تصفح برقم المجلد > الجامع لخطب عرفة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ > خطبة عام 1408 الهجري

( الصفحة رقم: 142 )

خطبة عام 1408 الهجري

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إن الحمد لله ، نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، فمن يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
فضل كلمة التوحيد
كلمة قامت عليها الأرض والسماوات ، وفطر الله عليها جميع المخلوقات ، عليها أسست الملة ونصبت القبلة ، ولأجلها جردت سيوف الجهاد ، وهي أعظم واجب ، افترضها الله على جميع العباد ، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها ، ومفتاح عبوديته التي دعا الأمم على ألسنة رسله إليها ، فهي كلمة الإسلام ، ومفتاح دار السلام ، وهي أساس الفرض والسنة ، ومن كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة.
معنى شهادة أن محمدا عبده ورسوله ، وبيان فضائل النبي صلى الله عليه وسلم
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وخيرته من خلقه وحجته على عباده ، وأمينه على وحيه ، أرسله رحمة للعالمين ، وقدوة للعالمين ، وحجة على المعاندين ، وحسرة على الكافرين ، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، أنعم به على أهل الأرض نعمة لا يستطيعون لها شكورا ، أمده بملائكته المقربين وأيده بنصره وبعباده المؤمنين ، أنزل عليه كتابه المبين الفارق بين الحق والضلال ، والغي والرشاد ، والشك واليقين ، شرح له صدره ، ووضع عنه
( الصفحة رقم: 143)
وزره ، ورفع له ذكره ، وألزم الذل والصغار كل من خالف أمره ، وسد كل الطرق الموصولة إليه وإلى جنته ، فلم يفتح لها طريقا إلا من طريقه ، افترض على العباد طاعته ومحبته والقيام بحقوقه ، فهو الميزان الراجح الذي على أقواله وأخلاقه وأعماله توزن الأخلاق والأقوال والأعمال ، فهو الفرقان الذي باتباعه يتميز أهل الهدى من أهل الضلال ، أشرقت به الأرض بعد ظلمتها ، واجتمعت به القلوب بعد شتاتها ، فامتلأت به الأرض نورا وابتهاجا ، ودخل الناس في دين الله أفواجا ، حتى إذا أكمل الله به الدين ، وأتم به نعمته على عباده المؤمنين ، استأثر به فنقله إلى الرفيق الأعلى ، بعد ما ترك أمته على المحجة البيضاء ، والطريقة الواضحة الغراء ، فصلى الله وملائكته وأنبياؤه وعباده الصالحون على هذا النبي الكريم ، كما عبد الله وعرف بالله ودعا إلى الله ، اللهم صل وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ، وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد :
الوصية بتقوى الله -عز وجل- ، وأنها سبب لنيل السعادة في الدنيا والآخرة
أيها الناس ، اتقوا الله تعالى حق التقوى ، اتقوا ربكم عباد الله بامتثال أمره واجتناب نهيه كما أمركم بذلك؛ لتنالوا السعادة في الدنيا والآخرة ، فقد أمركم الله بتقواه وأن تلزموا التقوى إلى أن توافوا ربكم ، قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ اتقوه حق تقاته ، والزموا جانب التقوى حتى يوفيكم الأجل وأنتم على هذه الحال.
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا أمركم الله بأن
( الصفحة رقم: 144)
تعتصموا بحبله بالتمسك بكتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ، فهما حبل الله المتين ونوره المبين ، وأمركم الله أن تجتمعوا وتتآلفوا عليه ، فإن القلوب لا يمكن أن تتآلف بغير هذا الدين وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، فالاجتماع إنما يكون على هذا الدين الذي يخاطب العقول والفطرة السليمة.
أمر الله المؤمنين بالاعتصام بحبله المتين وحذر من التفرق والاختلاف
وحذركم الله من التفرق والاختلاف فقال : وَلاَ تَفَرَّقُوا ، إن التفرق نتيجة البعد عن الكتاب والسنة ، فكلما قوي تمسك الأمة بدين الله قوي اجتماعها وعظم تآلفها ، والتحمت كلمتها وعزت وعظمت ، وكلما تفرقت الأمة ضعف تمسك الأمة بهذا الدين ، ودب إليها من الفرقة والاختلاف على قدر بعدها عن هذا الدين ، وذكر الله الأمة نعمته عليهم وحالهم قبل الإسلام فقال : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، بهذا الدين إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ، أجل إنهم قبل الإسلام أعداء، أنهم قبل الإسلام متفرقون ، إنهم قبل الإسلام متنازعون تسودهم الفوضى ، الحكم للقوة لا للدين والعقل ، يأكل القوي الضعيف ، ويطغى الظلم والعدوان والفوضى .
