تصفح برقم المجلد > الجامع لخطب عرفة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ > خطبة عام 1407 الهجري

( الصفحة رقم: 121 )

خطبة عام 1407 الهجري

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إن الحمد لله ، نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، فمن يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أما بعد:
“ الوصية بتقوى الله عز وجل “
أيها الناس ، اتقوا الله حق التقوى. اتقوه تعالى بفعل ما أمركم بفعله ، والابتعاد عما نهاكم عنه ، لتكونوا متقين لله حقا .
“ الإيمان نعمة عظيمة من الله امتن بها على العبد المؤمن “
أيها المسلمون ، إن المؤمن الذي استنار بالإيمان قلبه ، وانشرح بالإسلام صدره ، ورزقه الله نورا يميز به بين الحق والباطل ، بين الهدى والضلال ، يرى تلك نعمة عظيمة من الله عليه ، وتلكم النعمة تحتاج إلى شكر الله ، فالشكر لله سبب لدوام النعمة واستقرارها وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ .
وهو أيضا يرى عليه واجبا أن يبصر إخوانه المسلمين ، ويهديهم طريق الله المستقيم ليستنقذ إخوانه من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والهدى.
أمة الإسلام ، إن الدعوة إلى الله سبيل أنبياء الله ورسله والتابعين لهم بإحسان قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ .
( الصفحة رقم: 122)
الدعاة إلى الله ورثة الأنبياء والمرسلين
فالدعاة إلى الإسلام ورثة الأنبياء والمرسلين ، أهلهم الله لذلك الفضل العظيم والشرف الكبير ، إن الداعي إلى الله أحسن الناس قولا وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، إن الداعي إلى الله سائر على الطريق المستقيم ، مساهم في حماية أمة الإسلام ، وإنقاذها من مسالك الهلاك ، يحميها بتبصيرها الحق وتحذيرها من سبل الباطل .
أيها الداعي إلى الله ، سر على طريقك في الخير والهدى ، واعلم أن لك أجرا مثل أجر من انتفع بدعوتك واقتدى بهديك إلى يوم القيامة ، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا
صفات الداعي إلى الله تعالى
دعاة الإسلام ، إن الداعي إلى الله لا بد أن تتوفر فيه أمور مهمة ، فإن توفرت فيه تلكم الأمور ، صار ذلك سببا بتوفيق الله في انتفاع الناس بدعوته وقبولهم لها وإصغائهم إليها .
“ من صفات الداعي إلى الله الإخلاص في دعوته “
فلا بد أولا من الإخلاص لله ، وأن يكون الداعي إلى الله صادقا في دعوته ، مخلصا لله في دعوته ، فلا تكون دعوته إلى هوى نفسه وحظوظها وشهواتها ، ولكنها دعوة مباركة صادرة من قلب خالص ، يرحم عباد الله ويشفق عليهم ، ويحب الخير والصلاح لهم ، كم من مُظْهِرٍ أنه داع إلى الله ، وهو يدعو إلى هوى نفسه وحظوظها ، كم دعاة انتسبوا للدعوة إلى الإسلام ، وهم يدعون لأنفسهم
( الصفحة رقم: 123)
وأغراضهم وأهوائهم ، ودعواتهم مشبوهة ، إنما هي دعوات لأغراض دنيوية لأحزاب ، أو معارضات ، أو مزاحمات في سلطة ، وغير ذلك ، فتكون تلك الدعوات فاشلة ؛ لأنها تفقد الإخلاص لله والصدق مع الله ، إنما هي عصبية حزبية أو دعوات سياسية ، ليس مقصودها الدعوة إلى الله ونصرة دين الله .
“ من صفات الداعي إلى الله العلم بحقيقة ما يدعو إليه “
أمة الإسلام ، ولا بد في الداعي إلى الله من أن يكون على علم بحقيقة ما يدعو إليه ، فإن من دعا إلى الله على غير هدى ، على جهل وضلال ، فما يفسد أكثر مما يصلح ، لا بد من علم بحقيقة الدعوة ، حتى تكون الدعوة منطلقة على بصيرة من الله ، فإن كان الداعي جاهلا بحقيقة ما يدعو إليه ، ففساده أكثر من صلاحه .
