعظيم الله محبة وخوفا ورجاء ، فكلما عظم تعظيم الرب في قلب العبد دعاه ذلك إلى تقواه ، إلى امتثال أمره واجتناب نهيه ، كلما أيقن العبد بكمال علم الله واطلاعه عليه وأن الله يعلم سره ونجواه لا يخفى عليه من أمره شيئا ، كان ذلك سببا لتقواه ومراقبته في السر والعلن .
[ الآثار الحسنة لتقوى الله عز وجل ]
أيها المسلمون ، إن لتقوى الله آثارا حسنة على العبد في حياته وأخراه ، فمن أعظم آثار التقوى أن يجعل الله في قلب المتقي نورا يهتدي به في ظلمات الجهل والضلال ، قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( الصفحة رقم: 102)
فالمتقي لله يجعل الله في قلبه نورا يفرق به بين الحق والباطل ، وبين الهدى والضلال ، فلا يلتبس عليه الأمر .
ومن آثار التقوى أن الله يجعل للمتقي من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، ومن كل بلاء عافية وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ .
وبالتقوى تكفر السيئات وتعظم الأجور ، يقول الله -عز وجل- : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا .
بالتقوى ينال المتقي ولاية الله ، فولاية الله لا تنال بالأماني ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني ، إنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل فلا ينال ولاية الله إلا من اتقاه وخافه أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ .
إن التقوى صلة قوية تربط بين المتقين ، صلة لا انفصام لعراها ولا تصدع لبناها ، وكل علاقة أو صلة أقيمت على غير تقوى الله فلا بد لها من الزوال ، أما علاقة التقوى فهي علاقة باقية دائمة أبد الآباد الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ بالتقوى يا عباد الله ينجو العبد من النار بعد الورود وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ، فاتقوا
( الصفحة رقم: 103)
ربكم يا عباد الله وراقبوا ربكم في سركم وعلانيتكم ، وفي كل أحوالكم لعلكم تفلحون.
[ من كمال حكمة الله تعالى أن جعل صراعا بين الحق والباطل والنصر في هذا الصراع يكون للحق وأهله ]
أمة الإسلام ، إن الله من كمال حكمته وعدله أقام في هذه الدنيا الصراع بين الحق والباطل ، بين الهدى والضلال ، بين أوليائه وأعدائه ، حكمته عظيمة ليبتلي العباد ، فيظهر إيمان المؤمن من كذب الكاذب أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، وما بعث الله من نبي إلا جعل له أعداء يصدون الناس عن طريقه ويبسطون الناس عن الانقياد للحق الذي جاء به ، قال -جل جلاله-: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ، فأنبياء الله منذ بعث الله أول نبي في الأرض قد جعل الله لهم أعداء ، لا لهوانهم عليه ، ولكن ليزيد في رفعتهم ومكانتهم ، وابتلاء لأتباعهم وامتحانا لإيمانهم ، فأعداء الرسل قابلوا دعوتهم بالتكذيب والإنكار ، ولكن الرسل مضوا في دعوتهم وبلغوا رسالات الله ، والحق لا بد أن يعلو ، والباطل لا بد أن يضمحل أمام الحق بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ ، وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا .
( الصفحة رقم: 104)
[ نال محمد -صلى الله عليه وسلم- كثيرا من أنواع الأذى في سبيل تبليغ رسالته ، ولكنه صبر وصدع بدعوته وبلغ رسالة ربه] .
ومحمد -صلى الله عليه وسلم- سيد الأولين والآخرين ، خاتم أنبياء الله ورسله ، ناله من العداوة والأذى ما ناله ، فصدع بدعوته وبلغ رسالة ربه ، وأعلن دعوته صريحة آناء الليل وأطراف النهار ، دعا إلى الله سرا وجهارا ، بدأ بقومه العرب فدعاهم إلى إخلاص الدين وترك ما كانوا عليه من عبادة غير الله ، دعاهم إلى أن يخلصوا لله عبادتهم كلها ، إلى أن يخلصوا دعاءهم ونذرهم وذبحهم وخوفهم ورجاءهم ورغبتهم ، وكمال محبتهم لربهم ، فقابله أعداؤه وقاموا في وجه دعوته وآذوه ، وألحقوا الأذى به وبمن تبعه من أصحابه ، والله يأمره بالصبر والتحمل ، ويقص عليه خبر الأنبياء قبله مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ فمضى في دعوته صابرا متحسبا متحملا كل الأذى في ذات الله ، حتى أذن الله له بالهجرة إلى المدينة لما أسلم الأوس والخزرج هاجر إليها ، وأقام هناك دولة الإسلام الأولى ، وفي مقامه في المدينة كملت شرائع الإسلام وفرائضه ، حتى أكمل الله به الدين وأتم به النعمة ، فاختاره الله إلى جواره ، صلوات الله وسلامه عليه .