“ جمع الله بالإسلام القلوب وألف به الكلمة “
فجاء الله بالإسلام فجمع به القلوب وألف به الكلمة فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ، بالإسلام أصبحتم إخوانا متحابين متآلفين ، تجمعكم أخوة الإيمان ، وتوحدكم رابطة الإسلام ، وقد ذكَّر المصطفى -صلى الله عليه وسلم-
( الصفحة رقم: 145)
وسلم الأوس والخزرج هذه النعمة فقال يا معشر الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ، وعالة فأغناكم الله بي
إن الرعيل الأول من هذه الأمة الذين عاشوا الجاهلية يعلمون حقيقة ما فيها من ظلم وفساد ، وما فيها من فرقة واختلاف ، وما من الله عليهم به من هذا الذين الذي جمع قلوبهم ووحد صفهم ، وجعلهم كالبيان المرصوص يشد بعضه بعضا .
“ انقسم الناس في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وحتى في زماننا هذا إلى مؤمن وكافر ومنافق “
أمة الإسلام ، لما هاجر المصطفي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة بأمر الله –بعدما فشا الإسلام بين الأوس والخزرج – وصارت المدينة دار الإسلام ، واستقرار المصطفي -صلى الله عليه وسلم- بها ، وجرت وقعة بدر الكبرى التي أيد الله فيها نبيه وأصحابه وأرغم أنوف أهل الشرك والضلال ، دخل في الإسلام فئة من الناس لا رغبة لهم في الإسلام ، ولا حب في الإسلام ، ولكن دخلوا فيه ، ليحقنوا دماءهم ويحموا أموالهم ، ويعشوا بين المسلمين ، فمن هنا برزت معضلة النفاق الكبرى ، فصار الناس أمام هذا الدين ما بين مؤمن ظاهرا وباطنا ، وهم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- الكرام ، الذين آمنوا بقلوبهم وصدقوا بألسنتهم ، وظهر أثر ذلك الإيمان على جوارحهم ، في تصرفاتهم ، في أقوالهم وأعمالهم ، وبين كافر قد استبان كفره وضلاله ، فهو كافر ظاهرا وباطنا ، وفئة أخرى كانوا مع المؤمنين في ظاهرهم ومع الكافرين في باطنهم وهم المنافقون ، فتلك البلية العظمى والمصيبة الكبرى ، إن الإسلام إنما أصيب على أيدي المنافقين المتربصين بالإسلام وأهله
( الصفحة رقم: 146)
الدوائر المتظاهرين بالإسلام خداعا ونفاقا ، المفارقين له حقيقة وباطنا ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ .
“ ذكر الله صفات المنافقين وكشف أحوالهم في القرآن ليكون المسلم على حذر منهم “
ولأجل ذا جاءت نصوص القرآن الكريم توضح أخلاق المنافقين وتبين صفاتهم وتكشف حالهم ، ليكون المسلم على حذر منهم ، فلا يغتر ولا ينخدع بهم ، فيأخذ حذره فلا يغتر بهم وبأباطيلهم ، جاءت نصوص القرآن لتبين حالهم ، وأخبر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- أنه قادر أن يوقفه على أعيانهم كلهم ، ولكن حكمته اقتضت أن تجري الأحكام على الظاهر ، إلا أنه -جل وعلا- بين أمورا يستدل بها ذوي البصائر على نفاق المنافقين وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ، إن كل من أسر بلاء وفسادا فلا بد أن يتلفظ بلسانه عما أكنه قلبه ، ومن أسر سريرة ألبسه الله رداءها علانية ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر
ولقد كان سلفكم الصالح يخافون هذا البلاء على أنفسهم ، ويخشون أن يشوب إيمانهم شيء من النفاق لعلمهم بمصير المنافقين المحتوم إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ .
هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ناشد حذيفة بن اليمان قائلا: أسألك بالله هل عدني لك رسول الله من المنافقين ؟ فيقول : لا ، ولا أزكي أحدا بعدك فإذا كان هذا خوف عمر على نفسه مع الإيمان واليقين الصادق ، فليحذر كل مسلم أن يكون في إيمانه شيء من النفاق وليحاسب نفسه .
( الصفحة رقم: 147)
“ من صفات المنافقين: الإيمان ظاهرا لا باطنا “
وقد أوضح الله -عز وجل- صفاتهم ، فبين –تعالى- أن من صفاتهم : أن إيمانهم ظاهر لا باطن ، يقول –سبحانه-: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ، فهم آمنوا في الظاهر وكفروا في الباطن ، فقلوبهم على خلاف ما أظهروه .
“ من صفاتهم: الاستهزاء بأهل الإسلام “
ومن صفاتهم ، أنهم يصفون أهل الإسلام بأنهم سفهاء العقول ، ضعفاء الرأي ، قليلو التفكير ، وهم في نفس الوقت يرون أنفسهم أهل الرأي الصائب والعقب الراجح وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ، مقالة قالها قبلهم قوم نوح لنوح: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ .
“ من صفاتهم: جعل الصلاح فسادا “
ومن صفات القوم : أنهم يعدون الصلاح والخير فسادا ، والإفساد والشر صلاحا ، فإذا دعوا إلى التمسك بالحق ولزومه جعلوا ذلك فسادا ، والكفر والضلال والباطل صلاحا ، انتكاس في الفطر ، وانعكاس في العقول ، وانقلاب في الحقائق ، يقول الله -عز وجل-: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ، ويقول -سبحانه-: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ
“ تشابه قلوب المنافقين قديما وحديثا “
وهذه مقالة قالها فرعون في حق موسى وأتباعه ، يقول –سبحانه- قاصا خبره : إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ
( الصفحة رقم: 148)
ومنافقو العصر إذا دعوا إلى الخير والهدى ، وحذروا من إضرار المسلمين ونشر الفتن بين صفوفهم وإعانتهم العدو على الإسلام وأهله -قالوا: نحن مصلحون ، ونحن ونحن ... تشابهت القلوب في الكفر والباطل.
“ من صفاتهم: الإعراض عن حكم الله وشرعه “
ومن صفات القوم: أنهم إذا دعوا إلى تحكيم شرع الله وتنفيذ أحكام الله العادلة ، صدوا وانصرفوا وأعرضوا ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ، فنفوسهم تميل إلى أحكام الكفرة ، إلى القوانين الجائرة الظالمة التي تبيح لهم المحرمات والفجور ، وتسمح لهم بالسوء والفساد ، أما أحكام الله العادلة المنصفة التي تأخذ حق المظلوم من ظالمه ، فتلك أحكام لا يقبلونها ، لما في قلوبهم من عداوة للإسلام وأهله ، فإن يَكُ في أحكامه موافقة لأهوائهم قبلوها ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ما قبلوها إلا لموافقتها لأهوائهم لا غير.
“ من صفاتهم: السخرية بأهل الصلاح “
ومن صفات القوم : أنهم يستهزئون بالإسلام وأهله ، ويعيبون أهل الإسلام ويسخرون بالمسلمين وأعمالهم ، يسخرون بأهل الخير والصلاح : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ .
( الصفحة رقم: 149)
“ من صفاتهم: السعي في إبعاد المجتمع المسلم عن دينه “
ومن صفات القوم : أنهم يحاولون صبغ المجتمعات الإسلامية بصبغة غير إسلامية ، شرقية كانت أو غربية ، يحاولون أن يحولوا المجتمع المسلم حتى يكون مجتمعا إباحيا إلحاديا ، هكذا يسعى المنافقون وأتباعهم ، قال الله -جل جلاله-: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً .
“ من صفاتهم: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف “
ومن أخلاق القوم : أنهم أَمَرَةٌ بالمنكر نُهَاةٌ عن المعروف ، أَمَرَةٌ بكل شر وفساد ، نُهَاةٌ عن كل خير وصلاح ، يقول الله تعالى : الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، فهم عكس أهل الإيمان الذين هم أَمَرَةٌ بالمعروف ، ونُهَاةٌ عن المنكر ، يقول الله –سبحانه-: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ .
“ من صفاتهم: عدم الثقة بموعد الله “
ومن أخلاق القوم : أنهم يرون أن وعد الله بنصر دينه ومن اتبعه ووعده المتقين بالثواب ، وتوعده الكافرين بالعقاب – إن ذلك غرور وخداع ؛ لأنهم لا يصدقون بلقاء الله ولا يؤمنون بوعيده وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا .
أيها المسلمون ، احذروا النفاق وأعمال المنافقين ، وكونوا على حذر منهم ومن شرهم وفسادهم .
“ وصايا لرجال الصحافة والإعلام “
رجال الصحافة والإعلام : اتقوا الله في أنفسكم ، وسخروا أقلامكم لخدمة هذا الدين ، وعرض مشاكل الأمة ، وطرح الحلول المناسبة لها في حدود كتاب ربنا وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، وجهوا وسائل إعلامكم لخدمة قضايا
( الصفحة رقم: 150)
الأمة ، واحذروا أن يندس فيها منافق ضال يغير اتجاهها إلى اتجاه غير سليم.
“ وصايا للقائمين على المراكز الإسلامية “
القائمون على المراكز الإسلامية والجمعيات الخيرية في أنحاء العالم ، عليهم تقوى الله في أنفسهم ، وأن يجعلوا تلك المراكز والجمعيات منابر خير وهدى ، ينطلق منها صوت الإسلام وينشر فيها محاسن الدين ، ويوضح فيها الحق من الباطل ، احذروا أن يندس من بين صفوفكم الضالون والمفسدون ، الذين يأتون بأفكار غربية ومبادئ ضالة بعيدة عن الإسلام وأهله ، وإن تظاهروا بالإسلام فهم أعداؤه الألداء وهم خصومه ، فاحذروا هذا الأمر واجعلوا هذه المراكز والجمعيات مراكز خير ومنابر هدى ، وجنبوها المندسين من المنافقين والضالين والمفسدين ، لا تسمحوا لهم بشيء؛ فإنهم يسعون في الأرض فسادا ، فاجعلوا هذه المراكز والجمعيات تخدم قضايا الأمة وتخدم الإسلام وأهله ، وجنبوها أن يندس من بين صفوفها من لا خير فيه من الذين يحاولون أن يبثوا فيها أفكارهم ومبادءهم وآراءهم البعيدة التي تشوه الإسلام وأهله.
“ واجب علماء المسلمين في تحذير المجتمع المسلم من النفاق “
علماء المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي ، عليكم واجب عظيم: تقوى الله في أنفسكم ، وتحذير المجتمع المسلم من هذه الأفكار والمبادئ السامة الضالة ، حذروا المجتمعات الإسلامية أن ينخدعوا ويغتروا بهذه الأفكار والآراء الزائفة.
يا أمة الإسلام ، يا أمة القرآن ، يا أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ، يا من جعلكم الله خير أمة أخرجت للناس ، إن هذا الفضل لن تناله الأمة المحمدية بالدعاوى والأماني ، ولكن بالعمل بمقتضى هذا الفضل ، فالله فضلكم وشرفكم على غيركم ، فقال تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، أنتم
( الصفحة رقم: 151)
خير الناس للناس ، أنتم شهداء الله على الأمم ، جعلكم الله شهداء على الأمم ، اختصكم بهذا النبي الكريم ، وهذا القرآن العظيم ، وهذه الشريعة الكاملة التامة في نظمها ومبادئها ، فاتقوا الله وقابلوا هذه النعمة بشكر الله بالإيمان الصحيح الصادق ، وإقامة شرع الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، تأمرون بكل خير وصلاح ، وتنهون عن كل شر وفساد ، وترسون دعائم الأمن والاستقرار ، وتصلحون فساد الأمة وتجمعون شملها .
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان الأمة من التخريب والدمار
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان الأمة ، وسياج منيع يقيها من التخريب والدمار ، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس لفئة معينة ، ليس لجيل معين ، ولكنه خير تتربى عليه الأجيال جيلا بعد جيل ، فيكون المجتمع المسلم متوارثا لتلك القيم والأخلاق ، ذلكم أن المجتمع المسلم ينبغي أن يكون مغايرا لغيره من المجتمعات بمحافظته على قيمه وفضائله وأخلاق دينه وتمسكه بهذا الدين.