“ من صفات الداعي إلى الله موافقة القول والعمل “
ولا بد في الداعي إلى الله من أن يكون عمله موافقا لقوله ، فتكون أعماله مصدقة لأقواله ، فإن لم تطابق الأعمال الأقوال لم يثق الناس بدعوته ، ولم يطمئنوا إليه ، بل رأوه متناقضا فيما يعمل ويقول ، ولذا قال الله مخبرا عن نبيه شعيب -عليه السلام- أنه قال لقومه : وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وذم الله اليهود لما خالفت أعمالهم أقوالهم أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ .
وعاتب الله أهل الإيمان بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ
“ من صفات الداعي إلى الله العلم بأحوال الناس “
ولا بد في الداعي إلى الله من أن يكون على بصيرة في دعوته ، وأن يعرف
( الصفحة رقم: 124)
اختلاف الناس واختلاف عقولهم وأفكارهم وتصوراتهم ، فيخاطب كل فئة بما يتناسب مع وضعها وحالها؛ حتى تكون لدعوته آثار حسنة ، ولذا النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذ لما وجهه داعيا : " إنك ستأتي قوما أهل كتاب يبين له حال من يدعوهم ليستعد لمناظرتهم ومجادلتهم .
يجب الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- واتخاذ سيرته منهجا في الدعوة إلى الله
دعاة الإسلام ، إن سيد الدعاة وإمامهم وأفضلهم محمد بن عبد الله سيد الأولين والآخرين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ، خير أنبياء الله وخاتم رسله ، صلوات الله وسلامه عليه أبدا دائما إلى يوم الدين ، فخذوا من سيرته منهجا لدعوتكم ، اسلكوا طريقه وسيروا على منهجه في دعوتكم ، لتفوزوا بالسعادة في الدنيا والآخرة ، فإن خير المنهج منهجه ، وأفضل السبل سبيله الذي سار عليه .
بعثه الله على حين فترة من الرسل ، واندراس من العلم والهدى ، بعثه برسالة شاملة عامة لجميع الخلائق ، واختار لمبعثه أم القرى شرفها الله ، فابتدأ بدعوته قومه الأميين من العرب .
“ دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس إلى إخلاص الدين لله وترك عبادة غير الله “
دعاهم إلى إخلاص الدين لله ، وترك ما كانوا عليه من عبادة غير الله ، ومن الإشراك بالله ، وترك ما كانوا عليه من اتخاذ الوسائط والشفعاء الذين يزعمون بجهلهم أنها تقربهم إلى الله زلفى .
عرض دعوته وأعلنها صريحة واضحة من يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة ؟ دعوة صريحة واضحة في منهجها ، ليست دعوات مضللة لها وجه ظاهر ووجه باطن خفي وخفاء ، بل هي واضحة في منهجها وأسلوبها ، يعرفها كل
( الصفحة رقم: 125)
من سمعها ، دعا إلى الله فناله الأذى من قومه ، وآذوه وآذوا أتباعه ، وهو صابر محتسب متحمل الأذى في ذات الله ، وحين اشتد به الألم وضاقت به الدنيا يوم أحد قال: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون يستأذنه ملك الجبال أن يطبق عليهم أخشبي مكة ويقول : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا يأمره الله بالصبر والثبات ويقص عليه أنباء المرسلين وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ
بدأ قومه بالدعوة إلى التوحيد بتصحيح العقيدة ، وتثبيتها في النفوس وتطهيرها من أدران الشرك والوثنية .