[ العداء لدين الإسلام قديم وُجِد منذ أن بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ]
أمة الإسلام ، إن العداء لهذا الدين القويم ليس وليد اليوم ، ولكنه قديم منذ بعث الله محمدا -صلى الله عليه وسلم- ، فلقد قام أعداؤه ضد دعوته ، ولكن الله أظهره عليهم وأيده عليهم يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ .
[ اليهود أشد الناس عداوة للرسول -صلى الله عليه وسلم- ورسالته ]
أعظم أعدائه -صلى الله عليه وسلم- اليهود ، فهم أشد الناس عداوة له
( الصفحة رقم: 105)
ولرسالته ودعوته ، لما اختاره الله من ولد إسماعيل غاظهم ذلك وحسدوه وجحدوا حقيقة ما جاء به ، أنكروا رسالته مع علمهم بصدقه وأمانته ، لكنهم جحدوا ذلك حسدا وعدوانا وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ، أيدوا أعداءه ، وحزبوا الأحزاب ضد دعوته ، وما زال الله يؤيده ويظهره عليهم حتى اقتلع جذورهم من جزيرة العرب بفضل الله وكرمه ، ولم تزل عداوة اليهود لهذا الدين وأتباعه إلى قيام الساعة.
[ بيان خطر اليهود على الإسلام والمسلمين ، وأنهم وراء كل فتنة وإجرام وفساد ]
إن كل بلاء بالأمة من فتنة في الدين والدنيا فاليهود من ورائه ، فهم أنصار الفساد وأعوان الإجرام وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ، أنهم أعداء وحدتكم ، وأعداء أخوتكم ، وأعداء اجتماعكم ، أنهم يحاولون تفريق شملكم ، وتشتيت كلمتكم ، وتفريق صفكم ، وجعلكم أحزابا وشيعة ، حتى تكون لهم الهيمنة عليكم ، فاحذروا كيدهم يا عباد الله ، واحذروا مكرهم وخداعهم وخيانتهم ، خذوا حذركم من أعدائكم وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ الآية.
أمة الإسلام ، إن حبرا من أحبار اليهود مر بالأوس والخزرج في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فرأى ما بينهم من ألفة وأخوة ومحبة ، فأمر رجلا من قومهم أن يحضر مجالسهم ويذكرهم ما كانوا عليه قبل الإسلام من تلكم الحروب الطاحنة التي مزقت هذا الحي ، فما زال ذلك اليهودي يلقي إليهم ما قيل في حرب بعاث ، ويحاول تفريق كلمتهم ، حتى كادوا أن يقتتلوا ، فجاء رسول الهدى -صلى الله عليه وسلم-
( الصفحة رقم: 106)
وذكرهم الله والإسلام حتى عادوا إلى رشدهم ، وعلموا أن تلك مكيدة من أعداء الله اليهود ، فأنزل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .
[ من أعداء الإسلام دعاة التنصير وعباد الصليب ]
وإن من أعداء دينكم يا عباد الله دعاة التنصير الذين حاولوا جهدهم أن يسلخوا المسلمين من دينهم ويحولوهم إلى عباد صلبان ، فلما عجزوا عن ذلك قادوا الحملات العسكرية ليحققوا هدفهم ، فما زاد المسلمين إلا قوة وثباتا على إسلامهم ، فحاولوا بوسائل المكر والخداع أن يبعدوا المسلمين عن عقيدتهم ويلقوا إليهم الشبه والشكوك ، ليبعدوهم عن دينهم ويقطعوا صلتهم بإسلامهم ، حاولوا أن يربوا بعض المسلمين على الأخلاق الرذيلة والأعمال السيئة؛ حتى يبعدوهم عن إسلامهم باسم المدنية ، وباسم الرقي والتقدم ، لعلمهم أن الأمة ما دامت متمسكة بقيمها وفضائلها وأخلاقها فلن تستطيع أي قوة أن تعلو عليها وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ، فخذوا حذركم من عدوكم .