“ لا منافاة بين التمسك بالدين وبين الأخذ بأسباب الرقي والمدنية الصحيحة “
إن الأمة الإسلامية يجب أن تكون مدنيتها ورقيها وتقدمها مواكبا لدينها نابعا من دينها؛ إذ ليس دينها حجر عثرة أمام أي تقدم وأي رقي صحيح ، بل الأمة يكون رقيها ومدنيتها على بنيان قوي من قيمها وأخلاقها ، إن الدين الإسلامي دين ودنيا ، حياة وآخرة ، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ، اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ، فليس بين التمسك بالدين ولا بين الرقي والمدنية الصحيحة أي تناف ، فديننا دين خير وعز وكرامة ورقي.
“ رفعة الأمة المحمدية في تمسكها بدينها ، وضعفها وهوانها في بعدها عن دينها “
أمة الإسلام ، إن هذه الأمة المحمدية إذا تمسكت بدينها عزّت ونالت
( الصفحة رقم: 152)
الكرامة والرفعة في الدنيا والآخرة ، إن ما أصاب الأمة من ضعف ووهن وتفرق واختلاف وتسلط العدو إنما هو ببعدها عن دينها ، ببعدها عن إسلامها ، هذا الدين الذي قام به أوائلكم ، فنالوا به من الله العزة والتمكين ، مكن الله لهم في البلاد ، وحكمهم على معظم العباد ، وكانت لهم الكلمة النافذة والمقالة الماضية ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا
“ على ولاة الأمر والقادة تحكيم شرع الله في شعوبهم “
فيا قادة المسلمين ، اتقوا الله في شعوبكم ، وحكموا فيهم شرع الله؛ لتعيشوا وإياهم في أمان واستقرار ، إن ما أصاب الأمة الإسلامية من تقلب في اقتصادها ، ونقص في مواردها ، وجدب وبلاء ، إنما أسبابه بعدها عن هذا الدين ، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ .
فاتقوا الله أمة الإسلام في أنفسكم ، وعودوا إلى إسلامكم عودا صحيحا ، اجمعوا قلوبكم على هذا الخير ، تكاتفوا على هذا الدين ، حلوا مشاكلكم وقضاياكم في إطار الأمة الإسلامية ، فعدوكم يحب أن يراكم متفرقين ، يحب أن يراكم متنازعين ، يحب أن يرى بعضكم ضد بعض ، يحب أن يرى بعضكم يقتل بعضا ، ويهدد بعضكم بعضا ، لتكونوا فريسة سهلة له ، فلنتق الله في أنفسنا ، ولنصحح أوضاعنا ، ولنعد إلى ديننا ، فثم العزة والكرامة.
( الصفحة رقم: 153)
“ بيان فضل الحج وفوائده ومنافعه
حجاج بيت الله الحرام ، اشكروا الله على نعمته إذ هيأ لكم الوصول إلى هذه الديار المقدسة ، ومكنكم من أداء نسككم ، التقيتم في هذا المكان المبارك على صعيد عرفات في هذا الموسم الكريم ، هذا اللقاء الذي هو لقاء عبادة الله ، لقاء تجمع وتعارف وتنسيق وتعاون وتفاهم بين الأمة؛ لنشهد في هذا اللقاء منافع لنا ، من أعظمها طاعة الله والسعي في مرضاة الله ، يجب على الأمة أن تستفيد من هذا التجمع الكريم فوائد عظيمة ، تعود عليها وعلى شعوبها بالخير والصلاح .
إن المسلم وهو يرى إخوانا له أتوا من أقطار الدنيا إجابة لنداء الله -عز وجل- ، وتلبية لنداء الخليل -عليه السلام- ، يرى أناسا جاءوا من كل حدب وصوب ، تغيرت البلاد والألوان واللغات ولكن اتحدت القلوب على الخير ، فالهدف واحد والغاية واحدة ، طاعة لله واستجابة لندائه وطلب الفضل والمغفرة منه .