“ على الدعاة أن ينهجوا منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى عقيدة التوحيد ، وتصحيح العقيدة أولا “
فيا دعاة الإسلام ، خذوا من منهجه منهجا لكم في دعوتكم ، اجعلوا الدعوة إلى عقيدة التوحيد أهم أموركم وغاية مرادكم ، صححوا العقيدة وخلصوها من جميع الشوائب ، حذروا الأمة مما وقع فيها من بدع وضلالات وجهالات ، انشروا العقيدة الصحيحة فهي الأصل في مبدأ كل دعوة نافعة ، اجعلوا الاهتمام بهذا المبدأ السليم ، فبثوا العقيدة واغرسوها في النفوس وحببوهم إليها ، تحملوا كل الأذى في ذات الله ، وليكن غايتكم نصح عباد الله وإرشادهم واستنقاذهم من الجهالات والضلالات .
“ على الدعاة أن يحذروا الدعوات المضللة والأفكار الهدامة “
دعاة الإسلام , احذروا الدعوات المضللة والأفكار الهدامة ، التي تستر بها أعداء الإسلام خداعا وتضليلا ، والله يعلم أن الإسلام منهم بريء ، تظاهروا بالإسلام في دعواتهم ، وإذا تأمل المسلم البسيط تلك الدعوات رآها جهالات
( الصفحة رقم: 126)
وضلالات وخداعا للأمة وتضليلا لها ، ذلك أن أرباب هذه الدعوات لهم علاقة قوية بأعداء الإسلام ، أعداء الإسلام يرسمون لهم الطريق ويخططون لهم المخططات ، ليضربوا أهل الإسلام بعضهم ببعض ، اتخذوا دعاة الضلالة جسرا يعبرون عليه لنيل أغراضهم وأهوائهم وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ .
“ مسجد الضرار كان مثالا لأرباب الدعوات المضللة الذين يتظاهرون بالإسلام ويبطنون العداء له “
احذروا أرباب هذه الدعوات المضللة ، فهم خطر على الإسلام وأهله ، وهم بلاء في جسم الأمة الإسلامية ، إن تظاهروا بالإسلام فإنما هو الخداع والتضليل ، ولكم في قصة أهل مسجد الضرار عبرة وعظة ، قوم من المنافقين تظاهروا بالإسلام ، وبنوا معقلا للكفر والضلال ، وسألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يصلي فيه ليكتسب الفضل والكرامة ، ورسول الله لا يعلم ما في الغيب ، فقال -صلى الله عليه وسلم- : إن رجعنا من تبوك صلينا فيه إن شاء الله . فلما قرب من المدينة راجعا أخبره الله تعالى أن هذا مسجد ضرار ، وأنه معقل الكفر والضلال وإن تظاهر أهله بالإسلام لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ إلى إن قال: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ اتخذوه في صورة مسجد وهو معقل للكفر والضلال ، وهكذا أرباب الدعوات
( الصفحة رقم: 127)
المضللة ، وإن تظاهروا بالإسلام خداعا فهم أعداؤه وخصومه الألداء ، فكونوا على حذر من هؤلاء وهؤلاء؛ لتسلم عقيدتكم ويسلم اتجاهكم .
“ على الحجاج أن يشكروا الله على أن بلغهم إلى بيته الحرام آمنين مطمئنين “
حجاج بيت الله الحرام ، اشكروا الله على نعمته؛ إذ بلغكم الوصول إلى بيته الحرام ، ومكنكم من الوقوف في تلك المشاعر المقدسة ، وهيأ لكم الوصول إليها ، فوصلتم آمنين مطمئنين ، فاعلموا أن تلك نعم من نعم الله عليكم ، وفضل من الله عليكم ، فاشكروه على نعمته ، واتخذوا من الحج نقطة تحول في سلوككم وأعمالكم ، ليكن حجكم إلى بيت الله نقطة تحول في سلوككم وأعمالكم ، لتصححوا أوضاعكم وتقيموا ما اعوج من أخلاقكم ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه
“ على الحجاج أن يعظموا هذه المشاعر والأماكن المقدسة “
فيا أيها المسلمون ، أنتم في بلد الله الأمين ، أنتم في هذه الأماكن المقدسة ، عظموها كما عظمها الله ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ، عظموا هذه المشاعر ؛ فإنها أماكن لعبادة الله وإخلاص الدين لله ، يلتقي فيها المسلمون على طاعة الله ، يلتقون فيها على بساط المحبة والمودة ، أمة جمعتهم رابطة الإيمان ووحدتهم أخوة الإسلام إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ .
فضل الله سبحانه البلد الأمين على سائر بقاع الأرض
حجاج بيت الله الحرام ، أيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ، إن الله اختار البلد الأمين وفضله على سائر بقاع الأرض ، عهد ببنائه لنبيه إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- ، أقام قواعده على توحيد الله وإخلاص الدين لله ، دعا الخليل ربه بعد بنائه قائلا: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ
( الصفحة رقم: 128)
فاستجاب الله لدعوته وجعل هذا البلد بلدا آمنا ، قال الله -جل جلاله-: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا .
“ احترام بيت الله الحرام أمر مستقر في نفوس أهل الإيمان ، بل أهل الجاهلية على ضلالهم كانوا يعظمون هذا البيت “
إن احترام البيت الحرام مستقر في نفوس أهل الإيمان ، بل أهل الجاهلية في جاهليتهم وعلى كفرهم وضلالهم يعظمون بيت الله ويحترمون أمنه وطمأنينته ، ويرون من أخل فيه بأمنه فإنه عاص ومرتكب خطأ كبيرا ، فجاء الإسلام فزاد ذلك تعظيما وتأكيدا ، قال الله -جل جلاله- ممتنا على سكان بيته الحرام : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ، فكان العرب يحترمون سكان بيت الله ، يحترمونهم ويعظمونهم ، ويرون لهذا البيت حرمته وأمنه ومكانته.
“ حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على حفظ حرمة هذا البيت عام الفتح ، ووصى أمته على ذلك “
جاء محمد -صلى الله عليه وسلم- عام ست من الهجرة معتمرا ، فصده كفار قريش عن مراده ، وبايعه المسلمون على الموت ومنازلة الكفار ، ولكن حكمة الله أبت إلا أن يعود محمد -صلى الله عليه وسلم- حتى يرجع من العام القادم ، كل ذلك تعظيما للبيت ، حتى لا تسفك فيه الدماء ، وحتى تبقى حرمته كما كانت.
جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- عام ثمان من الهجرة فاتحا بيت الله الحرام ، ثم قبل الفتح أعلن إعلانه الواضح : من أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ثم بعد ذلك في صبيحة اليوم الثاني من الفتح قام في المسلمين خطيبا منوها بفضل هذا البيت وأمنه وحرمته ، فقال : إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله -صلى الله عليه
( الصفحة رقم: 129)
وسلم- فيها ، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، وليبلغ الشاهد الغائب
هذا البيان النبوي أمام قبائل العرب المختلفة ليبين لهم أن فتحه لبيت الله الحرام لن يحط من قدر هذا البيت ، ولن ينقص من شرف هذا البيت ، بل شرفه قديم منذ خلق الله السماوات والأرض ، حرمته قديمة ، وستظل باقية إلى قيام الساعة ، وأهل البيت محترمون له.
“ الإسلام بريء ممن يبث الفوضى في صفوف الحجيج ، ويسعى لسفك دماء المسلمين “
أمة الإسلام ، أين الإسلام ممن يحاول بث الفوضى بين صفوف الحجيج ، أين الإسلام ممن يسعى في سفك دماء المسلمين ، أين الإسلام ممن لا يرعى لأهل الإسلام حرمة ولا كرامة ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم إن من يريد في هذا البلد الأمين الشر والفساد فسيحيق مكره بنفسه ، وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ .
إن الله جل جلاله يعاقب من هم بالمعصية في بيته الحرام وإن لم يفعلها ، كل المعاصي لا يعاقب عليها إلا بالفعل ، إلا الإلحاد في الحرم ، فمن هم فيه بسوء عاقبه الله ، وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ، إن الله جعله حرما آمنا ، ليفد الناس إليه حجاجا ومعتمرين فيجدوه حرما آمنا ، واحة سلام ، ودار أمان كما أراده الله .
“ قيادة هذا البلد حريصة كل الحرص على حفظ حرمة هذا البيت وأمنه ، وتهيئة السبل لراحة الحجيج وتيسير أمرهم “
والله -جل جلاله- بفضله وكرمه وجوده وإحسانه منَّ في هذه العصور
( الصفحة رقم: 130)
الأخيرة على هذا البلد الأمين بنعمة سابغة ، بنعمة عظيمة ، ما عرف التاريخ لها بعد القرون المفضلة مثيلا ، ولا عرف لها نظيرا ، منحه الله قيادة حكيمة ، ورجالا مخلصين ، استرخصوا كل غال ونفيس في سبيل المحافظة على حرمة هذا البيت وأمنه ، وفي سبيل راحة الحجاج وتهيئة السبل لهم ، وتذليل الصعاب لهم ، بذلوا كل ما يستطيعون عليه ، وهم سائرون على هذا الطريق إن شاء الله في كل عام ، وبلد الله الأمين يشهد تقدما وعمرانا ونهضة وخدمات متواصلة ، ما يمضي عام إلا والذي بعده خير منه ، كل ذلك من فضل الله وكرمه؛ لأن هذه القيادة تؤمن بأن هذا واجب إسلامي عليها ، وأن الله شرفها بخدمة هذا البلد الأمين ومن عليها بذلك ، فهي ترعى حرمة المسلمين وأمنهم واطمئنانهم ، وتسعى جاهدة في تأمين سبيل الحجاج ، والواقع شاهد على ذلك .
إن كل مسلم زار بيت الله وأدى شعائر الحج يرى هذا البلد الأمين آمنا مطمئنا ، موفرا به كل خير ، مهيأة فيه السبل ، مفتوحة أبوابه للحجاج والمعتمرين على مدار العام ، هذه نعمة من الله لا يجحدها أو يخفيها إلا حاقد مريض ، لكن الحقائق لا بد أن تنطق ، كل من زار البلد الأمين وجده آمنا مطمئنا ، ووجد كل ما يحتاج الحجاج إليه موفرا لهم أحسن ما يكون ، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا ، ووفقهم لصالح الأعمال ، وجعلهم قادة مخلصين ، أنصارا لدين الله ، وأعوانا للحق والهدى.
حجاج بيت الله الحرام ، أقبلوا على طاعة الله ، وأخلصوا لله حجكم وأعمالكم ، واحذروا السماع والإصغاء للمضللين.
( الصفحة رقم: 131)
“ نهى الله عن اتخاذ الحج منبرا للفخر بالأنساب والأحساب “
إن الله -جل جلاله- عاتب العرب ونهاهم أن يتخذوا الحج منبرا للفخر بأحسابهم وأنسابهم ، وحذرهم من ذلك وأمرهم بلزوم ذكره: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ .
“ بيان صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم
حجاج بيت الله الحرام ، محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- حج حجة واحدة هي حجة الوداع ، وهي الحجة الوحيدة له بعد مهاجره -صلى الله عليه وسلم- ، أذن -صلى الله عليه وسلم- في الناس قائلا: إني حاج ، فأم المدينة بشر كثير كلهم يريد الاقتداء به والتأسي به ، فسار في طريقه من المدينة إلى مكة شرفها الله ، والناس عن يمينه وشماله وخلفه وأمامه مد البصر ، كل يلتمس الاقتداء به والتأسي به ، والوحي ينزل عليه ، وما عمل به النبي -صلى الله عليه وسلم- عمل الناس بمثل ما عمل .