[ بيان خطر المنافقين على الإسلام وأنهم أخطر من اليهود والنصارى ]
أمة الإسلام ، إن المسلم يعرف عدوه من يهودي ونصراني قد استبان شره وضرره ، ولكن هناك عدو أعظم من ذلك ، هناك من تسمى بالإسلام وهو منافق يريد هدم الإسلام والقضاء عليه ، ينتسب إلى الإسلام لأجل أن يقضي على الإسلام ومبادئه السامية ، إنهم المنافقون الذين حذرنا الله منهم ، وأخبر أنهم
( الصفحة رقم: 107)
يصورون فسادهم وضلالهم في قالب الإصلاح وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ ، إنهم قوم من جلدتنا ، يتكلمون بألسنتنا ، يهتدون بغير هدينا ، دعاة على أبواب جهنم ، من أطاعهم وأصغى لقولهم ألقوه فيها ، فكونوا على حذر من هذا الصنف يا عباد الله .
إن من أولئك المنافقين فئة حاربوا الإسلام بأقلامهم وأعمالهم ، تعرف نفاقهم في تفوههم بما يتفوهون به من كفر وضلال وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ .
[ بيان ما في أحكام الشريعة الإسلامية من العدل والإنصاف ، وأنها وحدها كفيلة بتحقيق الأمن في المجتمع ]
إن من أولئك المنافقين قوما يدعون إلى عزل الشرع عن نظم الحياة ، إلى تعطيل أحكام الله ورسوله ، إلى الاستعاضة عن أحكام الله العادلة المنصفة بقوانين ظالمة فاجرة كافرة ، يزعمون جهلا وزورا عجز الإسلام وقصوره ، وأن الإسلام لا يستطيع أن يواكب الحياة ، وأن القرن العشرين قرن الرقي والتقدم يجب أن يحكم بقوانين غير إسلامية ، وأن الإسلام قد انتهى دوره في الحياة ، ذلك من أعداء الإسلام ، كل تلك الأباطيل من المنافقين الضالين.
إن أحكام الإسلام هي الأحكام العادلة ، الأحكام المنصفة ، الأحكام التي تحقق لمن طبقها الأمن والاستقرار والطمأنينة ، الأحكام التي تجعل المجتمع مجتمعا متماسكا متراحما ، أما القوانين الوضعية فلن تستطيع حل مشاكل العصر ، هي عاجزة قاصرة ، واضعوها لا تستقل عقولهم بإدراك الحقائق على ما هي عليه ، أما قوانين الشرع فهي صادرة من حكيم خبير أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ .
( الصفحة رقم: 108)
والقوانين الوضعية مهما نمقها أهلها وحسنوها ودعوا إليها فإنها قوانين متناقضة ، قوانين ضالة تحمي الإجرام والمجرمين ، وتنشر البلاء والفوضى بين المجتمع ، قوانين تبيح الفساد كله ، قوانين تعطي الإنسان الحرية يفعل ما يشاء بدون حدود ولا قيود ، أما نظم الله وأحكامه العادلة ففيها الإنصاف والعدل والخير ، ولقد كفر الله من حكم بغير شرعه أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا .
“ من أعداء الإسلام من يريد إعادة المسلمين إلى ما كانت عليه الجاهلية قبل الإسلام من أعمال شركية وعبادة غير الله “
أمة الإسلام ، ومن أعداء الإسلام أناس يدعون إلى إعادة الأمة إلى الجاهلية الجهلاء ، إلى الضلال والعمى الذي كان قبل الإسلام ، يريدون أن يعيدوا الأمة إلى الوثنية التي حطمها الله بمبعث محمد -صلى الله عليه وسلم- ، يحيون البدع التي تناقض شرع الله ، يحاولون أن يعظموا الأموات والضرائح ويذبحون من دون الله ، يشجعون من يناديها ويهتف باسمها من دون الله ويصرف لها خالص حق الله ، إذا ذكرت لأولئك توحيد الله وإخلاص الدين لله ، اشمأزت قلوبهم وقالوا: تنقصت الصالحين والأولياء وحططت من قدر الأنبياء والمرسلين ، يريدون بذلك أن يعيدوا الأمة إلى أن تعبد ضرائح الأموات ، وتبني على القبور ، وتشجع الطائفين بها واللاجئين لها من دون الله ، والذابحين والناذرين لها ، والمستغيثين بها من دون الله ، وكل تلك عداوة للإسلام ، فإن العقيدة
( الصفحة رقم: 109)
الصحيحة ما بعث الله به محمدا -صلى الله عليه وسلم- ، فكل من أراد أن يطمسها أو يعاديها فليعلم أن له نصيبا من قوله -جل جلاله-: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ، فهم يستبشرون بدعاء الأموات ، يستبشرون بالبدع والخرافات ، وتشمئز قلوبهم من تحقيق التوحيد الخالص لله -عز وجل- الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم.
[ على المسلم أن يكيف منهج حياته على وفق ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ]
أمة الإسلام ، إن منهج المسلم حقا في حياته ما دل عليه كتاب الله ودلت عليه سنة رسوله ، فهو يحاول أن يكيف منهج حياته على وفق ما جاء به رسول الهدى محمد -صلى الله عليه وسلم- ، فإن الصراط المستقيم هو كتاب الله وسنة رسوله ، قال -جل جلاله-: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ، خط المصطفى -صلى الله عليه وسلم- خطا مستقيما فقال : " هذا سبيل الله " ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ، ثم قال : " هذه سبل ، على كل سبيل شيطان يدعو إليه صدق المصطفى صلى الله عليه وسلم .
شياطين يدعون إلى ضلالاتهم ، إلى كفرهم ، إلى نفاقهم ، إلى فجورهم ، إلى بدعهم ، إلى خرافاتهم ، إلى تحكيم العقول والأذواق وجعلها الحكم العدل ، كل هذا من البدع والضلالات ، فدين الإسلام هو كتاب ربنا وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- ، هو الطريق المستقيم والمنهج الواضح الذي لا شك فيه ولا ارتياب.
أمة الإسلام ، تمسكوا بهذا الدين واعملوا به ، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا
( الصفحة رقم: 110)
تفرقوا .
أمة الإسلام ، إنكم خير أمة أخرجت للناس ، كونوا كما أراد الله لكم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ، فحققوا هذه الخيرية ، يحقق الله لكم كل خير ورخاء واستقرار وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ، فحققوا هذه الخيرية يا عباد الله ، تمسكوا بالإسلام فإنه دين العزة والسيادة والكرامة والرفعة . أيها الأمة المسلمة ، نحن أمة الإسلام يجب أن نهتم بشأننا ، يجب أن نقيم أنفسنا ، وأن نصحح أوضاعنا ، ونصلح من أخطائنا ، يجب أن يكون التفاهم رائدنا ، والتعاون بيننا قائما.
أمة الإسلام ، نحن أمة مسلمة ، المسلم يهتم بأخيه المسلم في شرق الأرض وغربها تربطه به أخوة الإسلام والإيمان إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ .
“ على المسلمين التعاون في حل مشاكلهم في حدود المجتمع المسلم “
أمة الإسلام ، أما آن لنا أن نستيقظ من غفلتنا ونعود إلى رشدنا ونتعاون في حل كل مشكلة تقع بين أفراد الأمة المسلمة ، يجب على أمة الإسلام أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم ، ويصلحوا أوضاعهم وأخطاءهم في حدود مجتمعهم المسلم ، هذا هو الواجب علينا لتكون لنا الكلمة العليا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .
( الصفحة رقم: 111)
أعداؤكم يا عباد الله يقيمون أحلافا عسكرية ، ليحموا بها بلادهم ، وأحلافا اقتصادية ليحموا بها اقتصادهم ، ونحن أمة الإسلام عندنا مقومات الوحدة الكاملة: الإيمان النابع من العقيدة ، فهل آن لنا أن نتفاهم في حل مشاكلنا؟ وأن نفهم قضايانا؟ وأن نعرض كل مشكلة تقع بين أمة الإسلام على كتاب ربنا وسنة رسولنا -صلى الله عليه وسلم- ؟ عند ذلك تكون لنا الكلمة ، ولن يستطيع العدو أن يفسد ما بيننا. إن قوة الأمة الإسلامية وعظمتها إنما هو في تمسكها بدينها واجتماعها على هذا الدين وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا .
“ توصية قادة المسلمين بتقوى الله في شعوبهم والحفاظ على هذا الدين وتحكيم الشريعة في شئون مجتمعاتهم “
يا قادة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، اتقوا الله في شعوبكم ، وحافظوا على البقية الباقية من هذا الدين ، حكموا في شعوبكم شرع الله ؛ لتعيشوا أنتم وإياهم آمنين مطمئنين مستقرين ، حكموا فيهم كتاب الله وسنة رسوله ، لتعيشوا في خير وأمان ، إن كل بلاء حل بالأمة فأسبابه الذنوب والمعاصي وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ، حكموا فيهم شرع الله ، وطهروا مجتمعات المسلمين من كل ما يخالف شرع الله؛ لتعيشوا في أمان واستقرار ، واعلموا أن الله سائل كلا عما استرعاه يوم قدومه عليه يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ (88) إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ، فاتقوا الله في أمة الإسلام ، وقوموا فيهم لله قيام صدق بإخلاص ونية صادقة.
( الصفحة رقم: 112)
الحج فريضة العمر على المسلم ، وفيها منافع عظيمة لهم تعود عليهم بالخير والصلاح
حجاج بيت الله الحرام ، إن الله افترض الحج على أمة الإسلام ، وجعلها ركنا أساسيا من أركان الدين ، من أداها في عمره مرة فقد أدى الواجب الذي عليه وبرأت بذلك ذمته ، شرعه الله للعباد ، ليشهدوا منافع لهم تعود عليهم بالصلاح والخير لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ، وينظروا في عظمة الإسلام كيف التقت تلكم الوفود المختلفة في اللون والبلد واللغة ، لكن جمعتهم أخوة الإسلام ووحدتهم رابطة الإيمان ، فيعلم المسلم عظمة هذا الدين وقوته.
حجاج بيت الله الحرام ، اشكروا الله الذي وفقكم للوصول إلى هذه الديار المقدسة.
“ على الحجاج أداء شكر الله بتوفيقه إياهم للوصول إلى هذه البلاد المقدسة التي أنعم الله عليها بنعمة الأمن والاستقرار والرغد والطمأنينة “
تفكروا فيما أنعم الله على أهل هذه البلاد من أمن واستقرار ورغد وطمأنينة ، إن هذه البلاد – ولله الفضل والمنة – قد منحها الله النعم العظيمة ، من أجلها نعمتين : أولاهما: تحكيم شرع الله ، فمحاكمها تحكم بشرع الله وتقيم حدود الله وتنفيذ أوامر الله ، وثاني ذلك : ما من الله عليهم من أمن واستقرار وارتباط وثيق بين القادة والأفراد ، كل ذلك بفضل تحكيم هذه الشريعة ، فهذه البلاد – ولله الفضل والمنة – منحها الله الخير الكثير ، ورأى قادتها من واجبهم أن يخدموا حجاج بيت الله ، وأن يقدموا لهم كل التسهيلات ويذللوا أمامهم الصعاب ، ويبذلوا كل غال ونفيس في سبيل راحة الحجاج وأمنهم ، وهم مع هذا دائما يتحسسون مشاكل أمة الإسلام ، ويحاولون بكل مستطاع أن يوجدوا الرخاء لغيرهم ، ويمدوا غيرهم مما أعطاهم الله ، ذلك أنهم مقتنعون من ذلك نتيجة لإيمانهم بشرع الله وتحكيمهم لدين الله ، فهذه البلاد – ولله الحمد – تعيش نعمة عظيمة
( الصفحة رقم: 113)
وفضلا عظيما ، أمر يشهد به كل أحد ، فمن زار هذه البلاد من الحجاج والمعتمرين ورأى هذا الأمن والاستقرار ، علم مقدار نعمة الله على هذه البلاد وكيف كانت عاقبة تحكيم شرع الله والتمسك به ، فنسأل الله المزيد من فضله وكرمه ، وأن يوفق قادة هذه البلاد لما يحبه ويرضاه ، إنه على كل شيء قدير.