“ النعم العظيمة التي تعيش فيها هذه البلاد ، ومن أهمها نعمة الأمن “
حجاج بيت الله الحرام ، وطأتم أرض هذه البلاد الطاهرة المباركة ، وشاهدتم ما أنعم الله به على أهلها من أمن واستقرار ورغد العيش ونعم متوافرة ، أعلاها وأعزها نعمة الإسلام واجتماع الكلمة على هذا الدين ، إن هذه البلاد -ولله الحمد تعيش- في نعمة عظيمة من نعم الله ، ألا وهو تحكيم شرع الله وإقامة حدود الله ، فتحاكمنا إلى القرآن والسنة ، ومحاكمنا تطبق أحكامه وتعمل بمقتضاه ، فأمن الله هذه البلاد من كل المخاوف ، وجمع قلوبهم على الخير ، وهيأ لهم من رغد العيش والنعمة ما هو معروف لدى كل عاقل ، وجعل الله بين قادتها وبين مواطنيها محبة ومودة واتفاقا ولقاء على الخير والهدى ، إن هذا الأمن والاستقرار الذي تنعم به هذه البلاد ، كله من فضل الله ، ثم جهود قادة هذه البلاد ، وما قاموا به من
( الصفحة رقم: 154)
جهود عظيمة في سبيل راحة المسلمين واستقبال الحجيج كل عام ، وتهيئة السبل المناسبة لهم حتى يؤدوا نسكهم على الوجه المرضي ، ما فعلوا ذلك إلا طاعة لله وطلبا لثواب الله ، فجزاهم الله عما فعلوا خيرا.
“ حماية الله تعالى لبيته الحرام ، وعقابه لكل من يحاول الإخلال بأمنه “
حجاج بيت الله الحرام ، إن الله من عزته وحكمته حمى بيته الحرام وجعله آمنا مطمئنا كما أخبر الله أنه حرما آمنا ، وأن من أراده بشر فإن الله يعاقبه بمجرد همه ، وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ، وحكمة الله اقتضت أن كل من هم بسوء فإنه يعاجل له العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم .
لقد حاول أبرهة أن يؤذي البيت الحرام ويهدمه ، فأنزل الله عليه طيرا أبابيل ، ترميهم بحجارة من سجيل ، وحاول فئة أخرى ليذيقوا أهله الذل والهوان ، فسلط الله عليهم عقوبة سلبت عنهم كل خير ، وهذه سنة الله فيمن همَّ في هذا البيت الحرام بسوء وفساد ، أن يعجل له العقوبة وينزل به الذل والهوان ، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
“ وجوب الحج وأنه ركن من أركان الإسلام “
حجاج بيت الله الحرام ، إن الله افترض الحج على أمة الإسلام وجعله خامس أركان الإسلام ، افترضه على المسلم في عمره مرة ، من أداه في عمره فقد أدى الواجب الذي عليه ، وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ، خطب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فقال: أيها الناس ، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا". فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال:
( الصفحة رقم: 155)
رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " لو قلت: نعم ، لوجبت ، ولما استطعتم" ، ثم قال: " ذروني ما تركتكم
فصلوات الله وسلامه عليه .
“ بيان صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم
أمة الإسلام ، إن محمدا -صلى الله عليه وسلم- حج في عمره حجة واحدة ، حج بعد الهجرة حجة واحدة سماها المسلمون "حجة الوداع" ، أعلمهم مناسك الحج بقوله وعمله ، ما قال قولا ولا عمل عملا إلا قال : خذوا عني مناسككم ، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا
وقف -صلى الله عليه وسلم- بعرفة وقال : " وقفت هاهنا ، وعرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة وصلى بعرفة الظهر والعصر جمع تقديم ، ثم انصرف من عرفة بعد غروب الشمس ، ثم أتى المزدلفة وصلى بها المغرب والعشاء ، وبات بها وصلى بها الفجر ، ثم أتى المشعر الحرام وذكر الله وعظمه ، ثم انصرف فرمى جمرة العقبة ، ثم نحر هديه ، ثم حلق رأسه ، وحل من إحرامه التحلل الأول فتطيب ، ثم طاف بالبيت ، صلوات الله وسلامه عليه ، وتحلل التحلل الثاني بعد الطواف.
فضل يوم عرفة والتحريض على إخلاص العبادة فيه “
حجاج بيت الله الحرام ، إن هذا اليوم المبارك من أعظم أيام الله ، يوم عرفة يوم الحج الأكبر ، أيها المؤمنون ، عظموا في هذا اليوم ربكم ، وأكثروا من الثناء عليه وذكره وتعظيمه بما أنعم الله عليكم به من النعم العظيمة ، حيث أكمل الله لكم دينكم وأتمم عليكم نعمته ، هذا يوم عظيم يباهي الله بكم ملائكته ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟
( الصفحة رقم: 156)
ويقول: ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة ، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام فأروا الله من أنفسكم خيرا .