سلك الطريق الذي سلكه الأنبياء قبله ، فمر بفج الروحاء فقال : والذي نفسي بيده ، ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما مر بعسفان فقال : كأني بهود وصالح على بكرين أحمرين متزري العباء ، مرتدي النمار ، يحجان هذا البيت العتيق
وصل -صلى الله عليه وسلم- مكة المكرمة منشأه ومبدأ دعوته فوجد الحرم البلد الأمين طاهرا من الشرك ، طاهرا من أخلاق الجاهلية ، فطاف به -صلى الله عليه وسلم- ، وخرجت العواتق وذوات الخدور كل يرتقب لينظر إليه وينظر
( الصفحة رقم: 132)
كيف يعمل ، فكمل حجه راكبا ليراه الناس ، صلوات الله وسلامه عليه
سعى بين الصفا والمروة ، أتى إلى منى ، ثم أتى إلى عرفة ، فخطب في بطن هذا المكان العظيم خطبة عظيمة ، أعلم الناس فيها قواعد الإسلام ، وأعلمهم كيف يتعاملون ، وأعلمهم حقوق الإنسان الصحيحة التي جاء بها الإسلام ، وأعلمهم نظام الأسرة الصحيحة الذي جاء به الإسلام ، وأبطل مآثر الجاهلية ، وحرم الظلم في الأموال والدماء والأعراض
ثم وقف بعرفة -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: " وقفت هاهنا ، وعرفة كلها موقف وقف موقف الذليل الفقير إلى ربه ، الراجي عفوه ، الخائف من عقابه ، انصرف بعد غروب الشمس إلى مزدلفة مع الناس وهو يقول لهم : " السكينة السكينة أتى منى فلقط الجمار وقال لهم : " إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين
خطبهم يوم النحر وأعلمهم مناسك حجهم ، وأمرهم باحترام الدماء والأموال والأعراض ، ثم إنه -صلى الله عليه وسلم- كمل مناسك حجه ، ثم عاد إلى المدينة ليوفي إلى أهل المدينة حقهم فقال : المحيا محياكم والممات مماتكم فصلوات الله وسلامه عليه .
“ على الحاج أن يتأسى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في حجه “
إن المسلم وهو يؤدي مناسك الحج يتذكر سنة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ويتأسى به ويترسم خطاه -صلى الله عليه وسلم- قدوة المسلمين وأسوتهم في جميع أقوالهم وأفعالهم .
( الصفحة رقم: 133)
فضل يوم عرفة
حجاج بيت الله الحرام ، هذا يوم عرفة من أفضل أيام الله ، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ وقال : ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة ، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إذا كان يوم عرفة إن الله ينزل إلى السماء فيباهي بكم الملائكة فأروا الله من أنفسكم خيرا.
أخلصوا إلى الله أعمالك ، احفظوا جوارحكم من كل سوء ، تضرعوا بين يدي ربكم واسألوه مغفرة ذنوبكم وحط خطاياكم وأوزاركم .
“ بيان أعمال يوم عرفة وبقية أعمال الحج
قفوا بعرفة إلى غروب الشمس ، ولا تنصرفوا منها إلا بعد غروب الشمس ، وتأكدوا من حدود عرفة ، تأكدوا منها فلها أعلام واضحة ، انصرفوا إلى مزدلفة بعد غروب الشمس ، وصلوا بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا ، وللعاجز أن يدفع منها بعد نصف الليل ، ومن كان قادرا يبقى فيها إلى بعد صلاة الفجر ، ثم أفيضوا إلى منى وارموا جمرة العقبة ، وانحروا هديكم إن كنتم متمتعين أو قارنين ، واحلقوا رؤوسكم أو قصروها ، والحلق أفضل ، ثم أفيضوا إلى البيت ، وطوفوا طواف الحج ، واسعوا بين الصفا والمروة إن كنتم متمتعين ، فإن كنتم قارنين أو مفردين ولم تسعوا مع طواف القدوم ، فاسعوا مع طواف الإفاضة ، ارموا الجمار في اليوم الحادي عشر واليوم الثاني عشر ، ثم ودعوا بيت الله الحرام ، وقد أكمل الله لكم نسككم ، وأتم عليكم نعمته.