“ على الحجاج إقامة ذكر الله ودعاؤه والثناء عليه في هذا الموسم العظيم ، وأن يغتنموا هذه الفرصة لعبادة الله وحده “
حجاج بيت الله الحرام ، الحج مناسبة عظيمة لإقامة ذكر الله ودعائه واستغفاره والثناء عليه ، هو عبادة يتقرب بها العبد إلى الله ، احذروا أن تحرفوا الحج عن وجهته الشرعية ، احذروا أن تعدلوا به عن منهج الله الذي أراده ، فالله أراد لكم بهذا المكان أن تذكروه وتستغفروه فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ، فمن حاول أن يغير الحج عن وجهته الشرعية في شعارات جاهلية ودعوات مضللة وأمور لا علاقة لها بالإسلام ، فأولئك ممن حاولوا صرف الحج عن وجهته الشرعية ، وهذا يرفضه الإسلام ويأباه .
حجاج بيت الله الحرام ، إن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- حج حجة واحدة ، هي حجة الوداع التي ودع الناس فيها ، وما فعل -صلى الله عليه وسلم- فعلا إلا قال لهم: ( خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا )
“ بيان صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم
جاء -صلى الله عليه وسلم- يوم عرفة وخطب بهذا الوادي في هذا المكان خطبة عظيمة ، أعلم الناس فيها حرمة الدماء وحرمة الأموال ، وألغى فيها مآثر الجاهلية ، وبين تحريم الربا ، وما للمرأة من الحقوق وما عليها من الواجبات ، وأخبرهم أنه تارك فيهم ما لن يضلوا إن تمسكوا به وهو كتاب الله ثم
( الصفحة رقم: 114)
استشهدهم على إبلاغ رسالة الله وشرعه قائلا لهم: ألا هل بلغت ؟ ألا هل بلغت ؟ " فقال الصحابة بأجمعهم: نشهد أنك بلغت ونصحت وأديت ، فرفع أصبعه إلى السماء ونكتها إلى الناس وقال: " اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، اللهم اشهد يستشهد الناس أنه بلغهم رسالة الله ، وهو الذي قضى فيهم ثلاثة وعشرين عاما يدعوهم إلى الله ، ويبين دين الله ، ويبلغ رسالته ، ويجاهد في سبيله ، فما أعظمها من شهادة! وما أشرفها من مشهود بها! وما أعظمه من مشهود له! إن كل مسلم حقا يشهد له بكمال البلاغ ، وأنه أدى الأمانة ، ويبلغ الرسالة ، ونصح الأمة ، وجاهد في الله حق جهاده ، فصل يا رب وسلم عليه تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
صلى الظهر والعصر بعرفة جمعا جمع تقديم وقصرا ، ثم وقف بعرفة حتى غربت الشمس وقال : وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف وقال : وارفعوا عن بطن عرنة بقي فيها حتى غربت الشمس وتأكد من غروبها ، ثم انصرف إلى مزدلفة وهو يأمر أصحابه بلزوم السكينة والوقار في سيرهم ، صلى بمزدلفة المغرب والعشاء جمع تقديم ، وبات بها ، وأذن للضعفة أن ينصرفوا قبل الفجر ، وبقي هو -صلى الله عليه وسلم- إلى أن صلى بمزدلفة الفجر ، ثم ذكر الله عند المشعر الحرام ، ثم أتى منى فرمى جمرة العقبة ، ثم نحر هديه ، ثم حلق رأسه ، ثم طاف طواف الإفاضة ولم يسع؛ لأنه سعى مع طواف القدوم ، فهذا هديه صلى الله عليه وسلم .