ارفعوا أكف الضراعة إلى ذي الجلال والإكرام ، اسألوه من فضله مغفرة ذنوبكم وحط أوزاركم والتجاوز عن زلاتكم ، ارفعوا أيدي الضراعة إليه ، أكثروا من : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، فإن نبيكم يقول: خير الدعاء دعاء يوم عرفة ، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي يوم عرفة: لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير
أخلصوا لله دعاءكم وتضرعوا بين يدي ربكم واسألوه التوفيق والسداد والهداية ، إنه على كل شيء قدير.
“ إرشاد الحجاج إلى ما تبقى من أعمال الحج “
قفوا بعرفة ولا تنصرفوا منها إلا بعد غروب الشمس ، ومن انصرف منها قبل الغروب فقد خالف هدي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ، صلوا بها الظهر والعصر جمعا وقصرا ، ثم انصرفوا إلى مزدلفة ، وصلوا بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا ، ولكم أن تدفعوا بعد نصف الليل ، والأفضل البقاء حتى تصلوا بها الفجر ، ثم ائتوا إلى منى وارموا بها جمرة العقبة بعد طلوع الشمس ، ثم انحروا الهدي إن كنتم متمتعين أو قارنين ، ثم احلقوا رؤوسكم ، والحلق أفضل من التقصير ، ثم طوفوا بالبيت واسعوا بين الصفا والمروة ، ومن قدم يوم النحر شيئا على شيء ، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : " لا حرج السنة: الرمي ، ثم النحر ، ثم الحلق
( الصفحة رقم: 157)
ثم الطواف ، ومن قدم شيئا على شيء فنبيكم -صلى الله عليه وسلم- ما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال : " افعل ولا حرج بيتوا بمنى ليلتين من ليالي التشريق إن تعجلتم ، فارموا في اليوم الحادي عشر الجمار الثلاث مرتبة بعد الزوال : الصغرى ، ثم الوسطى ، ثم العقبة ، وفي اليوم الثاني عشر كذلك ، فإن أحببتم أن تنصرفوا فلا شيء عليكم ، وإن أحببتم أن تقيموا في اليوم الثالث فلا شيء عليكم فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ .
“ نصيحة للقائمين على الهدي والمطوفين والمتعهدين بالحجاج “
أيها المسئولون ، أيها القائمون بعُهَد الهدي والأضاحي ، اتقوا الله في أنفسكم ، واعلموا أن الحجاج ائتمنوكم على هديهم ، ائتمنوكم على أضاحيهم ، فاتقوا الله في أنفسكم ولا تذبحوا إلا ما وافق السنَّ الشرعي ، وكِلُوا الذبح إلى من يحسنه ويؤدي الذكاة الشرعية كما يحب الله ويرضاه .
أيها المسئولون المتعهدون بالحجاج ، أيها المطوفون ، اتقوا الله في الحجاج ، اتقوا الله فيهم وقفوا بهم المواقف الشرعية ، واحذروا أن تسعوا فيما يفسد حجهم ويضعف ثوابه ، فإنها أمانة والله سائلكم عنها ، فاتقوا الله يا عباد الله في أنفسكم ، وائتمروا بينكم بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، وتذكروا في هذا المجتمع وقوفكم بين يدي الله حفاة عراة ، تذكروا في هذا المجتمع وقوفكم بين يدي الله ، واسعوا في تخليص أنفسكم من عذاب الله ، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا بأننا نشهد أنك أنت
( الصفحة رقم: 158)
الله الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، أن تجعل حجنا مبرورا ، وذنبنا مغفورا ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات ، والمؤمنين والمؤمنات ، اللهم ألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم ، وانصرهم على عدوك وعدوهم ، واجمعهم على كلمة التقوى ، إنك على كل شيء قدير ، وأعذهم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن ، اللهم آمنا في أوطاننا ، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، اللهم وفق إمام المسلمين لما تحبه وترضاه ، اللهم انصر به دينك وأعلِ به كلمتك ، وأخذل به أعداءك ، اللهم اجزه ومن معه عما قدموا للحجيج خيرا ، إنك على كل شيء قدير .
عباد الله ، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، يعظكم لعلكم تذكرون ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم ، واشكروه على عموم نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر ، والله يعلم ما تصنعون ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين.



  سابق     تالي