( الصفحة رقم: 134)
حجاج بيت الله الحرام ، إن هذه البلاد المقدسة تعيش في أمن وطمأنينة وسلامة ونعمة ، في ارتباط وثيق بين قادتها ومواطنيها ، جمعهم الله على الإسلام ، فهم متعاونون على الحق والهدى ، بلد أمنها الله من كل مكروه بفضله وكرمه ، ووفر لها النعم ، وهيأ لها أسباب الخير نتيجة لإقامة حدود الله وتنفيذ شرع الله ، وآثارُ الإسلام لا شك حميدة على النفوس والبلدان.
إن ما حصل على المسلمين من نقص وضرر وبلاء فإنما سببه التخلف عن الإسلام والبعد عن أحكامه.
“ على قادة المسلمين أن يسعوا في تطبيق شرع الله في مجتمعاتهم “
فيا قادة المسلمين ، اتقوا الله في أنفسكم وشعوبكم ، اعملوا بشرع الله ، واجعلوا نظمكم وقوانينكم على طبق ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ؛ لتعيشوا أنتم وشعوبكم في أمن وطمأنينة ، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ .
“ الموت نهاية كل حي ، فعلى المسلم أن يستعد للقاء الله بالتزود من العمل الصالح “
أمة الإسلام ، إن الله جعل الموت نهاية كل حي ، وأخبر أن كل حي فمآله ولا بد إلى الموت ، قال الله لآدم -عليه السلام- : وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ، وأخبر أن الموت مصير كل حي ، وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ، فإذا علمت أيها المسلم ذلك ، فكن مستعدا للقاء الله ، متذكرا هذا المصرع العظيم في كل آن وحين ، عسى أن يكون معينا لك على التزود من صالح الأعمال.
( الصفحة رقم: 135)
تذكر أيها المسلم ساعة مفارقتك لهذه الدنيا ، ساعة نزول ملك الموت بك واقتراب أجلك ، حولك أهلك وذووك لا يستطيعون أن يدفعوا عنك سوءا ولا يؤخروك يوما ، تعاني ما لا يعلمون ولا يدور في أفكارهم ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ .
“ يمثل للمسلم عند احتضاره مقعده في الجنة ، وللكافر مقعده من النار “
تذكر أيها المسلم مفارقتك لهذه الدنيا ، وتذكر أن المؤمنين في تلك اللحظة يعيشون سعادة وراحة تبشرهم ملائكة الرحمن ، أَلا تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ، يمثل له مقعده في الجنة فيراه قبل أن يفارق فراشه ، فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه ، وأما الكافر فإنه يمثل له مقعده من النار فيكره لقاء الله فيكره الله لقاءه ولا بد له من الموت ، فتذكروا هذه الأمور عسى أن تكون سببا لصلاح قلوبكم واستقامة أحوالكم ، تذكروا ما بعد الموت ، تذكروا العظيمتين الجنة والنار ، مآل المتقين ومآل الفجار ، وليكن تذكركم لها دائما؛ عسى أن تكون هادية لكم إلى الخير ، وسببا في استقامة القلوب والأعمال.
اللهم وفق المسلمين لما يرضيك ، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك ، اللهم اغفر لهم وارحمهم ، وعافهم واعف عنهم ، وأكرم نزلهم ، ووسع مدخلهم ، واغسلهم بالماء والثلج والبرد ، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ، اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا ، ووفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين ، اللهم
( الصفحة رقم: 136)
أصلح ولاة المسلمين عامة ودلهم على كل خير وهدى ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .
عباد الله ، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، يعظكم لعلكم تذكرون ، فاذكروا الله العلي العظيم يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر ، والله يعلم ما تصنعون .



  سابق     تالي