أعمال الحج يوم عرفة وما بعدها من الأيام
فيا حجاج بيت الله الحرام ، ابقوا بعرفة حتى تغرب الشمس ، ولا يحل لكم الانصراف إلا بعد غروب الشمس ، باتوا بمزدلفة ، صلوا بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا ، ثم لكم أن تدفعوا منها بعد نصف الليل ، لا سيما العجزة من النساء ، ومن
( الصفحة رقم: 115)
أراد الكمال فليبق حتى يصلي بها الفجر ، ثم ادفعوا إلى منى وارموا جمرة العقبة ، وانحروا هديكم إن كنتم قارنين أو متمتعين ، أما المفرد فلا هدي عليه ، احلقوا رؤوسكم ثم طوفوا طواف الحج ، ومن قدم شيئا من الأنساك أو أخر فلا حرج عليه؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- ما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: " افعل ولا حرج بيتوا بمنى ليالي التشريق ، وارموا الجمار يوم الحادي عشر مرتبة: الصغرى ، ثم الوسطى ، ثم العقبة ، واليوم الثاني عشر كذلك ، فإن كنتم متعجلين فانصرفوا من منى قبل غروب شمس ذلك اليوم ، وإن تأخرتم فارموا الجمار يوم الثالث عشر.
فضل يوم عرفة ، وما فيه من تذكير واعتبار وتذكر الآخرة والعرض والحساب “
حجاج بيت الله الحرام ، يوم عرفة يوم من أفضل أيام الله وخير أيام الله ، يوم يكفر الله فيه الذنوب ويضاعف فيه الأجور ، يقول -صلى الله عليه وسلم- : ما من يوم أكثر من أن يعتق الله -عز وجل- فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو -عز وجل- ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ إن الله -عز وجل- يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول: انظروا إلى عبادي ، أتوني شعثا غبرا
حجاج بيت الله الحرام ، اجعلوا من موقفكم بعرفة عظة وتذكرا للموقف الأكبر بين يدي الله ، يوم تقفون بين يدي ربكم حافية أقدامكم ، عارية أبدانكم ، شاخصة أبصاركم ، تذكروا يوم تدنو الشمس من العباد ، حتى تكون منهم على قدر ميل أو ميلين ، ويزاد في حرها ، ويأخذ الناس العرق على قدر أعمالهم ، فمنهم من يأخذه إلى عقبيه ، ومنهم من يأخذه إلى حقويه ، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما ، يقول -صلى الله عليه وسلم- : تحشرون حفاة عراة غرلا " ، قالت عائشة : فقلت : يا
( الصفحة رقم: 116)
رسول الله ، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: " يا عائشة ، الأمر أشد من أن يهمهم ذاك
تذكروا أيها المسلمون ، يوم العرض بين يدي الله يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ .
تذكروا يوم توزن أعمال العباد فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ .
تذكروا يوم تطير الصحف فآخذ كتابه بيمينه كتاب سعادة لا شقاء بعدها أبدا .
تذكروا عباد الله يوم تمرون على الصراط وهو على متن جهنم ، فمنكم من يمشي كالريح ، ومنكم من يمشي كالبصر ، ومنكم من يمشي كالفرس ، ومنكم من يمشي مشيا ، ومنكم من يزحف زحفا ، ومنكم من يحبوا حبوا
تذكروا يوم تفتح أبواب الجنان فيدخلها محمد -صلى الله عليه وسلم- ، هو أول داخل لها من الأنبياء ، وأول الأمم دخولا أمته .
تذكروا يوم ينادي المنادي : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت خذوا من هذه المواقف عبرة وعظة وازديادا ليوم الميعاد .
اللهم اجعل حجنا مبرورا ، وسعينا مشكورا ، وذنبنا مغفورا ، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ، ولنبيك بالرسالة ، وماتوا على ذلك ، اللهم اغفر لهم وارحمهم ، وعافهم واعف عنهم ، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم ،
( الصفحة رقم: 117)
واغسلهم بالماء والثلج والبرد ، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، ربنا اغفر لنا ذنوبنا ، وإسرافنا في أمرنا ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين ، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعا مباركا مرحوما ، واجعل تفرقنا بعده تفرقا معصوما ، ولا تجعل فينا ولا معنا شقيا ولا محروما ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار ، اللهم وفق إمام المسلمين وولي عهده والنائب الثاني ، اللهم أيدهم بنصرك ، واهدهم لما تحبه وترضاه ، إنك على كل شيء قدير .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على سيد ولد آدم ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم برحمتك يا رب العالمين .



  سابق     تالي